مَن أسقط المسلمين في الثقب الأسود لـ«فقه الشطافات»؟

السبت 8 يونيو 201906:39 ص

ضجّةٌ أحدثها الشيخ الأزهري أنس السلطان، بعد تداول فيديو قال فيه إن الماء المندفع من الشطّاف يُمكنه إفساد صيام الناس، إذا اخترقت المياه فتحة الدُبُر ودخلت إلى الجوف، ما أثار موجةً من الجدل المؤيّد والمعارِض لهذا الرأي، ما بين مُسفِّهٍ له ومدافعٍ عنه، استدعت تغطيةً من كبرى وكالات الأنباء العالميّة، وتعليقاً من دار الإفتاء التي عارضته.

من جانبه دافع الداعية الإسلامي عبد الله رشيد عن هذه الفتوى قائلاً، إن كلام الشيخ أنس موافقٌ لكلام جمهور الفقهاء، معتبراً أن القضية كلّها تنحصر في خلافٍ فقهي حول تحديد تعريف ماهية الصوم.

وأضاف في تصريحاته لـ"رصيف 22"، هل الصوم هو الإمساك عن كلّ ما يدخل إلى الجوف من الفم خاصّةً، أم من كلّ ما يدخل الفم من منافذ الجسد المعتادة، سواء كان الدبر أو الأنف أو الأذن أو الفم، والذي عليه جمهور الفقهاء، أن الصوم هو الإمساك عن إدخال السوائل أو الطعام للجوف من أي منفذٍ من منافذ الجسد المعتادة، وبالتالي فإن ما قاله الشيخ أنس بحق "الشطّافة" أو غيرها كلام صحيح وله أدلّة معتبرة.

وتابع "رشدي": "اللي بيشوِّش على هذا الكلام العلمانيين والتنويريين، لأنهم جهلة ومبيفهموش.. قبل ما ينكروا الشيء كان لازم يفهموا إيه سبب الكلام وإيه حيثياته".

وفي ردّه على الصخب المُثار حول رأيه اعتبر الشيخ أنس رأيه "حق لا يجب أن يُستحى منه"، وأنها من الآداب التي تحمي السنن والنوافل، وأن مَن تهاون في الأدب عوقب بحرمان السُنن، مؤكّداً أن "ما مِن فِعْلٍ من أفعال المكلّفين إلا ولله تعالى فيه حكم، ودور طلاب العلم أن يجيبوا على ما يتوجّه إليهم من سؤال، إن كان عندهم فيه نقل عن العلماء".

إجابة الشيخ أنس التي أراد بها مَنْطَقة جُملته واعتبرها تبريراً لما نُقل مُجزَّأً على لسانه، إنما حملت في ثناياها قلب المشكلة، فبدا وكأنه يستعير ثوب أحمد زكي في فيلم "ضدّ الحكومة"، وكأنه يقول، دون قصدٍ مباشرٍ طبعاً، إن كان ما سمعتموه خطأً فكلّنا خاطئون بما فيهم الأقدمون الأجلّاء، نكّلتم برأيي علناً فهل تجرؤون على فِعل المِثل معهم؟

لم يخترع "السلطان" العجلة بمقولته التي جلبت عليه وابلَ الانتقادات، فما من شهر رمضان يهلُّ تقريباً إلا وتخرج ذات الأسئلة، بما فيها "سؤال الشطّاف" إياه، بإجاباتها وبانتقاداتها من الأدراج مع أصناف "القطايف" و"الكنافة" التي لا يفترش أصحابها شوارعنا إلا كلما هلَّ الشهر الفضيل.

في أحد اللقاءات التليفزيونيّة التي جمعت الكاتب الصحفي ويليام أوريلي بالمذيع الساخر جون ستيوارت، لمناقشة أسباب المشاكل الاقتصاديّة التي تمرُّ بها أمريكا، استفاض "ستيوارت" في تبيان رأيه بها ورغبته في تحسين إدارة موارد البلاد، أما "أوريلي" فقد لخّص كل ما يُمكن أن يُقال بقوله "المشكلة ليست في الرٍأسمالية، المشكلة هي الرأسماليّة"، وهو ما نستطيع أن نُسقطه بسهولةٍ على موقفنا هذا إن مددنا خيط المنطق الحريري على استقامته، ولو تخيّلتُ أنني استعرتُ من الرجل عبارته لجلستُ مكانه وقلتُ "المشكلة ليست في الشيخ أنس، المشكلة في طريقة الفكر التي تربّى عليها الشيخ أنس وغيره"، أو بمعنى آخر أكثر فجاجة: الأزمة ليست في "الشطّافة" وإنما في "فقه الشطّافات".

تغوّل فقهي.. وخوف من الاجتهاد

يقول الدكتور محمد مصطفى الزحيلي في كتابه "الوجيز في أصول الفقه"، إن كلّ حادثةٍ أو واقعةٍ في الكون أو أمرٍ في الدنيا يتعلّق بالإنسان له حكم شرعي عند الله تعالى، عرفه من عرفه وجهله من جهله، وأنه يجب على علماء الأمة أن يبيّنوا ذلك، وهذا ما يقتضي أن يكون مع القرآن والسنّة مقدِّر شرعي مقرّر ومقبول يبيّن أحكام الحوادث التي لم يَرِد فيها نصٌّ، ومن هنا نشأ ما اصطلح على تسميته "الاجتهاد"، وبدأت المشكلة.

يعارض الباحث الإسلامي حاتم صادق، بشدّة هذا الرأي في حديثه لـ"رصيف 22"، مؤكّداً أنه ليس من المعقول أن يعتقد فقيهٌ أن أيّ أمرٍ يريد أن يفعله الإنسان بحياته لابد وأن يكون به رأي ديني مسبق، معتبراً أن هذا ليس اجتهاداً وإنما تسلّطاً على عباد الله.

يتابع "الزحيلي" بكتابه: لمّا انتشر الإسلام وزادت الفتوحات ودخل الناس في دين الله أفواجاً، توسّع الصحابة ثم التابعون في الاجتهاد، وبرز الفقهاء المجتهدون من التابعين إلى أن بلغوا الذروة في القرن الثاني الهجري، وسارت بعدها حركة الفقه وحقّقت زخماً كبيراً طوال قرنين من الزمن، أُنتج بها ثروة معرفيّة زاهرة، وظهر خلالها كافة الأعلام الذين نعيش على هَدْي كتبهم حتى اليوم، البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم.

تناسبت حركة الاجتهاد ونشاطها طرديّاً مع حال الأمة الإسلاميّة، ففي حالة التقدّم تم فتحها على مصراعيه، لذا كان طبيعيّاً أن تُغلق بالجنازير ما إن حاصرتنا عصور الانحطاط، التي بدأ سوادها يظلّلنا ابتداءً من منتصف القرن الرابع الهجري، حين انتابت الدولة الإسلاميّة حالات الوهن وانقسمت إلى دويلاتٍ وممالك، فبدأ الاجتهاد يتراجع تدريجيّاً إلى أن أٌغلقت أبوابه رسميّاً ولم تُفتح حتى اليوم.

ويضيف محمد فاروق النبهان في أطروحته عن "الأدوار التاريخيّة للفقه الإسلامي"، إن تدخّل الأنظمة الحاكمة خلال عصور التدهور في القضاء أخاف شيوخه من الاجتهاد، فكان الحاكم يأتي ويقول للفقيه اجتهد في هذه القضية، فإذا أراد أن يأخذ أموالاً يأمر الفقهاء بالاجتهاد في ذلك لتبرير ما يريد من مظالمه، فقرّر العلماء إغلاق باب الاجتهاد خوفاً من استغلال الدين لتبرير الواقع.

نشأ عن ذلك القرار جمودُ الفقه الإسلامي، وركودُ الحركة الفقهيّة، وطغيانُ التقليد، والاقتصارُ على المتن واختصار الكتب وتدوين الحواشي، والتزمت جماهير الأمة اتّباع المذاهب التي استقرّت وسيطرت على حلقات المساجد، فنتج عنها التعصّب المذهبي وإهدار الأعمار والأحبار في الخلافات المذهبيّة والمناظرات والخلافات العقيمة، التي لا تتوقّف عن الغوص في فروع الفروع وجزئيّات خلافيّة لا تنتهي ولا تفيد، ولم يكن هناك أحد يجرؤ على مخالفة شيخ مذهبه، فإن حاول يُنظر له بازدراءٍ كبير كأنه خرج عن المذهب وعن الإسلام، وأصبح التقليد والاتباع هو المنهج المقرّر، وامتدّ ذلك لمدّةٍ طويلةٍ جداً ومازلنا حتى اليوم نعاني من أثر ذلك.

باتت فكرة ظهور مجتهد مطلق اليدين أمر للعنقاء أقرب، حتى أعلنها الغزالي بـ"الوسيط في المذهب" "قد خلا العصر عن المجتهد المطلق"، ومن بعده قالها الرافعي "الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم".
"الجمود على المنقولات أبداً ضلالٌ في الدين، وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين"، من الإمام شهاب الدين القرافي في كتاب "أنوار البروق في أنواء الفروق"


الطريق للخطأ مفروش بالأهداف النبيلة

اعتبر محمد سليم العوّا في كتابه "الفقه الإسلامي في طريق التجديد"، أن الفقهاء أصحاب هذا الإعلان أرادوا هدفاً نبيلاً لكنهم أخطأوا الطريق، فلقد أرادوا منع المدّعين من إضلال العباد باجتهاداتٍ مزعومة، لكنم أخطأوا بادعاء ما ليس لهم أن يدّعوه، مؤكّداً أن دعواهم تحمل في طياتها دليل بطلانها، فالقول بذلك قولٌ بالاجتهاد إذ ليس في القرآن أو السنّة دليل يُستند إليه فيه، وعلى ذلك فإنهم اجتهدوا في ألا يجتهدوا.

في سياق انتقاده لطريقة تعلّم الدراسات الإسلاميّة، يقول المفكّر الإسلامي حسن حفني في كتابه "التراث والتجديد"، أن الحديث عن التراث ليس حديثاً عن الدين، وكلّ ما في التراث ليس في الدين، وكلّ ما في الدين ليس من التراث، فقد ظهر التأليه والتجسيم والتشبيه في التراث ولم يظهر في الدين، وظهر الجَبْر في التراث ولم يظهر في الدين، وظهرت دعوات في التراث إلى الخضوع والاستكانة والخوف ولم تظهر في الدين، فالتراث إذن، ما هو إلا عطاء زماني أو مكاني، لا يمكن أبداً الوقوف عنده، بل الوقوف عليه للارتقاء إلى أعلى لما فيه زيادة لمصالح الناس.

ويتابع، إن كثيراً من دراساتنا الدينيّة تنقل الموضوعات التقليديّة كما هي معروضة في التراث القديم، وكما تفعل الشروح القديمة التي لا تتعدّى حدود الألفاظ والمصطلحات القديمة، فالعبارة هي نفس العبارة مكرّرة في صورٍ عديدةٍ تُفقدها مضمونها، مضيفاً أنه كثير ما يُعتمد التكرار على اقتباس النصوص ووضعها في صلب البحث حتى يتضخّم، ويتعيّش المعاصرون على السابقين، ويأكل الخلف على موائد السلف، ويتسطّح الفكر ويمتط في الفراغ الطلق، وإن كان لنا أن نفهم أنه في عصر اجتياح التتار والمغول ظهرت الحاجة لكتابة الموسوعات والعناية بها بتدقيق متونها وشرحها خوفاً عليها من الضياع، فإننا الآن نواجه خطراً آخر، وهو التكرار بلا فهم، والترديد بلا وعي، وعدم وجود تفسيرٍ معاصرٍ لتراثٍ قديم.

ويوضّح حاتم صادق لـ"رصيف 22"، أنه يعتقد أن البذور الأولى للمشكلة التي يعاني منها الفقيه الإسلامي اليوم نَبِعَت من الانشغال المؤسّسي بكلّ التفاصيل الصغيرة في روايات حياة النبي صلى الله عليه وسلم، مضيفاً "متركوش حركة كان بيعملها إلا واعتبروها سنّة، حتى لو كانت أنه نام على جنبه اليمين عشان يستريّح".

فيما يعتبر المفكّر الإسلامي محمد الدويك لـ"رصيف 22"، أن هناك لحظة سياسيّة فارقة حوّلت مجرى تاريخ الفقه الإسلامي للأبد، بعدما تقرّر مَنْع الناس عن الحديث في السياسة، وتحوّل الإسلام من دينٍ حر إلى أحد أدوات الحكم في الإمبراطوريات العربيّة التي قامت عقب عصور الخلافة، معتبراً أن الحكّام أمّموا الدين ومنعوا كلّ ما لا يريدون سماع صوته من العمل به، ضارباً المثل باعتراض خلفاء بني العبّاس على فتوى الإمام مالك بأن طلاق المُكره لا يقع، لأن الناس قاست عليها فاعتبروا أن بيعة المُكره لا تقع أيضاً، وهو ما فعله العبّاسيون بالناس طوال حكمهم، فأمر الخليفة العبّاسي أبو جعفر المنصور واليه بالمدينة جعفر بن سليمان، بأن يجلد مالك لقاء ذلك، ففعل حتى كادت كتفه أن تنخلع، ومن هناك أصبح هناك حذرٌ شديدٌ من الحديث في أساسيات الدين، ككرامة الإنسان وحُريته وحقه الطبيعي في اختيار مَن يحكمه، وفُتح الباب للانشغال بتفاصيل فقهيّة فرعيّة أدخلت الجميع في دوامةٍ فكريّةٍ للأبد.

فيما أكّد "صادق"، أن الأزهر لن يستطيع أبداً القيام بمهمّة التجديد المناط به فِعلها، لأن هذه الحركة دائماً ما تظهر كمبادرةٍ فرديّةٍ ولن تأخذ أبداً الشكل المؤسّسي، ضارباً المثل بالإمام محمد عبده صاحب أكبر محاولة لتجديد الفقه الإسلامي عقب تمرّده على كلّ ما تعلمه بالأزهر، لكنها لم تنجح، بعد تراجع تلميذه رشيد رضا عن السير على خطاه، وتبنّى آراءً أكثر تشدّداً وأقلّ تنويريّة من أستاذه.

واعتبر "الدويك"، أن الأزهر حوّل أصول الفقه الى مادةٍ متكلّسة لا يستطيع أحد الاقتراب منها، فإذا كان مفتي الجمهوريّة الأسبق الشيخ علي جمعة، والدكتورة سعاد صالح أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، يعتبران نفسيهما مُقلّدين وليسا مجتهدين، فهل عَجِز الأزهر عن تخريج فقيهٍ شجاعٍ يجتهد بشكلٍ عصري لصالح الناس؟

ويضيف: طلبة الأزهر يدرسون كتباً وُضعت من 800 عام، وكلّ شيء في الدنيا يجب أن يخضع للتطوير، ولو استمرّينا في تعاطي الأفكار القديمة سنصير شخصيّاتٍ تاريخيّةً تعبّر عن واقع مختلف، داعياً لأن يدرس طلبة العلوم الدينيّة الاقتصادَ السياسي وتطوّراتِ الشعوب ومراحلَ تاريخ الأمم الغربيّة وآخر مستجدّات البحوث العلميّة، كي يكونوا صالحين كفاية ليصدروا فتوى بهذا العصر.

ويوضّح: إننا أصبحنا نعيش بُعداً دائماً عن المصدر الرئيسي للتشريع الإسلامي، فالناس هجرت القرآن إلى السنّة، ثمّ هجرت السنّة إلى أقوال الفقهاء، ثم هجرت أقوال الفقهاء لقول فقيهٍ واحد، والآن تخّلى معظم الناس عن النصّ وصاروا يقدّسون تفسيره.

ويضيف: أيّ رجل قانون يعرف أن النصّ في ذاته ملزم ولكن المسودة التفسيريّة للنصّ غير ملزمة، لكن الجمهور نسوا أن المسودة التفسيريّة للإسلام (الفقه) غير ملزم، موضّحاً "اللي قاله الشيخ أنس أكيد موجود في كتب الفقه، لكن ماهو مدى قرب هذه الكتب من النص الأساسي للدين؟، أنا أعتقد أننا بنبتعد باستمرار عنه".

ويتابع: الله بعث لنا الرسالات والأنبياء كي تساعد الإنسان على أن يعيش حياته على الأرض دون أن تتحقّق فيه نبوءة الملائكة بأنه سيفسد الأرض ويسفك الدماء، لكن الفقهاء نزلوا بالإنسان إلى أحط مرتبة، بعدما لم يعتنوا كثيرا في بحوثهم بالمادة الأساسيّة التي بثها فينا الله (الروح)، وغرقوا في تفاصيل الجسد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard