هل ستُعيد تصريحات عائض القرني ما سُلب من حريّتي كامرأة؟

الثلاثاء 28 مايو 201905:04 م
Read in English

يسكن "عمّو"، الذي لا أعرف اسمه، بعد ثلاث بنايات من البناية التي استأجر فيها شقّةً، ويعمل "عمّو" الذي لا أبذل جهداً للتعرّف عليه أكثر، في محلِّ بقالةٍ صغيرٍ، أشتري منه الماء فيهديني الحلوى، ولا تتعدّى علاقتنا الـ "صباح الخير" أو "مساء الخير"، تلك الكلمات التي تُقال عادةً للغرباء في كلّ مكان.

قبل أيامٍ أوقفني دون سابق إنذار، وللمفاجأة، دار بيننا الحوار التالي:

هو: "إنتي تعرفي فلانة اللي ساكنة في الدور الرابع؟ صاحبتك؟"

أنا: "خير؟"

هو: "هي مجنونة؟"

أنا: "ليه حصل إيه؟"

هو: "بتلبس فساتين فوق الركبة وتنزل بيها في الشارع وإحنا صايمين! لو تعرفيها قوليلها مينفعش كده خالص."

أنا: "لا والله العلاقة بينا متسمحش ليا أني أتدخّل في لبسها."

منذ أيام صرّح داعيةٌ إسلامي بأن الموسيقى  لم تعد محرّمة، ويعتقد هؤلاء الدعاة بتصريحاتهم أن الحياة ستعود كما كانت، بمجرّد إصدار فتوى جديدة تحلّل ما حرّموه قبلاً.

أذهلني الموقف، هرولت إلى المنزل موبّخةً نفسي على عدم ردّي عليه بشكلٍ "أقوى"، حيث أنّ الموقف ذكّرني بما عشته في طفولتي وأنا في العاشرة، كنت ذاهبة لأشتري شيئاً ما برفقة ابن عمّتي، حينما أوقفنا رجلٌ ذو لحيةٍ كبيرةٍ يرتدي عباءةً بيضاء، وقال لابن عمتي أن لي جسداً جذّاباً وعليّ التوقّف عن ارتداء الفساتين، توسّلت إليه ألا يخبر أهلي بما حدث ولكنه فعل، وأُجبرت بعدها على ترك كلِّ فساتيني لخزانة الملابس.

الموقفان متشابهان للغاية، ولم يختلف الأمر أني كنت في العاشرة من عمري في الأوّل وفي الخامسة والعشرين في الثاني، دوماً هناك رجال لا نعرفهم يفرضون رأيهم وسلطتهم على أجسادنا.

لن تعيد الفتاوى إليَّ فساتيني القديمة

قبل أيامٍ قليلة، كان الشيخ عائض القرني ضيفاً في برنامج "الليوان" على فضائيّة روتانا خليجيّة، وعبّر الشيخ عن أسفه تجاه ما حدث من التشدّد، معلناً أنه يدعم الإسلام الوسطي الذي يدعمه وليُّ العهد السعودي محمد بن سلمان. لم يمرّ عليّ هذا التصريح كغيره من التصريحات التي أسمعها، شخصٌ ما يعتذر عن سلبه لحياتي متعلّلاً بأغراضٍ سياسيّة.

كان الشيخ عائض القرني من مؤسّسي جماعة "الصحوة" والتي بدأ ظهورها في السبعينيات، أحدثت هذه الجماعة الإسلاميّة بتوجّهها المتشدّد الكثيرَ من الكراهية التي نعاني منها في يومنا هذا، ومن الجدير بالذكر أن تمدّد أفكار هذه الجماعة لم يتوقّف عند حدود المملكة السعوديّة فقط، بل امتدّ في الخليج كلّه وانتقل إلى مصر لأسبابٍ كثيرة، منها ازدياد عمل المصريين في الخليج، وحركة الناس بين المكانيْن.

كانت أفكار جماعة "الصحوة" ترتكز على التديّن في المظهر، وباعتراف القرني بقوله: إنها كانت تهتمّ بالمظهر والوصاية على المجتمع وتقسيمه إلى ملتزمين وغير ملتزمين، وتحريم الكثير من الأمور.

كان لانتشار جماعة "الصحوة" السبب الأكبر في ارتداء غطاء الرأس في السبعينيات، تتحدّث جدّتي عن الفترة التي ارتدت فيها الحجاب بأنها كانت تحمل أبي على يدها عندما قرّرت ارتداءه، وهو من مواليد السبعينيات، وتستطرد في حكيها أن كلّ النساء في ذلك الوقت بدأن في ارتدائه ففعلت مثلهن.

لم يتوقّف الموضوع عند ذلك الحدّ، بدأت الفتاوى تنهال على رؤوسنا في تحريم لبس البنطلون وغيره، وكذلك تحريم الموسيقى والمعازف، وبدأت ظاهرة الأفراح الإسلاميّة في الانتشار في التسعينيات وأول الألفيّة، كانت هذه الأفراح مبنيةً على الفصل بين الجنسيْن، واستحداث فرقٍ تستخدم الدفَّ فقط في العزف.

لم ينتهِ الأمر عند غطاء الرأس فقط، بل امتدّ لتحريم أغلب الملابس، وأصبحت أغلب خُطَب الجمعة ترتكز على التهديد والوعيد للنساء بسبب ملابسهن، وبدأ الترغيب في الحجاب كمُنْجٍّ من المهالك.

منذ أيام قليلة أيضاً صرّح داعيةٌ إسلامي بأن الموسيقى والمعازف لم تعد محرّمة، ويعتقد هؤلاء الدعاة بتصريحاتهم أن الحياة ستعود كما كانت، بمجرّد إصدار فتوى جديدة تحلّل ما حرّموه قبلاً.

كان لانتشار جماعة "الصحوة" السبب الأكبر في ارتداء غطاء الرأس في السبعينيات، تتحدّث جدّتي عن الفترة التي ارتدت فيها الحجاب بأنها كانت تحمل أبي على يدها عندما قرّرت ارتداءه، وتستطرد في حكيها أن كلّ النساء في ذلك الوقت بدأن في ارتدائه ففعلت مثلهن.
لم ينتهِ الأمر عند غطاء الرأس فقط، بل امتدّ لتحريم أغلب الملابس، وأصبحت أغلب خُطَب الجمعة ترتكز على التهديد والوعيد للنساء بسبب ملابسهن، وبدأ الترغيب في الحجاب كمُنْجٍّ من المهالك.
لن تغيّر الفتوى أيّ شيء سوى أنها أصبحت صيحةً جديدة من صيحات مواقع التواصل الاجتماعي، ربما سيقف عندها بعض الناس ويفكّرون في أن الفتاوى يمكن أن تتغيّر من أجل السلطة والمال، لكنها لن تعيد إليَّ فساتيني القديمة.

كيف انعكس الأمر عليّ وعلى المحيطين؟

في الكليّة، بكت صديقتي لأن أهلها قد حبسوها وضربوها عندما قرّرت أن ترتدي بنطلون، وفي المدرسة نهرتني زميلتي لأني أسمع الأغاني، وفي المنزل تشاجرت مع أهلي كي أرتدي ما أريده أوّلاً، ثمّ تفاقم الأمر لكي أتمكّن من خلع غطاء رأسي.

قرّر الرجل الذي لا أعرفه أن يمنعني من ارتداء الفساتين، لأن موجات التحريم قد طالته عندما كنت صغيرة، لأنه اعتقد أن جسد فتاة العاشرة عورةٌ بسبب فتاوى الشيوخ، وكذلك قرّر جاري أن سلطته يمكنها أن تتحكّم في ملابس جارتي، كلّ هذا بسبب التشديد والتعسّف وتحريم كلّ ما يخصّ النساء.

قرّر الرجل الذي لا أعرفه أن يمنعني من ارتداء الفساتين!

لم أستطع أن أتسامح مع تلك الفتوى، كلّ الحقوق التي أتمتع بها الآن تشاجرت من أجلها لأن كلّ من حولي اقتنع بتلك الفتاوى، هل بمجرّد أن يصرّح عائض القرني أو غيره ويعتذر سيُعيد إليّ ما سُلب مني؟ هل فتواه الجديدة التي غرضها الأساسي أن يصبح واحداً من رجال محمد بن سلمان، ستحلّل ما حُرّم في بيتنا؟ هل ستمّكن صديقتي من ارتداء ما تريد دون أن تُحبس؟ هل ستشفع لها عند أهلها الذين يظنّون أن ما فعلوه كان بسبب خوفهم عليها وخوفهم من الله؟

لن تغيّر تلك الفتوى أيّ شيء سوى أنها أصبحت صيحةً جديدة من صيحات مواقع التواصل الاجتماعي، ربما سيقف عندها بعض الناس ويفكّرون في أن الفتاوى يمكن أن تتغيّر من أجل السلطة والمال، لكنها لن تعيد إليَّ فساتيني القديمة ولن تجعل جاري يعتذر عن تطاوله على جارتي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard