أين اختفى الكركوزاتيّة و"طوال اللسان" و"الزعران"؟

الجمعة 7 يونيو 201906:00 ص

تحرمنا المنتجات الثقافيّة الجماهيريّة المُعاصرة من البذاءة والسُباب الفجّ، والتفنّن به، فلا نسمع ألفاظها وفنونها وتحوّلات الأعضاء، فيما يمكن تسميته بالمنتجات الـ "main stream"، بل تحضر أحياناً في المسارح وفي الأفلام السينمائيّة "الجديّة"، أو تلك التي تدّعي الرقي عن الجماهيري، وكأن البذاءة بشكلها اليوميّ لا تصلح للـ "جمهور"، بل لابدّ للمنتج الثقافيّ الجماهيري أن يكون تعليميّاً (ذو رسالة)، مُطيعاً (يرسم حدود تحدي السلطة)، آمناً (لا يسائل الشكل القائم أو يخرّبه)، والأهمّ، أخلاقياً.

غياب البذاءة هذا جعلها حكراً على "الشارع"، ولا نتحدّث عنها بصورةٍ سلبيّةٍ أبداً، بل نناقش غيابها بعد أن كانت موجودة في بعض المُنتجات الجماهيريّة وأشكال الترفيه العلنيّة، بل وكان "البذيئون" ناشطين ثقافياً، ويحتجّون على الأشكال الأخلاقيّة و"الراقية".

إذ نقرأ في كتاب تيسير خلف الصادر مؤخراً "وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق"، كيف أن "المسرح"، أو أشكال الفُرجة العلنيّة، حين بدأت في دمشق كانت أخلاقيّة وتسعى لتأديب الناس و جعلهم "يعتبرون"، وتحاول الابتعاد عن البذاءات والسُباب و الانحطاط، الذي كنا نراه في عروض "كركوز و عواظ"، والتي كانت تذخر بالبذاءات والتحرّش اللفظي، وكلّ ما يمكن أن يصنّف بأنه "قلّة أدب".

لكن الأهم أن الكركوزاتيّة كانوا يجلسون في زوايا الصالة التي يتمّ فيها واحد من العروض، كما نقرأ في كتاب خلف، وكانوا يشوّشون على العروض، وربما، حسب تأويلنا، كانوا يعلّقون بالبذاءات والسباب لتخريب عروض المؤدّين "الأخلاقيّين".

تحرمنا المنتجات الثقافيّة الجماهيريّة المُعاصرة من البذاءة والسُباب الفجّ، والحرمان من البذاءة يعني الحرمان من التعبير عن الرأي، وهذا ما لا نراه مثلاً لدى جماهير كرة القدم، القادرة على التفّنن ببذاءتها حين لا يعجبها اللعب، في حين أن جمهور المسرح مقيّد ومحروم من إعطاء رأيه الآني فيما يراه

"البذاءة والسوقية"، طول اللسان والرذالة، "السرسريّة" والتفنّن بالإهانة، وغيرها من الأشكال المُحارَبة، تتركنا أمام الشاشات محدّقين بمنتجاتٍ ثقافيّةٍ أشبه بنسخةٍ "نظيفةٍ" معقّمة، وأحياناً كُتب عليها وصاية أخلاقيّة كالحالة التي لا يمكن التعليق عليها والتي تسمّى "ألف ليلة وليلة -النسخة المهذّبة"، بغضِّ النظر عن القيمة الفنيّة، الحرمان من البذاءة يعني الحرمان من التعبير عن الرأي، وهذا ما لا نراه مثلاً لدى جماهير كرة القدم، القادرة على التفّنن ببذاءتها حين لا يعجبها اللعب، في حين أن جمهور المسرح مقيّد ومحروم من إعطاء رأيه الآني فيما يراه، فحضور "كركوزاتي" مثلاً في عرض جدّي قد يؤدّي إلى طرده، بل و اتفاق الجمهور على ضرورة إزالته من العرض، أما جمهور السينما النظيفة، فيتحدّث بلغةٍ لا يراها على الشاشة.

تعتبر البذاءة "ضحكاً رخيصاً" حين توظّف في الكوميديا، لكنها أيضاً وبالنهاية كوميديّة ونقديّة، وكلّ إهانة فيها تحوي دعوةً للتفكير، الألفاظ البذيئة تختفي لأسباب رقابيّةٍ وأخلاقيّة وغيرها، لكن من حقّنا أن نتلقاها وأن "ترفّهنا"، أين يمكن لنا أن نشاهد "الفنّ الرخيص" و"المنحط"، بوصفه إنتاجاً، لا مجرّد حالات فرديّة وظهورات متنوّعة؟

ذات الغياب يلاحق البذاءة في المواقف الجديّة، إذ تتلاشى الكلمات، التي يمكن لواحدةٍ منها إن لفظت أن تختزل الكثير من "الأدب"، فنحن أمام رقابةٍ أخلاقيّةٍ على الانفعال، والقدرة على توظيف البذيء بوصفه تعبيراً صرفاً عن الأفراد، و هنا يمكن أن نعود للعلاقة بين المكتوب والمسموع، الكثير من الروايات والنصوص الشعريّة تحوي البذاءة، إذ يمكن أن نقرأها ونتلقّاها ولو اختلفنا على دلالاتها الجماليّة، في حين أن المسموع والجماهيري، ذاك اللاحميمي في تلقيه، كالمسرح والسينما والتلفزيون، لا يحوي البذاءة، نحن لا نسمعها، فقط نتوقّع حضورها أو تغيظنا التلميحات لها.

يمكن النظر إلى الحقّ بالسُباب كحقّ الظهور، "المقفّلين" و"سلطاء اللسان" و"المماحين" لا يظهرون بصورتهم الفجّة في المنتجات الثقافيّة الجماهيريّة، هم دوماً عرضة لأحكامٍ أخلاقيّةٍ مُسبقة، سببها الصورة النظيفة الموجودة في المنتجات الثقافيّة، وكأن هناك شكلاً جاهزاً مفروضاً على "اللغة" واستخدامها، التي تخضع لسلطة أولئك الذين ينظفّونها، بل وأحياناً نسمع أحكاماً مثل "هذا الكلام نسمعه في الشارع فقط"، والذي لا يبدو منطقيّاً أبداً، ما المشكلة في الحياة اليوميّة واللغة المتداولة ضمنها، و كأن هناك تواطئاً على خلق لغةٍ خاليةٍ من البذاءة التي تحاربها القوانين بحجّة الآداب العامة، وتترك أصواتها دون أن تُسمع أو توثّق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard