"بين حبال الماء"... روزا ياسين حسن تمزج الواقع بالأفلام

الثلاثاء 25 يونيو 201906:03 م

تتسّم أعمال الروائيّة السورية روزا ياسين حسن بخصوصيّة جليّةٍ، سواء من جهةِ لغتها السلسة ومتانة عباراتها، أو من حيثُ الجوانب الحياتيّة التي تسلّط الضوء عليها.

في رصيدها حتى يومنا هذا، سبعة أعمال روائيّة، تطرقت فيها لمواضيع عدّة، متنوّعة وشائكة، سيما توثيقها لذاكرة المعتقلات السياسيات في روايتها "نيغاتيف" (2007)، أو تناول الحدث السوري الراهن في "الذين مسّهم السحرُ" (2016).

في عملها الروائي الأحدث "بين حبال الماء"، الصادر عن داريْ "سرد" و"ممدوح عدوان" في دمشق، 2019، تسرد الكاتبة روزا ياسين حسن حياةَ "تمّوز"، بطل روايتها؛ الذي يدفعه هوسه وحبّه إلى دراسة السينما في كوبا؛ ليجد نفسه في واقع لم يخطط له أبداً، ويصبح ذاك الواقع العالم الجديد له، فيتنازل عن حلمه، ويدرك أنه لابد له ولغيره من العودة إلى المكان الذي بدأ منه، فيجد نفسه مثل الكثيرين في سوريا مضطرين إلى طرق أبواب الحدود بحثا عن الخلاص؛ في رحلة حياتية جديدة؛ بعدما كان يعمل في دولة خليجيّة.

في عملها الروائي الأحدث "بين حبال الماء" (2019)، تسرد الكاتبة السورية روزا ياسين حسن حياةَ "تمّوز"، بطل روايتها الذي يدفعه هوسه وحبّه إلى دراسة السينما في كوبا؛ ليجد نفسه في واقع لم يخطط له أبداً.

مياه تجرفك بحبائلها، لا شيء حولك سوى الماء، وحبائل تشد عليك بوثاقها لتودي بك نحو أقصى حالات الاغتراب؛ لتدرك أنك حين تسرد ذوات الآخرين تسرد ذاتك: رحلة إلى المجهول في رواية روزا ياسين حسن الجديدة "بين حبائل الماء". 

تتحدث الكاتبة بضمير المتكلم، وتتخذه أساساً وأسلوباً لسرد أحداث روايتها، إذ أننا نجد البطل وحده في الكثير من الأحيان يروي الأحداث، ولكننا نلاحظ أيضاً سِيَرَ الكثير من الشخصيات في الرواية تنبثق عنها، وتتواشج معها في الآنِ معاً، لتغدو هموم الجميع واحدة، ولتروي الرواية حيواتِ الآخرين؛ فيتواشج الفردي مع الجمعي.

ويرتبط مصير كل واحد منهما بالآخر، وتكون الرغبة في الخلاص همهم المشترك، لتجتمع تلك المحاولة بموضوع الانتماء إلى دائرة المكان، الذي هو الوطن الذي تنطلق منها فكرة (تموز) في أن يصبح مخرجاً للأفلام السينمائية، وليقع الماضي في فلك اهتماماته بعد أن يصبح ذلك الحلم مؤجلاً؛ عندما فجّر الجيل الجديد الثورة في كافة الدول العربية، ومنها سوريا، ويروي هو حكايات الآخرين التي اختزلت في ذاكرته، فكانت تلك الحكايات حكاياته وقصصه هو نفسه. حيثُ تدمج الكاتبة في تقنية فريدة الواقع بالأفلام، ليشعر القارئ بارتباط المتخيل بذلك الواقع الذي تنقله لنا، حتى لا نكاد نميز بينهما، فنشاهد تنقلات كثيرة بين كلّ منهما بشكل لافت؛ ومن دون أن يشعر القارئ بثقل ووطأة هذه التجربة عليه أثناء عمليّة القراءة، أو حتى خلق إشكال لديه في أي موضع من الرواية؛ بل تدفعه إلى الرغبة في معرفة مصائر أبطالها وشخصياتها، من خلال تتبع أحداث الرواية سواء أكانت واقعية أم متخيلة!

رحلة المصير المجهول

مياه تجرفك بحبائلها، لا شيء حولك سوى الماء، وحبائل تشد عليك بوثاقها لتودي بك نحو أقصى حالات الاغتراب؛ لتدرك أنك حين تسرد ذوات الآخرين تسرد ذاتك، وسيرتك التي كنت تحاول كل ما أمكن أن تخفيها في طيات الغيب، وتدرك عبث تلك المحاولات، ولا جدواها؛ فالمكان يمسك بتلابيب روحك؛ لتدفعك تلك الحبال إليها كل لحظة؛ فيزداد يقينك بأنك لا تستطيع سوى الاستسلام لماضٍ غرس أصابعه عميقا في روحك، ليحاصرك من كل جانب "تختلف البدايات، الأسماء فحسب؛ لكن السيرورات كلها تتشابه، كلها تتزاوج مع الموت، والحرائق، رائحة اللحم البشري المحترق، الجثث، الصراخ، الألم، الكره، الحقد والوحشية".

وليبقى ذاك الماضي البعيد القريب جزءاً منك، ومن كل شيء رسم بريشة العذاب مخيلتك البائسة؛ هذا ما حاولت روزا ياسين حسن أن تنقله لنا عبر رسائلها مع الماء؛ صورة لواقع نالت منه يد الخراب، وتضيع معه محاولات الخلاص، وليعود الحلم الكبير الذي بدأ يتشكل في مخيلة تموز وهو دراسة السينما في كوبا إلى قناعة بالاكتفاء بما حصل معه، وتوصل إليه، لتجره الحرب إليها مرة أخرى؛ مع أولئك الذين عادوا إلى سوريا، وبدؤوا منها رحلة المصير المجهول نحو دروب الحياة كلها إلى الغرب؛ لتكون الحدود وأسلاكها شاهدة على ذلك، وكل ذلك رغبة في اكتشاف حقيقة تلبس أقنعة شتى؛ لتصبح كتلة هلامية؛ عصية على الإدراك؛ "الحياة قبلاً كانت أكثر إثارة، الناس كانوا شبابا، أما اليوم فقد أصبحنا عجائز! وأنا ذاهب لأكتشف الحقائق التي لا تنفك تتغير كلما عثرت عليها".

على وقع السينما

ذات العشق والشغف، الذي دفع تموز الى أن يضع قدمه على أول الطريق، الذي أودى به إلى نهاية لم يكن يتصورها، ولو للحظة واحدة، ليتغير مصيره لحظة أن مضى في دربه؛ ليوقظ العالم على صدى حلمه، ألا وهو السينما؛ فالسينما الذي بدأ على وقع صوتها حلمه كانت بالنسبة له كـ"كائن أسطوري موجود في حدّ ذاته، ككيان مستقل معتدّ بنفسه"، "مدن غريبة، بيوت مغايرة، وجوه لا تشبهنا، ألوان، ألبسة، أطعمة، أمزجة، أساليب عيش وحب، الدهشة المستمرة التي لا تنضب، هذا ما كانت السينما تبشرني به".

يطرق تموز باب الحياة ليسلك الدرب غير المنجزة بالنسبة إليه؛ بحثاً عن خلاصه؛ في عالم يجد فيه نشوته ولذته وانتصاره، لتشكل القناعة نهاية المطاف لديه؛ فيرضى التنازل عن حلمه في دراستها، ويكتفي بأن يصبح أهم مدير مبيعات لشركة (ماكدونالد) في دبي، لكنه يثني عليها؛ لأنها جعلته يغوص عميقا في عوالم كثيرة بفضلها، ويطوف بحثاً عن حقيقة روحه التي كانت ضائعة في مهب الحياة.

الانتماء إلى الماضي

وحده المكان من فرض عليه سطوته؛ فـ"سوريا كانت بالنسبة لي في تلك الفترة أرض الأفلام"، ويعترف بأنه لم يعد إلى سوريا إلا لأجل أن يصنع أفلامه الخاصة به، ويصورها، لكنه يشعر بخجل كبير حين يقول ذلك، ويدعي ويعترف بأنه يصعب عليه أن يبوح بقول ذلك ببساطة "كيف لي أن أقول هكذا ببساطة، أتيت لأصور أفلامي التي حلمت بها، ولم آتِ لأشارككم ثورتكم يا رفاقي"، ليسكن في ماضيه الذي أعاده إلى بلده، ويروي أخباراً عن الفظاعات والمجازر والجرائم التي ارتكبت.

ويصف مشاهد من الدمار الذي ألحقت بذلك المكان، وذلك الماضي الذي بات الآن مشوهاً بكل ما فيه؛ لتكون رغبة الخلاص له، ولكل من كانوا يسكنون في ذلك الماضي والمكان الهجرة، ودروب المنفى؛ إلى حيث لا تطالهم يد الحرب، "لا أرى إلا أجساد المصابين، ولا أشم ألا رائحة الدماء، أنام، أستيقظ، أموت من الألم أغيب لوقت لا أعرفه، ثم يوقظني الألم والصراخ والرائحة من جديد، وهكذا في برزخ الألم كنت أنا".

الكتاب: بين حبال الماء (رواية). المؤلفة: روزا ياسين حسن (سورية). الناشر: سرد وممدوح عدوان- دمشق 2019. الصفحات: 195 صفحة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard