في ذكرى ميلاد فاتن حمامة: رفعت شعار النسويّة ومثّلت أدواراً تناقضها

الاثنين 27 مايو 201903:37 م

يحكي الناقد الكبير، رجاء النقاش، في مقالٍ نُشر له بجريدة الأهرام المصريّة عام 2003، أن موسيقاراً مصريّاً وقف في سنة ‏1950‏ أمام إحدى المحاكم الشرعيّة ليُدلي بشهادته في قضية،‏ وكان ذلك قبل إلغاء المحاكم الشرعيّة وتوحيد القضاء بعد ثورة يوليو ‏1952، ورفض القاضي الشرعي أن يأخذ بشهادة الموسيقار قائلاً إن هناك نصّاً قديماً من نصوص الفقه يقول إن‏ "الزمّار والطبّال وكلّ من يشتغل في اللهو لا يصحّ الاستماع إلى شهادته"‏.. وبعد مجادلةٍ طويلةٍ أصرَّ القاضي على موقفه، فعاد الموسيقار يقول للقاضي‏:‏ "إذن فالمحكمة لا تأخذ بشهادة عبد الوهاب وأم كلثوم"،‏ فردّ القاضي‏:‏ "نعم"‏.

فاتن بالتأكيد ليست سعاد حسني المستفزّة الجميلة، فاتن جميلة كالجمال ذاته دون تطبيقٍ عملي.

وفق هذه الحدوتة، فإن أهل الفنّ كانوا في ورطةٍ حقيقيّةٍ في المجتمع المصري وكان لا بدّ لهم من البحث عن سياسةٍ تُنجيهم من صورة "المهرّجين والمخرّبين والفاسدين أخلاقيّاً،" وأعتقد أن مخيلة صنّاع السينما في ذلك الزمن لجأت إلى خلق أيقوناتٍ "نظيفة"، "غير لعوب"، لتجميل سمعتهم التي طالتها الشبهات، فكانت فاتن حمامة.

فاتن، صاحبة ملامح بسيطةٍ كرسمة طفل، بسيطة ومعقّدة، جسدها خالٍ من دوافع الشهوة، لكن له وقع القطيفة التي تمرّ على جلدك متسحّبةً كذيل قطٍّ أليف، فاتن الفاتنة التي لا تُمس ولا تشتبك معك رغم أنها تأسرك أسراً أبديّاً، فاتن التي كانت مثالاً لا واقعاً ناقصاً، لا تصلح إلا أن يتعامل معها الحالمون، فلم تكن إلا تابلوه تاجر به المخرجون والمنتجون وحوّلوها لأيقونة حبٍّ وأنوثةٍ غير مبتذلة، لتكون نموذجاً "غير مخدوش"، عنواناً للسعي وراء المبادئ والقضايا الكبرى في زمنٍ يستعدّ لثورة مجتمع.. فاتن بالتأكيد ليست سعاد حسني المستفزّة الجميلة، فاتن جميلة كالجمال ذاته دون تطبيقٍ عملي.

 تصطدم بتناقضاتها في بعض أعمالها التي شوّهت صورة المرأة المنتصرة.

الموسيقار محمد عبد الوهاب، المطرب والملحّن والمنتج، استخدم الطفلة "فاتن" في فيلمه "يوم سعيد" عام 1940 لتصبح رشّة سكّر على كعك الصناعة السينمائيّة في مهدها، وليدغدغ بطفولتها خلايا الجمهور، الذي يتعاطف بالفطرة مع الأطفال.. هنا يربح المنتج ولا تعلم الطفلة، المستخدَمة في اللعبة، بأنها صارت سلعةً، وهي ابنة الثماني سنوات، لكنها كانت تمثّل حينها كأن عمرها ألف عام.

لا شك أن فاتن حمامة تحتلّ مكانة الإجماع في تاريخنا السينمائي كممثلة القرن العشرين، وهي كذلك بالفعل وليس في هذا الكلام أدنى مبالغة أو مجاملة، وذلك باعتبارها الصورة "المشرّفة" لنموذج المرأة، فلاحة أو عاملة أو مصلحة اجتماعيّة، تحمي مكانة حواء التنويريّة والوجوديّة، تمثيلها يرتدي "بلوزة وتنورة وقورة وشيك"، ابنة أصول تحافظ على التقاليد، مُربّية من طراز ملائكي، لكنك تصطدم بتناقضاتها في بعض أعمالها التي شوّهت صورة المرأة المنتصرة، كيف ذلك؟ فلنتابع إذن..

استخدم محمد عبد الوهاب الطفلة "فاتن" في فيلمه "يوم سعيد" لتصبح رشّة سكّر على كعك الصناعة السينمائيّة في مهدها، وليدغدغ بطفولتها خلايا الجمهور، الذي يتعاطف بالفطرة مع الأطفال.. هنا يربح المنتج ولا تعلم الطفلة بأنها صارت "سلعةً".

ولا نقول هنا إن فاتن حمامة مثّلت مع التيار السائد بقدر ما نقول إن أفكار غالبية ممثلينا لا تنبع بالأساس من إيمانٍ حقيقي بما يقدّمونه، فوارد أن يرفع ممثل ما شعار "الثوريّة" لكنه يؤدّي أدواراً تُناقض كلّ ما هو ثوري.

تتمكّن "الأستاذة فاطمة" من إنقاذ "عادل" من الإعدام وتحصل له على البراءة، ليختم الفيلم مشهدٌ يجمع الحبيبين أمام قفص المحكمة، وتتنازل فيه "الأستاذة فاطمة" عن مهنتها مقابل أن تحصل على حبِّ "عادل" وتعيش له لا معه.

الأستاذة فاطمة

عُرض هذا الفيلم لأوّل مرّة بتاريخ 21 فبراير 1952 - لاحظ التاريخ - وتعامل مع قضية المساواة بين الجنسيْن عبر قصّة حبٍّ جمعت جارين، طالبة الحقوق فاطمة، وزميل مهنتها عادل (كمال الشناوي). تنافس العاشقان في قضايا مختلفة بعد تخرّجهما، وبدا تفوّق البطل الرجل الذي نجح مكتبه في الاستحواذ على ثقة المتقاضين، أكثر من مكتب زميلته ومحبوبته ومنافسته الذي كان فارغاً طول الوقت، تتصنّع فيه صاحبته الأهمية، إلا أن عقدة الفيلم تُخرج "عادل" من السباق بتورّطه في جريمة قتل، فيطلب ألّا يدافع عنه أحد إلا "فاطمة"، لتطلّ البطلة بوجهٍ قلقٍ مذعور من هذه المسؤولية التي ألقيت عليها..

كانت تعبيرات وجهها تقول إنها ليست أهلاً لمنافسة الرجل، وإنها قد تودي به إلى حبل المشنقة، لكن تجري أحداث الفيلم بمساعدة والدها ووالد حبيبها وغيرهما، وعبر بعض الحيل، تتمكّن "الأستاذة فاطمة" من إنقاذ "عادل" من الإعدام وتحصل له على البراءة، ليختم الفيلم مشهدٌ صادمٌ يجمع الحبيبين أمام قفص المحكمة، وتتنازل فيه "الأستاذة فاطمة" عن مهنتها وعملها ووجودها مقابل أن تحصل على حبِّ "عادل" وتعيش له لا معه، فتقول له: "فاطمة بس من غير أستاذة"، تحت شعار "فلتسقط قضية المرأة".

تناقضُ "فاتن"، صاحبة الأدوار النسائيّة اللافتة في قائمةٍ عامرةٍ بالأفلام المهمّة، يعود بنا إلى ما كان عليه المجتمع المصري قبيل ثورة يوليو 1952. فتوقيت صناعة الفيلم يتحكّم كثيراً في سياساته.

تناقضُ "فاتن"، صاحبة الأدوار النسائيّة الباهرة واللافتة في قائمةٍ عامرةٍ بالأفلام المهمّة: أريد حلاً، إمبراطورية م، دعاء الكروان، يعود بنا إلى ما كان عليه المجتمع المصري قبيل ثورة يوليو 1952، فتوقيت صناعة الفيلم يتحكّم كثيراً في سياساته ويطبع على أبطاله مبادئه وأفكاره، ولا نقول هنا إن "فاتن" مثّلت مع التيار السائد بقدر ما نقول إن أفكار غالبية ممثلينا لا تنبع بالأساس من إيمانٍ حقيقي بما يقدّمونه، فوارد أن يرفع ممثل ما شعار "الثوريّة" لكنه يؤدّي أدواراً تُناقض كلّ ما هو ثوري، وذلك إمّا لإرضاء ذوق الجمهور الذي رُبّي في عصر "سي السيد" وإما لعدم وعي صنّاع العمل بأي قضية، هم فقط موجودون لتلبية احتياج الجمهور، وهذا الاحتياج للأسف يضرّ أوّل ما يضرّ، الجمهور نفسه.

أبلة حكمت

إن "أبلة حكمت" هو وجهٌ من وجوه فاتن، وصحيح أنه وجه نحته كاتب الدراما التليفزيونيّة الأهمّ أسامة أنور عكاشة، وتقمّصته هي باقتدارٍ على طريقة "الدونكيشوت النسائي"، لكن التناقض يتسلّل أيضاً إلى شخصية "أبلة حكمت"، وذلك حين تصل إلى العجز عن تطبيق نموذجها المثالي في العملية التعليميّة، بسبب طغيان الفساد وغلبة تيار التسليع الذي اجتاح مصر منذ سبعينيات القرن الماضي، ليسقط عليها الحلّ كتفاحة نيوتن، حين يتبرّع لها عاشقها السابق، صلاح أبو رحاب (جميل راتب)، العائد من الغربة مليارديراً، بما يكفيها من أموالٍ لتحقيق نموذجها المدرسي الأخلاقي، لتتناسى هنا الدونكيشوتة مثاليّتها وترفّعها عن المادة.. يبدو أنها وجدت ألّا سبيل لبلوغ الكمال في عالمٍ مادي إلا باتخاذ المادة وسيلة لتحقيق ذلك.

الغاية النبيلة برّرت الوسيلة الماديّة، ربما يكون هذا مقصوداً من "عكاشة"، الذي يتحمّل وحده عبء النصِّ الدرامي المكتوب، لكن مع مستوى تمثيلي بنجوميّة "فاتن" أظنّ أن رأيها كان يجب أن يوضع في المعادلة، وهو ما لم يكن للأسف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard