التقدير الذي أصبح "فرضاً" وكيف أصبح غير الصائمين "مجرمين"؟

الأربعاء 29 مايو 201904:05 م

"إذا بليتم فاستتروا".. هكذا قالت المرأة المنتقبة لإحدى الفتيات المحجّبات في عربة السيّدات بالمترو في نهار رمضان، لأنها أخرجت زجاجة مياهٍ لتأخذ "حبّة مسكّنة" لآلامها من تقلّصات "الدورة الشهريّة".. كانت ردّة فعل الفتاة العائدة من الامتحان تلقائيّة قائلة للمرأة: "لدي عذر"، لكن المرأة صمّمت على موقفها، فهي ترى فعل الفتاة "فضيحةً"، مشهدٌ روته إحدى الفتيات على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، ومواقف أخرى قد تبدو ساخرةً: موظّفٌ يخبر زميله المسيحي قبل رمضان بلهجةٍ ضاحكةٍ "هتشوف هعمل فيك إيه لو كلت أو شربت قدامي"، في رمضان تكثر نظرات الاستنكار إذا ما أمسكت فتاةٌ، دون حجابٍ، زجاجة مياه، حتى لو لم تفتحها في الشارع، والهجوم في بعض الأحيان إذا ظهر أحدهم مفطراً؛ "مسيحي، أو مسافر، أو لديه عذر، وغيرهم" فكلّ من مُنِحَ رخصة دينيّة لم يسمح له المجتمع بحقّه في الإفطار.

في القانون المصري لا توجد عقوبة للجهر بالإفطار

في القانون المصري لا توجد عقوبة للجهر بالإفطار، لكن بعض المقاهي والمطاعم، خصوصاً الشعبيّة منها، تغلق نهاراً، أيضاً قليلاً ما تجد مجاهرين بإفطارهم، فالتقدير يحكم الأمور، يراعي الأخوة في الوطن بعضهم البعض، هكذا قال العرف، ويتفهّم معظم الصائمين ذلك الأمر، لكن أصبح هناك من يرى التقدير "فرضاً" فيتعامل مع غير الصائمين وكأنهم "مجرمون"، تتعدّد القصص في هذا الجانب، لكن الأمر أصبح أخطر من مجرّد قصصٍ فرديّة، فغالباً حين ما يشعر المرء بالقيود يتمرّد عليها، ورأيت ذلك في صديقةٍ قرّرت الأكل وسط مكان عملها، أعلنت الفتاة المسيحيّة أنها "سَئِمَت تهديداتهم الفارغة"، رغم إنها كانت تهديداتٍ ساخرةً بحكم الصداقة في معظم الأحوال، قرّرت الأكل علناً في نهار رمضان، كما أنها قالت حينها "تأكلون الشاورما في الصيام الكبير أمامي فما المانع"، ربما يبدو الموقف ساخراً، لكنه قد يكون مؤشّراً لما ينتظر مجتمعاً لم يوازن بين "الفرض والتقدير".

واقعتان تتبادران إلى الذهن بالحديث عن الجهر بالإفطار، واقعة رمضان 2009، حين خرجت حملات في أسوان وبورسعيد والسويس والإسكندريّة، لتحرير محاضر ضدّ المجاهرين بالإفطار، وأخرى في 2016، وهي الحملة التي قادها نائب رئيس حي العجوزة بالقاهرة على المقاهي، ورغم ذلك رفض أعضاء اللجنة الدينيّة بمجلس النواب، سنَّ قانونٍ يجرّم الجهر بالإفطار، وبقي القانون رافعاً يده عن تلك الممارسات، ورغم ذلك لا يزال المجتمع يقف موقف الحَكَم، ما بين من يستشهد بسورة البقرة "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين (184)" ومن يعتصم بهوية المجتمع المسلم.

قليلاً ما تجد مجاهرين بإفطارهم، فالتقدير يحكم الأمور، يراعي الأخوة في الوطن بعضهم البعض، هكذا قال العرف، ويتفهّم معظم الصائمين ذلك الأمر، لكن أصبح هناك من يرى التقدير "فرضاً".

الأعراف المجتمعيّة أصبحت تحكم كلّ شيء، حتى مواعيد الطعام وأماكن تناوله، السؤال الذي يجعلنا نقف أمام قوّة الضغط وتأثيرها على المجتمع، ففي وقتٍ ننازع فيه من أجل الحريّات، نجد الفجوة تتسع من جانبٍ آخر لكلِّ ما هو مختلف.

هل أصبحنا تحت "ضغطٍ سلمي" لانتزاع حقوقنا وحريتنا الشخصيّة؟! فالأعراف المجتمعيّة أصبحت تحكم كلّ شيء، حتى مواعيد الطعام وأماكن تناوله، السؤال الذي يجعلنا نقف أمام قوّة الضغط وتأثيرها على المسار المجتمعي، ففي وقتٍ ننازع فيه من أجل حريّات وحقوق الأقليّات، نجد الفجوة تتسع من جانبٍ آخر لكلِّ ما هو مختلف، حتى وإن تشابهنا في كلّ عاداتنا خارج شهر رمضان، "المرأة المنتقبة والفتاة المحجّبة لديهم نفس القواسم المشتركة، إلّا في موعد السماح بالإفطار ومكانه"، فكيف تقمع إحداهما الأخرى بكلِّ هذه الأريحيّة وسط مجموعةٍ من السيدات؟

هل أصبحنا تحت "ضغطٍ سلمي" لانتزاع حقوقنا وحريتنا الشخصيّة؟! 

للضغط سبيلان، الأول تقبّل الأمر الواقع، أما الثاني، ردّ فعل عنيف بقدر عنف الفعل وربما أقوى، فلا شيء يمرّ مرور الكرام حتى "أثر الفراشة"، لكن في الحالتين يضرب الوضع جرساً للتنبيه لتأثير العرف المجتمعي الذي يتوحّش ويتفوّق على الدين والقانون، في دولةٍ مدنيّةٍ بها مواطنون مختلفون، ربما يبدو الأمر موسميّاً حين يواجهنا في شهرٍ واحد خلال العام، شهر نتقاسم فيه البهجة وتكثر فيه روح المشاركة، إنما الخطير أنه يتحوّل إلى منهجٍ عام لعدم تقبّل الآخر وفرض قيودٍ عليه، فيظلُّ المجتمع يفرض قيوده "غير المنطقيّة" في معظم الأحوال، ما قد يؤدي إلى ردود أفعالٍ خطرة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard