العود الفلسطيني.. رحلة اللحن، رحلة الآلام!

الخميس 13 يونيو 201903:08 ص

إذا كان الفنُّ معيار حضارة الشعوب، والشعرُ ما تركوا من خطاب للأجيال، فالموسيقى صوتهم اليومي، هذا ليس تعريفاً فانتازياً للموسيقى، فإذا أصغيتَ إلى موسيقى سريانيّة، ستكون قادراً على تصوّر لباسهم في تلك الفترة، بل ومشيتهم وطريقتهم في طرح السلام، تناول الأكل والرقص، الرقص الذي يمثّل اختصاراً واختزالاً لجميع الانفعالات، والذي لا يُستدرج إلا بالموسيقى.

هذا التشابك التاريخي، يجعل مهمّة الكتابة عن تاريخ العود الفلسطيني مهمّةً صعبة، إلا أن تفكيكه، وهو مهمّة أصعب، سيصل بنا إلى برّ الواقع، الذي سيساعدنا على فهمه في هذا المقام حواران مع أحمد الخطيب، ويوسف حبيش 

يقول يوسف حبيش إن التأليف الموسيقي الفلسطيني لحسن الحظ في تطوّر، خاصة في سياق الموسيقى الآليّة أو الآلاتيّة، حيث أن هناك العديد من الشباب الذين يولون أهميةً لذلك، إيماناً بأن الموسيقى الآلاتيّة تخدم الموسيقى ذاتها ... وكلّ شيء عندما يخدم نفسه بدون وسيط يكون أعمق

كانت فلسطين مركزاً تجاريّاً وإعلاميّاً لسكان بلاد الشام، ولعبت العديد من المدن الفلسطينيّة دوراً أساسيّاً في النهوض بهوية ومعالم هذه المنطقة، فمدينة نابلس على سبيل المثال أفرزت عدداً من الموسيقيّين الذين تركوا أثراً مهمّاً في الموسيقى العربيّة

لعبت فلسطين في العصر الحديث، دوراً فعّالاً في استقطاب الموسيقى العربيّة، لا سيما عندما تأسّست إذاعة الشرق الأدنى الناطقة بالعربيّة في مدينة يافا عام 1941، تلك المدينة التي شكّلت عاصمةً للفنّ والسياحة، على مدى عقود ما قبل النكبة، فاستدرجت مسارحُها حفلاتِ العمالقة، وصقلتها تجاربُهم، ودرّبتها على أن تقول وتسمع، أن تأخذ وتعطي.

يسرد أحمد الخطيب، المؤلف الموسيقي وعازف العود، عن أثر إذاعة الشرق الأدنى في استضافة أسماء موسيقيّةٍ عربيّةٍ كبيرة، سواء عندما كانت في يافا، أو عندما انتقلت إلى القدس:

كانت فلسطين مركزاً تجاريّاً وإعلاميّاً لسكان بلاد الشام، ولعبت العديد من المدن الفلسطينيّة دوراً أساسيّاً في النهوض بهوية ومعالم هذه المنطقة، فمدينة نابلس على سبيل المثال أفرزت عدداً من الموسيقيّين الذين تركوا أثراً مهمّاً في الموسيقى العربيّة، كالموسيقار وعازف العود روحي الخماش، وهذا كان نتاج النشاط الموسيقي الذي كان بارزاً في هذه المدينة، وبتأسيس إذاعة الشرق الأدنى ورد إلى فلسطين العديد من الموسيقيّين العرب البارزين كتوفيق الباشا وعطية شراره.

يقول أحمد الخطيب، العازف والمؤلّف المحترف، الذي شكّل ثنائيّاً مع يوسف حبيش، أفرز تجربةً مدهشةً ومميّزة، إن آلة العود ما زالت حاضرةً بقوّة، وإنه ما زال يلمس إقبال الطلاب على تعلّمها من خلال عمله كمدرّس للموسيقى، يقول في حديثٍ خاص: "برغم الظروف التي تعيشها فلسطين فقد أفرزت للعالم العديد من عازفي العود الذين وضعوا العود على الساحة العالميّة بنشاطهم وإنتاجاتهم، وامتاز العود الفلسطيني بتجذّره بالهوية العربيّة حتى في حداثته، وما تزال حالة العود قويّةً وحيّةً، سواء في الداخل الفلسطيني أو في مناطق الضفّة الغربيّة، فبالاطلاع على إحصائيّات معاهد الموسيقى الفلسطينيّة، نجد أن العود الآلة الأكثر شعبيّةً وطلباً من قِبَل الجيل الجديد".

أما عن تجربته مع حبيش فيقول: "خلال تجربتنا الموسيقيّة في ثنائي سبيل كان هدفنا الأوّل هو المساهمة بنقل رؤيتنا الموسيقيّة فيما يخصّ الموسيقى العربيّة الحديثة، وربط هذه الرؤية بهويتنا الفلسطينيّة، فكان الخط الفلسطيني واضحاً من خلال المضامين الموسيقيّة والعناوين، بشكلٍ فطري. الكثير من الأعمال تحمل في طيّاتها رائحة التراب الفلسطيني، حتى وإن لم يكن هذا مخطط له مسبقاً، والسبب يعود ببساطة للارتباط الوثيق بالحركة الموسيقيّة والثقافيّة الفلسطينيّة، حيث لكلينا نشاط كبير على الساحة الفلسطينيّة، سواء كموسيقيّين أو كمدرّسين في المعاهد الفلسطينيّة في كافّة مناطق التراب الفلسطيني تقريباً. هذا كان له أثر في رفدنا بنظرةٍ شاملةٍ لواقع الحال الفلسطيني، وكان له أثر واضح في أعمالنا الموسيقيّة".

ويؤكّد الخطيب دور العائلة في التأثير على موهبته وخط سيرها، يقول: "لا أستطيع أن أخفي أن إلهامي الأول كان والدي، حيث كان العود هوايته، فمجرّد رؤيته والاستماع لعزفه كان حافزاً يثير اهتمامي وفضولي لحمل الآلة، كما أن شعره وتغنّيه بفلسطين كان المحرّك لغرس الهويّة الفلسطينيّة عميقاً في داخلي".

ولأن الموسيقى بدون الإيقاع قد تبدو باهتةً، كذلك سيبدو الحديث إذا تنحّى عنه يوسف حبيش، فهو جزء لا يتجزّأ من مقطوعات موسيقيّة شقّت طريقاً لا يمكن أن ينتهي إلا بالخلود، يمكنني أن أضيف ملاحظةً خاصّةً هنا، مفادها أن إيقاعات حبيش قلبت المعادلة، فلأوّل مرّة سمعنا العود يتبع الإيقاع، لا العكس، فلقد اعتدنا أن نسمع إيقاعاً متكرّراً، مقابل موسيقى تتطوّر وتتبدّل، إلا أننا في موسيقى جبران، نسمع موسيقى متكرّرة مقابل إيقاع يتطوّر ويتبدّل.

يقول يوسف حبيش إن التأليف الموسيقي الفلسطيني لحسن الحظ في تطوّر، خاصة في سياق الموسيقى الآليّة أو الآلاتيّة، حيث أن هناك العديد من الشباب الذين يولون أهميةً لذلك، إيماناً بأن الموسيقى الآلاتيّة تخدم الموسيقى ذاتها.

وأن الأمر أبعد من أن تكون مرافقة للغناء، الكلام والشعر يبقيان وسيلتين لنخدم من خلالهما فكرةً معينة من خلال الموسيقى، وتلحين تلك الأشعار أو ذاك الكلام، لكن الموسيقى تكون أعمق، وذات مقولةٍ أوسع، عندما تخدم نفسها، أو تخدم مجال الموسيقى والصوت بشكله المجرّد، حيث يتطلّب ذلك العمل أكثر في خلق جملٍ وعباراتٍ موسيقيّةٍ أعمق وأوسع، من حيث تكوينها وحضورها، كلّ شيء عندما يخدم نفسه بدون وسيط يكون أعمق، ويحمل مقولةً أكثر بعداً بكينونته وصيرورته على السواء.

وعن تجربته مع أحمد الخطيب يقول: "في جعبة أحمد المعرفة الكافية لمجال الإيقاع، نحن نتشارك ونتداول العمل الموسيقي لنفسّره ونخدمه على أكمل وجه، أحمد يفتح الطريق أمامي أو أمام الإيقاع، لنخرج بمقولةٍ موسيقيّة معاصرةٍ ومتطوّرة، تجعل من الإيقاع عنصراً موازياً ترتقي به الموسيقى الشرقيّة في عصرنا الحديث.

أحمد الخطيب يفتح الطريق إيماناً منه بأن كلّ ما يخدم ويرافق ألحانه هو جزء من العمل، حيث أنه لا يُؤْمِن بالمرافقة الإيقاعيّة التقليديّة، خصوصاً لألحانه المعاصرة، وحتى التقليديّة منها، فهو يفتح الباب لأن تكون المرافقة الإيقاعيّة ذات ابتكار وتأويل لما هو تقليدي إذا تطلّب الأمر.

إذا كان للإيقاع أن يكون سيّد الموقف في بعض مقطوعاتي، فذلك إيماناً مني بأن أخدم الموسيقى المطروحة على أكمل وجه، من خلال تعزيز المقولة الإيقاعيّة موسيقياً، لتتجانس مع اللحن، والهدف هو تجسيد قيمةٍ موسيقيّةٍ إضافية من خلال التعبير الإيقاعي للموازين والضروب الإيقاعيّة".

أما عن تجربته مع الثلاثي جبران فيقول: "يأتي الإيقاع مع الثلاثي جبران أيضاً ليعزز اللحن حركيّاً وديناميكيّاً، وتقضي طبيعة العمل الإيقاعي معهم بأن يقتصر دور الإيقاع على تفسير ما هو موجود، ومساهمتي في خدمة هذا اللحن لما يتطلّبه حضور إيقاعي يدعم ويفسّر اللحن. إذ ليس هناك الكثير من المحاورة والمشاركة مسبقاً، كما هو الحال مع أحمد الخطيب الذي بدأت العمل معه منذ 20 عاماً، يأتي الإيقاع لتفسير وتكملة ما هو موجود، أي اللحن المطروح".

هناك أيضاً عدد كبير من عازفي العود والمؤلفين الموسيقيين المحترفين، منهم الموسيقار العالمي سيمون شاهين، ولعل الملاحظة الأشد لفتاً للنظر، هي تمتّع الإنتاج الموسيقي الفلسطيني، وخصوصاً ذلك المتعلّق بالعود، بالصبغة الريفيّة، التي تميّز الطبيعة الفلسطينيّة، تلك البساطة الممتزجة بالأناقة، والمنعكسة على كلّ أشكال الفنون الفلسطينيّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard