كيف نهرب من “العار” الذي يلاحق دورتنا الشهريّة في رمضان والحياة عموماً؟

الخميس 30 مايو 201903:20 م

الأسبوع الماضي سُجّل ارتفاعٌ في درجة الحرارة في القاهرة، وصلت إلى 45 درجة، ولم يكن ذلك الحرّ سبباً كافياً لبعض السيدات في المترو لكي يمرّرن أمر أن هناك بعض النساء المُفطرات في عربة السيّدات في المترو، الأمر الذي جعلهن يصرخن في وجه المُفطرات وينهرنهن على فعلتهن.

عار الطمث يلاحق النساء في كلِّ يوم.

عار الطمث يلاحق النساء في كلِّ يوم، يفصل الناس بين أن البويضة نفسها الموجودة في الرحم هي رمز الخصوبة وهي المسؤولة عن استمراريّة الحياة، وأن تلك البويضة نفسها تنزل مع الدورة الشهريّة، في حالة عدم حدوث الإخصاب، ينسى الناس أن تلك البويضة السبب في وجودهم، ويلحقون العار بدماء الطمث كأنها الرجس الذي لا يزول أبداً.

جاء اليوم العالمي لصحّة المرأة في الثامن والعشرين من مايو، طبقاً لتقويم الأمم المتحدة، اختير هذا اليوم تحديداً لأن متوسّط عدد أيام الدورة الشهريّة هو 5 أيام، ومتوسّط الفترة بين حدوث الدورة والتالية لها هو 28 يوماً، في حين أن هذا الفخر الذي تحدّد عليه اليوم لا ينتشر بين النساء، فالطقوس في العالم العربي المرتبطة بالدورة الشهريّة مجحفةٌ للغاية، تصل إلى المنع من زيارة المساجد، والتخفّي في شهر رمضان لعدم القدرة على الصيام، وبما أن الصيام متعلّق بالموروث الديني، فبالنظر إلى ما حدث في عهد النبي محمد حينما بكت زوجته السيدة عائشة بسبب حيضها، لأنها لن تتمكن من الطواف حول الكعبة، أجابها النبي أن ما أصابها يصيب كلَّ النساء، وروت هي الحديث وتناقله جميع أصحاب السند.

بينما ما حدث في عربة مترو السيدات كان بعيداً تماماً عن الموروث الديني، فبينما أمر الدين بأن تفطر النساء أثناء فترة الطمث، وتعامل النبي مع ذلك بأريحيّةٍ شديدة، كان ردّ فعل النساء اليوم مبنياً على الحدّة وتصدير العنف بحجّة اتباع أوامر الدين التي هي بالفعل بعيدة عن الدين.

علمتني أمي كيف أتطهّر من الدورة الشهريّة، ولكنها نعتتني بأنني قليلة الحياء لأنني أتحدّث عن الدورة الشهريّة أمام أبي.

لم يتوقّف الأمر عند حدّ السيدات داخل عربية المترو، بالأمس وأثناء تأدية عملي كطبيبةٍ ذهبت إلى الكافتيريا الملحقة بالمستشفى، جلبت ساندوتش وعصيراً وجلست في جانبٍ بعيدٍ عن أعين المارة لكي آكل.. كانت تجلس بجانبي طبيبةٌ لا أعرفها لكنها باغتتني بالتعليق على أكلي في نهار رمضان، هي طبيبة مثلي تماماً، تحيض كلّ شهر وتعلم أهمية نزول الدورة الشهريّة كلّ شهر بحكم دراستها، إذا كان يمكننا تفسير غضب النساء في المترو بسبب جهلهن؟ كيف أفسّر غضب الطبيبة التي علّقت على تناول الأكل علانيةً؟

ليت الموضوع ينتهي هنا وفقط، فإن السيّدات أصبحن يتبارزن في إخفاء فترة الطمث، وقد يصل الأمر إلى استخدام الحبوب والحقن لتأخير الدورة الشهريّة فلا تزورهن خلال فترة شهر رمضان.

 فبينما أمر الدين بأن تفطر النساء أثناء فترة الطمث، وتعامل النبي مع ذلك بأريحيّةٍ شديدة، كان ردّ فعل النساء في المترو في رمضان مبنياً تصدير العنف بحجّة اتباع أوامر الدين التي هي بالفعل بعيدة عن الدين.

 لم يتوقّف فعل الطمس حتى يومنا هذا، نتخفّى في طلب الفوط الصحيّة إذا فاجأتنا الدورة الشهريّة ولم نكن مستعدّات، نتناولها سرقةً وخفيةً ونذهب إلى الحمامات لكي نداري عارنا.

تسجّل شركة "أولويز" إعلاناتها منذ البداية بألوان غير حقيقيّة، يُشار دائماً إلى الدم باللون الأزرق، ولم تحاول مرّةً استخدام اللون الأحمر كحقيقته، الطمس بأذياله يلاحق الإعلانات.

الدورة الشهريّة واللغة

وبالحديث عن ممارساتنا كنساء أثناء فترة الدورة الشهريّة يجب الاشارة إلى لفظ "البريود" (الكلمة الإنجليزيّة المختصرة للدورة الشهريّة)، المرّة الأولى التي سمعت فيها ذلك اللفظ كنت في الكليّة، فمدينتنا الريفيّة ما زالت تستخدم لفظ الدورة ولكن على استحياء، نستخدمه بين النساء فقط ونتخفّى حينما نتألّم، وقد نستيقظ للسحور ونأكل كي تكتمل الكذبة، بينما في الكلية لم أسمع إلا لفظ "البريود"، الأمر طبعاً متعلّق باللغة والطبقة، حيث تميل الطبقة البرجوازيّة إلى استخدام ألفاظٍ بلغةٍ غير أصيلة، يملن إلى استخدام اللغة الإنجليزيّة في التعبير، استبدال دورة بـ "بريود" واستبدال الشتائم بالإنجليزيّة لإزالة الوصم منها، ويرجع ذلك إلى أصوليّة الطبقات البرجوازيّة.

الطمث والطمس

منذ أن زارتني دماء الحيض في الحادية عشر من عمري وأنا أشتري الفوط الصحيّة في كيسٍ أسود، وفي حالة عدم وجود الكيس الأسود في الصيدليّة يلفّها البائع في ورق جرائد كي يخفيها، فلم يصبح الطمس قائماً داخل المنزل فقط، بل امتدّ منذ مراهقتي إلى الشارع، امتدّ في المدينة الريفيّة وفي الإسكندريّة وفي القاهرة، لم يتوقّف فعل الطمس حتى يومنا هذا، نتخفّى في طلب الفوط الصحيّة إذا فاجأتنا الدورة الشهريّة ولم نكن مستعدّات، نتناولها سرقةً وخفيةً ونذهب إلى الحمامات لكي نداري عارنا.

الدورة الشهرية في الميديا

تسجّل شركة "أولويز" إعلاناتها منذ البداية بألوان غير حقيقيّة، يُشار دائماً إلى الدم باللون الأزرق، ولم تحاول مرّةً استخدام اللون الأحمر كحقيقته، الطمس بأذياله يلاحق الإعلانات.

لا تخلو معايير وسائل التواصل الاجتماعي من محاولات الوصم، فمثلاً إنستجرام يرفض صور الملابس المبقّعة بدماء الدورة الشهريّة.

كيف نهرب من الطمس؟

علمتني أمي كيف أتطهّر من الدورة الشهريّة، ولكنها نعتتني بأنني قليلة الحياء لأنني أتحدّث عن الدورة الشهريّة أمام أبي، في البداية تراجعت ولكني مضيت أتصرّف بطبيعتي، يصيبني التعب والإرهاق في اليوم الأوّل فأرقد في السرير ثمّ يسألني أبي ماذا بي؟ فأخبره: أتتني الدورة، مرّة ثمّ ثانية، في الثالثة أصبح الحديث عن الدورة أمراً طبيعيّاً داخل بيتنا، وأصبح إفطارنا في نهار رمضان أنا وأخواتي البنات أمراً طبيعيّاً لا يجلب الدهشة لإخوتي الذكور.

اتبعت سياسة التطبيع، تكرار فعلٍ يقلّل من الحياء بحسب وصف أمي أصبح فعلاً طبيعياً ويتكرّر كلّ شهر، بل ويشتري لي أبي أو إخواني الذكور الفوط الصحيّة أيضاً.

لم أعد استيقظ في السحور لأمثّل، وأصبحت أتناول الطعام في النهار، كذلك تخلّصت أنا وأخواتي عن طريق التطبيع كفعلٍ جماعي، من الوصم والعار داخل المنزل، لكنني لم أستطع التخلّص منه في المترو ولا داخل المستشفى، لأني أفعل ذلك بمفردي، أظنّ لو كان عددنا أكبر في المترو لما كان يحدث كلّ هذا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard