"صوتِك ثورة".. شاعرية لغة الحالمين والغاضبين في وسط البلد

السبت 1 يونيو 201905:17 م

بينما كنت أدخن سيجارتي في شرفة عمارة بشارع متفرع عن شارع الاستاد الرئيسي في مدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية في مصر، مر شابان جامعيان كانا يتحدثان بصوت عال ومسموع كعادة الشباب الريفي، حيث معتادون على المساحات الواسعة، وعلى الجلسات وسط مزارعهم التي يعمل فيها أحد أصدقائهم أو عائلتهم، يتبادلون في عزلتهم أحاديث النميمة اللذيذة على نور نار الحطب الذي يشوي الذرة المقلوع حديثا.

يتحدث الشاب بلهجته الريفية أنه كان في وسط البلد بالقاهرة منذ يومين، وأنه رأى هناك أشياء "ولا في ألف ليلة وليلة"، حيث البنات "على حل شعرهم"، يدخنون الماريجوانا، وينزلون الشارع "بنص كوم، ولبس محزق وملزق"، و"بتشتم، وبتقول "أحة" زي الرجالة عادي، وبيتكلموا لغة مجعلصة كده زي بتاعة المثقفين".

كانت تلك آخر كلمة سمعتها، وأكثر ما شد انتباهي، انتباههم للغة والكلمات.

في البدء كانت الكلمة، ربما لا يبالغ الكتاب المقدس عندما شدد على قداستها وأهميتها، وجعلها سابقة على الوجود نفسه، وكأنه كان وصفا على الشفاه قبل أن تتحول لإلكترونات تدور حول النواة.

الكلمة هي ما يدهش الطفل عندما يبدأ يمتلك القدرة على فهم العالم والتعامل معه، وما يدهش الأجانب والمصريين القادمين حديثا إلى وسط البلد.

تلك اللغة الغريبة والعجيبة في التعامل مع يومياتهم، والتي تم تطويرها عبر عقود، اختلاف وغرابة اللغة يعكس اختلاف شريحة الشباب والبنات في وسط البلد.

يوفر هاشتاج وسط البلد الذي احتل “التريند” على “تويتر” مؤخرا، مادة لغوية ثرية للمتأملين في تلك الحالة، حالة شباب وبنات وسط البلد، التي باتت تشيع الخوف والقلق في غالبية المصريين المحافظين، وأثارت الجدل مؤخرا على السوشيال ميديا كمكان بات مأوى للشباب وصغار السن “الآندر إيدج” كارهي التعليم النظامي، والرافضين للانضباط الوظيفي والاجتماعي، والراغبات في التمرد على العائلة، وخلع الحجاب، ومصاحبة الشباب، وشرب الشيشة على المقاهي في منتصف الليالي، من شرائح الطبقات الوسطى الدنيا والفقيرة، وذلك بعد خفوت نجوم “وسط البلد” السياسي.

 رأى أشياء "ولا في ألف ليلة وليلة"، حيث البنات "على حلّ شعرهم"، يدخنون الماريجوانا، وينزلون الشارع "بنص كوم، ولبس محزق وملزق"، و"بتشتم، وبتقول أحة زي الرجالة عادي، وبيتكلموا لغة مجعلصة كده زي بتاعة المثقفين".

تمثل تلك الطائفة من الفتيان ما يسميه قائد الثورة المخملية في تشيوكوسلوفاكيا فاتسفال هافيل "المجتمع الثاني"، جماعة تتشكل من أفراد لم تعد ترى لطريقة الحياة التقليدية، أو أفكار "المجتمع الأول" بلغة هافيل، معنى، فيشكلون مجتمعا خاصا بهم، ويطبعون مجلات، ويعرضون مسرحيات، ويسمعون موسيقى، ليس لها وجود شرعي أو قانوني، بل على العكس، تُشكِّل تهديداً لـ"المجتمع الأول"، وبالتالي للنظام الذي يعتبر شكل من أشكال تداعياته.

بحسب النمط الذي يرصده هافيل في كتاب "قوة المستضعفين" فإن تلك الفئة تُشكِّل نواة لعادات الغد البعيد، وأنّ هذه العادات والأخلاقيات التي يتمرد عليها "المجتمع الثاني" كانت في مرحلة تاريخية "مجتمعاً ثانياً"، ثم تحوَّلت مع مرور الأجيال، وسعيها للاختلاف والتميز عن الأجيال التي سبقتها، إلى "مجتمع أول"، وهكذا تعيد الدائرة نفسها من جديد.

وفرة من المفردات التي يتداولها شباب وبنات “المجتمع الثاني” في وسط البلد، وهي لغة تتسم بالشاعرية، وتعيد رسم العالم الاجتماعي والسياسي، فبحسب التغريدات التي نالت الكثير من انتقاد وسخرية "المجتمع الأول"، الفشل الذي يقدسه الطموحون والساعون إلى النجاح المهني والمادي اسمه “بوهيمية”، وعندما يريد أن يقول شاب في وسط البلد أنه لم يجد عملاً،  يقول: “لسة مش لاقي نفس”، والاختلاف عن عادات وتقاليد الغالبية يسمونها "اللا منتمي"، وتأخذ محل الطلب بالجنس إيحاءات مطعمة بكلمات خارجة من عبق الكتب، ونكهة الثورة، وروائح التمرد على التقاليد، مثل "الحميمية"، و "حرري جسدك من السلطة الأبوية"، وبدلا من "إنتي عاجباني" يقول "صوتك ثورة".

وبدلا من مؤلفي الأول، يقول كاتب وسط البلد "مولودي الأول"، وبدلا من مهنتي مترجم يقول: "فارس الظل وجسر بين الثقافات"، وبدلا من "العلوقية"  يقولون "فاقد الشغف"، وبدلا من "نهاف سيكس" تصبح "عايز ألمس روحك"، وبدلا من "نودز" اسمها "آرت"، وبدلا من "متضايق" كلمة "منطفىء".

هذه مجمل الكلمات التي استخدمها ويستخدمها شباب وبنات "المجتمع الثاني" في وسط البلد، وهي محل الانتقاد والسخرية والاستهزاء من "المجتمع الأول" على "تويتر".

يغرد حساب أحمد عبدالله منتقدا تلك اللغة، يكتب: "في أي حتة اسمه غباء أو حمورية أو تكرار للغلطات بس في وسط البلد اسمها المعافرة في السكة الغلط."

ويغرد آخر: "الناس العادية تقول "مبسوط" أما أشخاص "وسط ناو" تقول "ممتن"، وبدلا من "صاحبنا"، "محسوب على تيارنا".

بينما هناك أوصاف تبرز الصراع حول أوصاف لسلوكيات اجتماعية، فوسط البلد يأوي العديد ممن لم يكملوا تعليمهم يقولون عن أنفسهم "متحرر من التسلط الأبوي"، بينما يراه منتقدو وسط البلد "أبوه طارده من البيت عشان فاشل"، والمرأة التي تشبع غريزتها في وسط البلد "متحررة" أو "مالتيبل" أو "أوبن ماينديد"، بينما لا يوجد لها وصف في لغة "المجتمع الأول" سوى مفردة مدينة ومهينة.

بداية الثورة.. كلمة

 كل شيء يبدأ من اللغة، فعندما تحدث ثورة، "نبدأ في رسم تصور بالكلمات"، ونتساءل: من هؤلاء؟ ثوار، نشطاء، غاضبون، قلة مندسة، ثورة، مؤامرة، فتنة، يشدد همام يحيى، باحث فلسطيني في الفلسفة والتاريخ، على أهمية اللغة في مقال له.

كتب همام: "من اللغة يبدأ التحيز.. ومنها تبدأ إمكانات الفعل الثوري".

ولفت همام إلى وجود "تحيز لاواعي" ضد الثورات من صانعيها، "يمكن أن يحبط إمكاناتها على الأقل، أو يتحول إلى موقف لاحق معاد لها عن وعي وقصد"، وأرجع ذلك إلى أنها "لم تستطع أن تكتسب لنفسها مشروعية في اللغة، أي في التصور، أي في وعي الإنسان الحي بنفسه واقعه وسائر ما يجري حوله".

فالواقع حول الثورات، بلغة الكاتب الانجليزي جورج أورويل، هي لغة، و"لغة الخنازير" في "مزرعة الحيوان"، نموذج للخداع والتضليل، وحين لا تنجح، يستخدمها "الملك" لقهر الحيوانات.

" اللغة التي استخدمتها الشعوب في الربيع العربي دمَّرت اللغة" 

يرى أورويل أن فساد اللغة تسببت في حالة الفوضى السياسية التي يعيش فيها العالم، وإصلاح اللغة السياسية خطوة أولى نحو إصلاح السياسة.

ولكن، هل تستطيع اللغة أن تعارض اللغة؟

في مقال لعلا شيب الدين ترصد فيه قدرة اللغة على مواجهة السلطة، قياسا لجملة الفيلسوف القانوني مونتسكيو "لا توقف السلطة إلا سلطة مماثلة"، وتقول أن اللغة التي استخدمتها الشعوب العربية في الربيع العربي دمرت اللغة عبر توليد لغة ثائرة، في سوريا انتشرت مفردات الدم، والفوضى  في خطاب السلطة، "الأسد أو نحرق البلد"، "يا بشار لا تهتم عندك شعب بيشرب دم"، في مقابل شعارات الحرية والإرادة، "الشعب يريد إسقاط النظام".

في مصر سياسيا، انتشرت كلمة "معرصين" أو "طبالين" وهي من الكلمات القوية التي تواجه الكتاب المنحازين للنظام في مصر، بينما تأتي من لغة النظام ضد شباب وسط البلد كلمة "شمَّامي الكلة"، غراء يؤثر شمه على المخ ويعكس معاني التشرد والوضاعة، في إشارة إلى خلفيات شباب وبنات وسط البلد الاجتماعية والتعليمية البسيطة والفقيرة.

وسط البلد طيور متمردة

ولكن لماذا وسط البلد؟ أصدقائي الفنانين والمثقفين الذين حققوا تقدما كبيرا في طموحاتهم نبذوه، واستبدلوه بأكتوبر والمقطم في القاهرة، أو المنشية بالاسكندرية، أو دهب السياحية منخفضة سعر الإقامة والتكاليف في جنوب سيناء.

بجسب الباحثة لوسي ريزوفا الإجابة: لأنه مكان منتبذ، وأفراده واقفون على العتبة، (أقترح على دوائر وسط البلد أن يضيفوا لقاموسهم اللغوي تلك الكلمتين). النبذ كلمة صكها الفيلسوف ميشيل فوكو وتعني "المساحات التي تعمل بطرق منعدمة الهيمنة"، لا تحكّم هنا للمجتمع وثقافاته، ولا للسلطة السياسية، و"العتبة" هي المنطقة الوسط بين الخروج عن حدود إطار المجتمع، ورفضه بالكامل.

وبحسب علماء المجتمع، كما يشرح عملية التغيير مارك بوكانان في كتاب "الذرات الاجتماعية.."، فإن الواقفين على العتبة هم رواد التغيير الاجتماعي والسياسي، يشبهون الطيور المهاجرة، تطير في قوافل ذات أنماط واتجاهات واضحة، فجأة تقرر قلة منهم تغيير المسار، وخلق نمطا جديدا، فلا تلبث قافلة الطيور إلا أن تتبعها، فرادى ومثنى وببطء في البداية، ثم سرعان ما تلتحق بتلك الطيور المتمردة بقية القافلة المهاجرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard