بُني ليبقى حتى لو احترقت أو غرقت مصر: مسجد ابن طولون

السبت 1 يونيو 201903:54 م

يُعدّ مسجد أحمد بن طولون، واحداً من أقدم وأكبر المساجد في العالم، وهو تحفةٌ فنيّةُ معماريّة فريدة على قائمة تراث اليونسكو، ضمنياً، لأنه يقع في نطاق القاهرة التاريخيّة.

تذكر الكتب التاريخيّة أن "ابن طولون" وقف على قمّة جبلٍ صخري يُدعى جبل يشكر (منطقة السيدة زينب حاليّاً) وقال: "أريد أن أبني جامعاً إذا احترقت مصر بقي وإن غرقت بقي". وبالفعل شيّد مسجداً ضخماً من الجير والرماد والآجرّ الأحمر، حتى لا يحترق وعلى قمّة الجبل حتى لا يغرق.

ويُعتبر مسجد أحمد ابن طولون من المساجد المعلّقة، وهو ثالث مسجد بني في مصر الإسلاميّة عام 876 م، بعد مسجدي "عمرو بن العاص"، و"العسكر".

تذكر الكتب التاريخيّة أن "ابن طولون" وقف على قمّة جبلٍ صخري يُدعى جبل يشكر (منطقة السيدة زينب حاليّاً) وقال: "أريد أن أبني جامعاً إذا احترقت مصر بقي وإن غرقت بقي".

يُعتبر مسجد أحمد ابن طولون من المساجد المعلّقة، وهو ثالث مسجد بني في مصر الإسلاميّة عام 876 م، بعد مسجدي "عمرو بن العاص"، و"العسكر".

قَدِم ابن طولون إلى مصر في رمضان سنة 254 هـ/ أغسطس 868 م نائباً عن باكباك التركي الذي قلّده الخليفة العبّاسي ولاية مصر، واستخلفه على القصبة (الفسطاط) وأسيوط وأسوان.

وفي سنة 259 هـ- 873م قلّده الخليفةُ المعتمد الخراج على مصر والولاية على الثغور الشاميّة، وبدأ في تأسيس الدولة الطولونيّة، وكانت أول دويلة تنفصل سياسيّاً عن الخلافة العباسيّة وتنفرد بحكم مصر والشام، لكنها لم تنفصل دينيّاً عن الخلافة، فكانت المساجد تدعو للخليفة العبّاسي استمراراً للوحدة الدينيّة الإسلاميّة.

الدولة الطولونيّة دولة

كان لقوّة ابن طولون وسطوته خير أثرٍ في مصر، فسادت السكينة البلاد ونمت ثروتها، وتعلّقت به قلوب المصريين واعتبروا أن الدولة الطولونيّة دولتهم

وكان لقوّة ابن طولون وسطوته خير أثرٍ في مصر، فسادت السكينة البلاد ونمت ثروتها، وتعلّقت به قلوب المصريين واعتبروا أن الدولة الطولونيّة دولتهم، خاصّةً بعد انخراطهم في صفوف الجيش لأوّل مرّة منذ قرونٍ طويلة، واتضح مقدار هذا التعلّق مع فجيعتهم بوفاته سنه 270 هـ/ 883م وسقوط الدولة الطولونيّة على يد العبّاسيين، بعد ان استمرّت 38 عاماً، تجلّت فيها مظاهر الترف والرخاء في جميع مناحي الحياة، وانعكست على بناء هذا الصرح الضخم الذي ظلّ طيلة القرون الماضيّة صامداً رغم ما شاهدته مصر من كوارث وحروب.

عندما استقرّ أحمد بن طولون في مصر، قرّر بناء مدينةٍ جديدةٍ خاصّة به وبجنده، تكون عاصمة لمصر، بعد أن ضاقت بهم مدينة الفسطاط، فأنشأ عام 257 هـ/ 870م مدينةً جديدة ممتدّة من المقطّم إلى جبل يشكر، سمّاها (القطائع)، وكانت أوّل مدينةٍ ذات طابعٍ ملكي أنشئت في وادي النيل. وبنى قصره تحت القلعة، واتخذ غربه ميداناً فسيحاً، ثمّ بنى داراً جديدة للإمارة تلاصق الجامع من الجهة الشرقيّة الجنوبيّة.

بناء المسجد

وبدأ في بناء المسجد سنة 263 هـ/ 876 م وتمّ الانتهاء منه في رمضان سنة 265 هـ/ 878 م، كما ثبت ذلك من رواية المؤرخ الكبير تقي الدين بن على المعروف باسم المقريزي، ومساحة المسجد حوالي 25 ألف متر مربع حتى يتسع للمصلين والجنود في صلاة الجمعة، وبلغت تكاليفه مائة وعشرين ألف دينار، ولو لم يبن الجامع على الصخر لتجاوزت نفقات البناء هذا القدر.

استعان ابن طولون بالمعمار المصرى القبطى "السعيد بن كاتب الفرغاني" وهو من أمهر مهندسي العمارة بمصر، صمم الفرغاني المسجد بلا أعمدة ورفعه على دعامات من الآجر، ولم يدخل الرخام في بناء المسجد سوى عمودي القبلة، فالرخام لا صبر له على تحمّل النار إذا اشتعلت.

وصُمّم المسجد على طراز مسجد الرسول في المدينة المنوّرة والذي يتكوّن من صحنٍ كبير تتوسّطه فسقيّة من الرخام تعلوها قبة مثمّنة التركيب، مموّهة بالذهب ومحمولة على أعمدةٍ من الرخام، لكن عام 376 هـ/986 م أي في عهد العزيز بالله، ثاني خلفاء الدولة الفاطميّة، تعرّضت الفسقيّة بقبّتها الثمينة للحريق، ثمّ جُدِّدت سنة 385هـ/995م لكنها هوت مرّة أخرى في تاريخٍ غير محدّد.

وتحيط بالمسجد أربعة أروقة ذات عقود مدببة، أكبرها وأهمّها رواق القبلة، وهو مربّع الشكل، يتوسّطه صحنٌ كبيرٌ مكشوف، ويتكون من 5 صفوف من البوائك عقودها مدبّبة، محمولة على دعامات مبنية من الآجر، وفي أركانها أعمدة مدمجة. في حين تحتوي الأروقة الثلاثة الأخرى على صفّين من البوائك ذات العقود المدبّبة أيضاً، يحيط بالمسجد من جهاته الشماليّة والجنوبيّة والغربيّة ثلاث مساحات مستطيلة مضافة تعرف بالزيادات، يوجد مثلها في جامع سامرّاء الذي تأثر به ابن طولون كثيراً، ولهذه الزيادات أسوار عالية تنتهي بالعرائس، كما تعرف عند علماء الآثار الإسلاميّة بعرائس السماء، لإنها تشبه في شكلها صفوف المصلّين في الصلاة. 

وقد فتحت بها أبواب ويبلغ عددها 21 باب، وعدد أكبر من النوافذ يبلغ 129 نافذة.

تعدّد المحاريب

يتميّز جامع ابن طولون بتعدّد المحاريب، فهي تصل لستة محاريب، جميعها بإيوان القبلة، والمئذنة الملويّة المُدرجة الفريدة من نوعها، فهي الثانية في العالم كلّه (بعد مئذنة سُرّ من رأى أو سامراء بالعراق) والتي يكون فيها سلم الصعود من الخارج، وهذا النموذج مأخوذ أصله من العراق، من منارات المعابد الفارسيّة التي كانت تعرف باسم الزيجورات ولكن بشكل متطوّر.

وتعرّضت هذه المئذنة للتجديد في عهد السلطان حسام الدين لاشين، حيث جُدِّد جزؤها العلوي المضلّع الذي يعلو دورتها المستديرة.

تعرّض المسجد لسنوات من التدهور عبر الزمن، لكنه ظلّ صامداً بسبب بنائه القوي وتصميمه الفريد. في عهد محمد بك أبي الذهب، واحد من المماليك الذين سيطروا على زمام الأمور في مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، أنشأ به مصنعاً للأغطية الصوفيّة.

وما أن جاءت سنة 1263 هـ/ 1846م حتى حوّله كلوت بك إلى ملجأ للعجزة، وظلّ كذلك إلى سنة 1882م، حيث تألّفت لجنة حفظ الآثار العربيّة، ففكرت في إصلاح المسجد، وبالفعل قامت بعمل إصلاحاتٍ متنوّعة، وتبعها إصلاحات مختلفة في عهد الملك فؤاد الأول عام 1918، ثمّ الملك فاروق، وأخيراً إصلاحات قامت بها وزارة الثقافة المصريّة عام 2005، ليتمّ افتتاحه بالشكل النهائي المتواجد عليه الآن.

المصادر:  جامع ابن طولون لمصطفى أمين مصطفى، بحث قدمه  محمد عبد اللطيف رئيس قطاع الاثار الاسلامية الاسبق ابن طولون، وأعمال  ابن  تغري بردي والمقرزي. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard