ما أين جاءتنا فجأة كلمة "تنمّر"؟

الجمعة 31 مايو 201911:23 ص

لعلّ هذه المادة كُتبت بدافع الغيرة على قاموس اللغة العربيّة الواسع والغني، أو بهدف إفشاء الشعور بالتوجّس، من إقحام مصطلحاتٍ جديدة لم أكن ومجموعة غيري نسمعها.

ظهر فجأةً في صفحات التواصل الاجتماعي، وفي برامج التلفاز، وفي لقاءات الأصدقاء، وأخيراً في مسلسلات رمضان، مصطلحٌ جديد جداً هو: التنمّر.

ظهر فجأةً في صفحات التواصل الاجتماعي، وفي برامج التلفاز، وفي لقاءات الأصدقاء ونقاشات الناس، وأخيراً في مسلسلات رمضان، مصطلحٌ جديد جداً هو: التنمّر، لم أسمع بهذا المصطلح طيلة فترة دراستي في المدرسة، سواء في مادة اللغة العربيّة أو في مادة الاجتماعيّات ولا في دراستي الجامعيّة، ولم يكن لهذه الكلمة أيّ حضورٍ في كلّ ما قرأته من كتبٍ ورواياتٍ وغيره –على قلّتها- ولا فيما تصفحته من مقالاتٍ سياسيّة أو اجتماعيّة أو طبيّة، دخل في قاموسنا فجأة، وأحد لم يأخذ رأينا في مصطلحٍ جديدٍ علينا استخدامه، ولم تتم استشارتنا فيما بعد في مآخذنا على هذا المصطلح، ولم نعط فرصة أن نناقش أسباب إقحام الكلمة هذه بالذات علينا دون غيرها، والتركيز عليها في جميع وسائل الإعلام.

الاستعلاء على الحيوان

بحثت في معنى كلمة "تنمّر" في الإنترنت، في البداية بحثت عن جَذْر هذه الكلمة الثلاثي، وكانت الإجابة من أكثر من معجم هي (نَمِر) أي الحيوان، وأن كلمة تنمّر تعني بالضبط حسب قاموس المعاني: غَضِب وسَاء خُلْقُه وتشبَّه بالنَّمِر في لَوْنه، وفي استخدامها في مصطلح: تنمّر لفلان أي: مدّ له في صوته عند الوعيد، أو تنكّر له وأوعده، وكلّ المصادر والمراجع لمعنى الكلمة تقول إن حيوان النمر وصفاته والتشبّه به هي ما تعنيه الكلمة. الجدير بالذكر أن كلمة تنمّر تنطوي على عددٍ هائلٍ من الأفعال التي توصف بها، أفعال لا رابط بينها سوى الأذى أو أنها بكلّها أفعالٌ سيّئةٌ حقيقة، الاستهزاء من الشكل والحجم والطول، أيّ الصفات الخارجيّة يسمى تنمّر، إثارة خوف شخصٍ ما بسبب ضعفه أو عدم قدرته على الدفاع عن نفسه يسمى تنمّر، الاعتداء بالضرب أو الشتيمة على الآخر يسمى تنمّر، سرقة ممتلكاتٍ ماديّةٍ أو عينيّة لشخصٍ تدعى أيضاً تنمّر، إجبار الآخر على فعل شيء ما هو تنمّر، استبعاد شخصٍ أو مجموعةٍ من نشاطٍ ما أو من المشاركة في محفلٍ ما هو تنمّر، لدينا الكثير من الأمثلة التي توضّحها لنا المراجع، وهنا كان المرجع (ويكيبيديا) لمعنى كلمة تنمّر.

 ما الذي يجعلنا نتقبّل إضافاتٍ جديدةً لقواميسنا التربويّة والأخلاقيّة؟
إن جميع الأفعال المذكورة كان لدينا صفات واسعة نطلقها على من يقوم بها، كنا نستخدم مصطلحات مثل السارق، والمُتكبّر، والمُسْتَقوي، والمُهيمن، والظالم، وقليل الأخلاق، ووو إلخ، ولم نكن بحاجةٍ لمصطلحٍ فضفاض إلى هذا الحدّ الذي يجعله قادراً على احتمال هذا الكمّ الهائل مما يمكن أن يُدرج تحته، ثمّ إن فكرة أن مصطلحاً له معنى ودلالات سيّئة ومؤذية نفسياً لهذا الحدّ أصله صفة لحيوانٍ ما هي مشكلة كبيرة أيضاً، لماذا تمّ اختيار مصطلح من حيوانٍ كالنمر، ثمّ إن صفات النمر في الغضب لا تختلف عن صفات أيّ حيوانٍ مفترسٍ آخر، ما يفعله النمر تفعله الأسود والضباع والثعالب وتفعله القطط أيضاً، السيء في مصطلح تنمّر هو إثارته لأفكارٍ مغلوطة عن الحيوانات وعن صفاتها، ومحاولة تجيير أفعال مشحونة بالكراهية والحقد والتعالي والتغطرس على أنها أخذت من الحيوانات.

التنمّر في المسلسلات

أتابع مسلسلاً تلفزيونياً يعالج بالدرجة الأولى قضية التنمّر في المدارس، تكاد لا تمرّ حلقةٌ واحدة من دون ذكر هذا المصطلح من قِبَل واحدةٍ من الشخصيات سواء الشخصيّات الإداريّة في المدرسة، التي تحاول منع هذا التصرّف أو من قِبَل الطلاب أنفسهم، إنه يتكرّر وكأن على المشاهد أن يحفظ معنى التنمّر وأن يقبل استخدامه، عوضاً عن كلِّ ما كان يوجد أصلاً في قاموسه العربي وكان ممكناً للاستخدام، هذا ما جعل مصطلحاً مثل التنمّر يُثير استغرابي لهذه الدرجة ويجعلني أحاول إيجاد دلالاتٍ وأسبابٍ مقنعة لاستخدامه وتعليم معناه للأطفال والكبار.

من العربيّة إلى الإنجليزيّة والعكس

جميع المصادر الموجودة في ويكيبيديا عند البحث عن معنى كلمة تنمّر هي مصادر أجنبيّة، بعضها يخصُّ علماء نفس وبعضها الآخر يخصُّ اتفاقيات ومعاهدات حقوق الإنسان ودراسات العلاقات الإنسانيّة، هذا يجعل فرضية أن المصطلح ليس عربيّاً من الأصل ممكنةٌ، عند محاولة ترجمة كلمة تنمّر من العربيّة إلى الإنجليزيّة يكون المصطلح المقابل لها هو Bully.

بينما عند ترجمة الكلمة ذاتها من الإنجليزيّة إلى العربيّة يكون المعنى لها هو: (بلطجي)، من أين جاءت كلمة تنمّر ومعناها التشبّه بالنمر الغاضب؟

 لدينا صفات واسعة نطلقها على من يقوم بها، كنا نستخدم مصطلحات مثل السارق، والمُتكبّر، والمُسْتَقوي، والمُهيمن، والظالم، وقليل الأخلاق... ولم نكن بحاجةٍ لمصطلحٍ فضفاض إلى هذا الحدّ الذي يجعله قادراً على احتمال هذا الكمّ الهائل مما يمكن أن يُدرج تحته.

السيء في مصطلح تنمّر هو إثارته لأفكارٍ مغلوطة عن الحيوانات وعن صفاتها، ومحاولة تجيير أفعال مشحونة بالكراهية والحقد والتعالي والتغطرس على أنها أخذت من الحيوانات.

وعلام يكون الاستناد في تحديد أن مصطلحاً ما، يمكنه أن يحلَّ محلّ مجموعةٍ كبيرةٍ من الكلمات التي استخدمت قبله كثيراً، يكفي أن واحدة مثلي تفضّل أن تبقى على ما عرفته وفهمته من اللغة، بدلاً من أن تقبل "التنمّر" على قاموسها.

التنمرّ على اللغة؟

أعتقد أن أسئلةً كهذه مشروعة وأن الإجابة العلميّة عن هذه الأسئلة بحاجةٍ لمصادر أكثر، سواء في اللغة العربيّة وقواميسها أو في الأسباب التي جعلت مصطلحاً كهذا ينتشر بهذه السرعة ويكثّف حضوره إعلامياً بهذا الاستبسال، ما الذي يجعلنا نتقبّل إضافاتٍ جديدةً لقواميسنا التربويّة والأخلاقيّة؟ وعلام يكون الاستناد في تحديد أن مصطلحاً ما، يمكنه أن يحلَّ محلّ مجموعةٍ كبيرةٍ من الكلمات التي استخدمت قبله كثيراً، يكفي أن واحدة مثلي تفضّل أن تبقى على ما عرفته وفهمته من اللغة، بدلاً من أن تقبل "التنمّر" على قاموسها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard