عرفنا رابعة العدوية فمَن غيرها؟

الخميس 30 مايو 201901:34 ص

تناول آلاف الكتّاب والباحثين والمؤرّخين منهج الصوفيّة وطرقها ومذاهبها، متحدّثين عن أقطابها المؤثّرين في تاريخ الإسلام، التاركين علامات فارقةً وآثاراً واضحةً في العلم والعمل والمحبّة الإلهية.

فكلّنا يعرف محيي الدين بن عربي، وجلال الدين الرومي، وأبو القاسم القشيري، وذا النون المصري، وأبو يزيد البسطامي، وابن الفارض، وشهاب الدين السهروردي، وابن عطاء السكندري، وعبد القادر الجيلاني، والحلاج، وأبو الحسن الشاذلي، وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم آلاف الأجلّاء ممن أبحروا في معرفة الله علماً وعملاً، فأورثونا كنزاً ضخماً من أمهات الكتب.

الصوفية محبٌّة لله، تعبده عبادة محبّة، لا طمعاً في جنةٍ ولا خوفاً من نار، تحبّه لذاته محبّةً مجرّدةً بعيدة عن كلّ مطلب، وغاية ما ترجوه هو نعمة الوصل بالواجد الأحد

فلا يخفى عن مُطلِع أن الصوفيّة إحدى طرق محبّة الله ومحاولة الوصول إليه، والتي تعتمد على تخلّي النفس عن الرذائل، وتسعى للتَّحلِّي بالفضائل لتصل إلى التجلّي، وهي منزلة الفناء في الله. فالصوفي محبٌّ لله، يعبده عبادة محبّة، لا طمعاً في جنةٍ ولا خوفاً من نار، يحبّه لذاته محبّةً مجرّدةً بعيدة عن كلّ مطلب، وغاية ما يرجوه هو نعمة الوصل بالواجد الأحد.

وعند البحث في تاريخ أقطاب الصوفيّة الكبار، نجد ندرةً في ذِكْرِ النساء الصوفيّات، اللهم إلّا الصوفيّة الشهيرة رابعة العدويّة، وقليل منا يعلم بوجود مئات الصوفيّات المتعبّدات في تاريخنا الإسلامي، لم تنل إحداهن شهرةً كشهرتها، ولذلك جاءت المقالة لتطلّ على بعضهن. 

من الصوفيّات

لبابة المتعبّدة: مجاهدة من أهل بيت المقدس

كتبت لبابة في محبّة المولى: "إني لأستحيي من الله تعالى أن يراني مشتغلةً بغيره".

كما قالت: "ما زلت مجتهدة في العبادة حتى صرت أستروح بها، وإذا تعبت من لقاء الخلق آنسني بذكره، وإذا أعياني الخلق روحني التفرّغ لعبادة الله عزّ وجلّ والقيام إلى خدمته". وقال لها رجلٌ: أريد الحجَّ فماذا أدعو بالموسم؟ فقالت: "سَلِ الله تعالى شيئين: أن يرضى عنك ويبلغك منزل الراضين عنه، وأن يجعل ذكرك فيما بين أوليائه".

العالمة الصوفيّة أم علي التي أنفقت مالها على الفقراء

كانت من الشيخات الصوفيّات، عاشت في القرن الثالث الهجري، وكان زوجها أحمد بن خضرويه البلخي.

حكى أبو يزيد البسطامي (تـ. 234هـ أو 361هـ)، العالم الملقب بـ"سلطان العارفين"، وهو من معاصريها: "من تصوّف فليتصوّف بهمّةٍ كهمّة أم علي".

وكانت من عباراتها: "دعا الله الخلق إليه بأنواع البرّ واللطف، فما أجابوه. فصبّ عليهم أنواع البلاء؛ ليردّهم البلاء إليه؛ لأنه أحبهم".

كما أشارت: "ما ذكرت فقري قط إلا ذكرت استغنائي بربّي وغناه، فيزيل عني مواقف الفقر، فكيف يكون فقيراً من له سيد مثله؟"

عمرة الفرغانية: "كانت واحدة وقتها، خلقاً وحالاً وفراسة"

هكذا جاء في تعريفها في طبقات الصوفية للسملي.

ويضيف السلمي أن من أقوالها: "ميراث الصمت الحكمة والتفكّر، ومن أنس بالخلوة مع العلم أورثه ذلك أنساً من غير وحشة". ونلحظ رغم قلة الأخبار عنها، أنها كانت حاضرة ومشاركة في مجالس العلم، فيذكر السلمي أنّها سئلت: "كيف عرف موسى عليه السلام أن الذي يسمعه كلام الله تعالى؟" فأجابت: "لأن ذلك الكلام أفنى عنه أوصافه وبغض إليه بعد ذلك كلام الخلق".

فاطمة أم اليمن التي كتبت في عشق المولى

ومن صاحبات الحال والفهم والكلام الحسن العارفة الجليلة فاطمة أم اليمن زوجها أبو علي الروذباري (تـ. 322هـ).

عرفت بما كتبته في عشق المولى: "كيف لا أرغب في تحصيل ما عندك وإليك مرجعي؟ وكيف لا أحبّك وما لقيت خيراً إلا منك؟ وكيف لا أشتاق إليك وقد شوّقتني إليك؟

ونسب إليها أقوال أخرى، منها: "لا ينتفع العبد بشيء من أفعاله كما ينتفع بطلب قوته من حلال". و"الزاهد طالب حظه؛ لأنه يطلب الاستراحة من طلب الدنيا وتعبها لا غير".

كما سمعت ذات يوما تبكي وتنشد:

فقلت دعوني وأتباعي ركابكم    أكن طوع أيديكم كما يفعل العبد

وما بال رغمي لا يهون عليهم     وقد علموا أن ليس لي منهم بد

فاتبعت الأبيات قائلة: "هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت، فكيف ترى حسرة من انقطع الوصول إليه؟

عائشة المروزية: دعمت الفقراء وطلاب العلم

ينسب لها قولها: "عقل العارف مرآة قلبه، وقلبه مرآة نفسه، وروحه مرآة عقله، وسرّه مرآه روحه، والتوفيق نور المرأة، ودقة البصيرة في المرآة تُظهر الخطأ من الصواب".

وفي خدمة مجتمعها، فقرائه وطلاب علمه، قالت: "ما أكلت أكلةً أتهنى بها قط إلا أكلة مع فقير أو في متابعة فقير أو في مشاهدته" و"ما قصدني أحد من الفتيان من موضع إلا وجدت في سرّي نوراً بقصده إلى أن يصل إلي، فإن وفقت لخدمته والقيام بواجبه تمّ لي ذلك النور، وإن قصرت في خدمته انطفأ ذلك النور".

"كيف لا أحبّك وما لقيت خيراً إلا منك؟ وكيف لا أشتاق إليك وقد شوّقتني إليك؟" مما كتبته العالمة الصوفيّة فاطمة أمّ اليمن في عشق المولى، وهي واحدة من عشرات العالمات الصوفيات اللواتي قلما نقرأ عنهنّ رغم شهرتهن في عصورهن. 

تتناول آلاف الأبحاث الصوفية وطرقها وأعلامها، إلا أننا قلّما نقرأ عن الصوفيات المتعبدات اللواتي كنّ عالمات، رحّالات في طلب العلم، وتمتعن بسلطة معرفية واجتماعية عظيمة في عصورهنّ 

الوهيطة أم الفضل: من الرحّالات في طلب العلم 

يخبرنا السلمي في طبقات الصوفية، أنّ أم الفضل "صحبت أكثر مشايخ عصرها"، ورحلت في آخر عمرها للقاء الشيخ محمد بن خفيف الشيرازي (تـ. 371هـ). وأنها سافرت إلى نيسابور والتقت فيها بعالمين من علماء الصوفية: الشيخ أبي القاسم النصر اباذي الواعظ، وأبي عمر بن نجيد (جدّ مؤلف طبقات الصوفية). 

وكان لعلمها احترام خاص في المدن التي زارتها، فكما يخبرنا السلمي، كان أكابرة شيوخها يحضرن جلساتها، ومنهم: أبو القاسم الرازي ومحمد الفرء، وعبد الله المعلم ومن في طبقتهم، وكذلك جماعة مشايخ الفقراء. 

وأشهر ما عرف من أقوالها، "حقيقة المحبة أن يخرس المحب إلا عن محبوبه، ويصم إلا عن سماع كلامه، كما قال النبي (ص) 'حبّك الشيء يعمى ويصم'"

وكذلك قولها: "احذروا ألا يكون شغلكم طلب راحات النفوس، وتوهمون أنكم في طلب العلم، وطالب العلم هو العامل به، وليس العمل بالعلم كثرة الصوم والصدقة والصلاة، وإنما العمل بالعلم إخلاص العمل لله بصحّة النية ومراقبة نظر الله تعالى إليه، إن لم يكن هو ناظر إلى ربه ومشاهد له".

فطيمة: "كبيرة الحال، عظيمة القدر"

لا نعرف عنها الكثير، إلا أنّ عدداً من الأقوال المنسوبة لها حفظت في كتب التراث. ومنها قولها: "حسن المعاشرة، وقصد القلب وعدم الافتقاد في الغياب، فمن عاشره تخلق معه، ومن كره عشرته لم يجبره على صحبته". وكذلك: "من عرف نفسه لم يتسم بالعبودية ولا يفتخر إلا بمولاه". وحدثتنا عن عمارة القلب بالإعراض عن الدنيا وخرابه بالاستعانة بالخلق. فقالت: "من أبصر نعم الله عليه شغله القيام بشكرها عن كل شيء".

يمكن أن نعرف مكانتها المعرفية من الأخبار القليلة التي وصلتنا عنها، حيث يصفها السملي بأنها "كانت كبيرة الحال، عظيمة القدر"،  وكذلك مما ذكر عن زوجها الذي كان ذا مكانة اجتماعية وعلمية مرموقة، وهو حمدون لقصّار النيسابوري (تـ. 271)، أحد علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلام التصوف السني في القرن الثالث الهجري، ومؤسس الطريقة الملامتية. 

حبيبة العدوية: "من كبار العارفات"

كانت الصوفية حبيبة العدوية  من عارفات أهل البصرة.

وقيل أنها كانت "إذا صلت العتمة، قامت على السطح وشدّت مئزرها، ودرعها في خمارها، وتقول: إلهي غارت النجوم، ونامت العيون، وغلقت الملوك أبوابها، وخلا كلّ حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك". وإذا كان السحر قالت: "إلهي هذا الليل قد أدبر وهذا النهار قد أقبل، فليت شعري قبلت مني فأهنى أم رددتها فأعزى، فوعزّتك لهذا دأبي ودأبك أبداً ما أبقيتني، لو انتهرتني ما برحت من بابك ولا وقع في قلبي من جودك وكرمك".

فاطمة بنت المثنى القرطبية، شيخة ابن عربي

وفي ذكر الصوفيات المتعبّدات المؤثرات لا يجب أن ننسى الشيخة الجليلة فاطمة بنت المثنى القرطبية إحدى شيخات الصوفي الكبير محي الدين بن عربي حيث تتلمذ على يدها في بداية شبابه وتزوّد من علمها وحبها الإلهي وقال عنها: "عذراء، هيفاء، خير العابدات السائحات الزاهدات". شيخة الحرمين إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت. هي شمس بين العلماء، وبستان بين الأدباء. علمها عملها. عليها مسحة ملك وهمّة ملك" ووصفها أيضاً بأنها رحمة لهذا العالم.

من أشهر عباراتها في الحب الإلهي "أعطاني حبيبي فاتحة الكتاب" فكانت إذا قرأت الفاتحة بنية شيء كان. فهي الشيخة فاطمة التي لم تحظى برئاسة دولةٍ ولا ألّفت كتاباً لكنها أورثت الشيخ بان عربي إرثاً عظيماً حيث زرعت في قلبه العلم والمعرفة والعشق الإلهي، فصار العلامة ابن عربي وحكى عنها بعد ذلك في كتابه الشهير الفتوحات المكيّة.

هؤلاء وغيرهن من مئات الصوفيات المتعبدات، كنّ عالمات، رحّالات في طلب العلم في عصورهنّ، وتمتعن بسلطة معرفية واجتماعية، فنسمع عن الصوفيات اللواتي صحبن كبار المشايخ ومن حضر مجلسهنّ أشهر علماء عصرهن، ونقرأ عن فاطمة بنت أحمد بن هانئ أنها أنقفت على مشايخ الصوفية "مالاً كثيراً"، وعن فاطمة الدمشقية بأنها كانت "تتناكر على المشايخ"، وعن فاطمة أمّ اليمن التي كانت "من الأجلّة"، ومؤنسة الصوفية التي كنت من متعبدات الشام، وكانت "جلدة نكدة". 

المصادر: ذكر النسوة المتعبدات لمحمود محمد الطناجي. ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات لأبي عبد الرحمن السلمى. الرسالة القشرية لأبي قاسم القشيري. الفتوحات المكية لابن عربي. طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمى. المواقف والمخاطبات للإمام محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard