وزارة الداخلية البحرينية تحذّر من حسابات "تبث روح الفتنة"... "إعادة تدوير" تهمة قديمة

السبت 25 مايو 201905:47 م

في الآونة الأخيرة، بدأت معالم صراع داخل أجنحة الحكم في البحرين بالظهور على السطح، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعبر تصريحات رسمية تقلل من شأن رئيس الوزراء البحريني خليفة بن سلمان آل خليفة ومن شأن خطوات قام بها.

في هذه الظروف، أصدرت وزارة الداخلية البحرينية بيانين خلال الأيام القليلة الماضية تستهدف فيهما ناشطين حقوقيون وسياسيين وصحافيين بحرينيين متواجدين في الخارج كلاجئين.

فقد أعلنت الإدارة العامة لمكافحة الفساد والأمن الاقتصادي والإلكتروني في وزارة الداخلية أن عدداً من الحسابات الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي "تستهدف إثارة الفتنة ومحاولة تهديد السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي وزعزعة الأمن والاستقرار في مملكة البحرين، وتقف خلفها شخصيات صادرة بحقها أحكام قضائية وهاربة خارج البلاد".

واتهمت الوزارة الناشط الحقوقي ونائب رئيس منظمة سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان يوسف المحافظة والناشط السياسي حسن عبد النبي الستري اللذين وصفتهما بـ"الهاربين من العدالة ويتواجدان في ألمانيا وأستراليا" بتأسيس "شبكة إلكترونية معادية تتولى إدارة مجموعة من الحسابات الإلكترونية على شبكات التواصل الاجتماعي"، تشمل حسابات نائب تائب، الخوالد، خالد أم أو أي، خالد، النصرة للمظلومين، سليمان باشا، ووطني العزيز، مضيفة أن هذه الحسابات "تُدار من كل من إيران وقطر والعراق وعدد من الدول الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا بالإضافة إلى أستراليا".

كما اتهمت الوزارة هذه الحسابات بالعمل على "تنفيذ خطة ممنهجة لتشويه سمعة البحرين وشعبها، وبث روح الفتنة والفرقة بين مكونات المجتمع"، مضيفةً أن "هناك خلايا إلكترونية تعمل على دعم هذه الشبكات من خلال تزويدها بالمعلومات المغلوطة من داخل البلاد، والترويج لرسائلها المشبوهة"، ومؤكدة بأنها بصدد اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين فيها.

وحذّرت الوزارة من أنها ستتخذ الإجراءات القانونية بشأن هذه الحسابات التي "تبث مضامين مخالفة للقانون وتمس السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي"، مشددة على ضرورة عدم التعامل أو التعاطي مع هذه الحسابات أو شبكات المواقع الإلكترونية، إذ سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضد كل مَن يروّج لرسائلها المشبوهة.

وكانت الوزارة قد أعلنت في 30 مارس 2018 القبض على خمسة أشخاص، أحدهم مذيع في تلفزيون البحرين، وآخران ضابطان في وزارة الداخلية، بتهمة "إنشاء حسابات مغرضة ونشر تغريدات مسيئة للأشخاص وتشكل تحريضاً وإثارة للفتنة".

وأوضح بيان الوزارة حينذاك أن البعض أنشأ هذه الحسابات على موقع تويتر ونشر تغريدات مسيئة، فيما قام البعض الآخر بتزويد القائمين على هذه الحسابات بالمعلومات والمساعدة في نشرها، وأن التحريات مستمرة للقبض على بقية المتورطين في هذه الوقائع، في إشارة إلى حسابي "نائب تائب" و"الخوالد".

ولكن بعد ذلك، أطلق سراح المقبوض عليهم بدون الإدلاء بأية معلومات، لتعود الوزارة حالياً وتقوم بتدوير التهمة وتوجيهها إلى المعارضين والناشطين اللاجئين في الخارج.

"أكتب باسمي وبصورتي"

يستغرب الناشط يوسف المحافظة الاتهامات التي طالته، وينفي إدارته للحسابات المذكورة، ويقول لرصيف22: "منذ دخولي عالم التواصل الاجتماعي، وأنا أكتب باسمي وبصورتي الحقيقية، وعملي الحقوقي والإعلامي شفاف ولا أحتاج إلى حسابات وهمية لكشف الانتهاكات الحقوقية في البحرين".

ويرى المحافظة أن هذا الاتهام يأتي استهدافاً له بسبب نشاطه الحقوقي والإعلامي والمقالات التي يكتبها بين الحين والآخر، والرأي الذي يعبّر عنه عبر تويتر وكشفه للانتهاكات، وليس بسبب علاقته بهذه الحسابات الوهمية على الإطلاق.

وأبدى المحافظة قلقه على أفراد أسرته الذين يعيشون في البحرين، موضحاً أن "التشهير بي واتهامي بهذه الطريقة يعرّض أسرتي في البحرين للخطر وأنا قلق على سلامتهم".

وأشار إلى أنه "تم اتهام خمسة أشخاص آخرين بإدارة هذه الحسابات الوهمية، العام الماضي، وتمت محاكمتهم وسجنهم بهذه التهمة، ولكن اليوم، في ظل الظرف السياسي الحالي والتراشق على مواقع التواصل الاجتماعي بين الحسابات المحسوبة على الديوان الملكي والأخرى التي تدافع عن رئيس الوزراء انبرت وزارة الداخلية لتوجّه الاتهام لنشطاء من المعارضة ونشطاء حقوق الإنسان لإلصاق التهمة بهم والهروب من المشكلة".

وبرأيه، تهدف وزارة الداخلية إلى "إبعاد التصوّر بأن هناك فعلاً صراعاً بين دواوين الحكم، ولذلك تم لصق هذا الحساب بي لشيطنة المعارضة وتخوينها عبر ربطها بإيران والعراق وألمانيا، وهذا سيناريو مكرر تعتمده الوزارة منذ زمن بعيد".

وأكد المحافظة لرصيف22 أن هذا الاستهداف والتشهير "لن يوقفني عن عملي وعن كشف انتهاكات حقوق الإنسان والتواصل مع الأمم المتحدة. هذا العمل سيستمر ولن يتوقف".

"توغّل ثقافة الانتقام"

لم ينته الأمر عند ذلك. ففي 23 مايو الحالي، اتهم حساب وزارة الداخلية على تويتر الصحافي البحريني ورئيس رابطة الصحافيين البحرينية، اللاجئ في بريطانيا عادل مرزوق، بأنه "يستهدف بث روح الفتنة بين مكونات المجتمع البحريني"، مضيفاً أنه "جارٍ اتخاذ الإجراءات القانونية بشأنه وكل مَن يروّج لرسائله المشبوهة".

بعد التغريدة المذكورة، نفى مرزوق عبر حسابه على تويتر التهمة، وقال: "السادة في وزارة الداخلية: حسابي مُعرّف وأقيم في بريطانيا منذ 8 أعوام بعد حصولي على اللجوء السياسي كما تعلمون. تغريداتي حول الخلافات بين دواوين الحكم واحتمالات إزاحة الشيخ خليفة بن سلمان من منصبه عمل صحافي بحت وليس فيه أي إساءة أو تحريض".

وقال مرزوق لرصيف22: "تناول الصراعات السياسية في البلاد عمل صحافي بحت ويهم الشأن العام خصوصاً وألتزم بأخلاقيات العمل الصحافي المحترف. ما تناولته في التغريدات على تويتر ومقالاتي هو في صميم عملي الصحافي. مؤسف فعلاً أن نراقب يوماً بعد يوم كيف تتراجع حرية الرأي والتعبير في البحرين وكيف تتوغل ثقافة وسياسات الانتقام وتشويه السمعة".

وزارة الداخلية تشنّ حملة على حسابات "تدعو للفتنة"... ومعارضون يقولون إن السبب هو التراشق على مواقع التواصل الاجتماعي بين حسابات محسوبة على الديوان الملكي وأخرى تدافع عن رئيس الوزراء
وزارة الداخلية البحرينية تتهم ناشطين بـ"بث الفتنة"... ومعارضون يرون أن هناك صراعاً بين أجنحة الحكم، بين جناح الملك وجناح رئيس الوزراء، "يجب أن يحلّ بينهم، بدل فبركة القضايا للناشطين"

وأضاف: "ما حدث معي هو جزء من مسلسل طويل من الاستهداف للزملاء والزميلات، وكما أبدي ويبدي زملائي قدراً كبيراً من المسؤولية في القيام بواجباتهم بكل احترافية ومهنية سأحاول أن أفعل".

ودعا مرزوق المجتمع الدولي والمنظمات الدولية إلى "الالتفات للصحافيين البحرينيين اليوم بسبب تعقيدات الموقف في البحرين وتطويق الدولة لحرية الرأي والتعبير، ليس في الصحف اليومية وحسب بل وبما يشمل الفضاء الإلكتروني الذي تحوّل من فضاء كبير للحرية إلى مجرد مصيدة بيد الدولة".

سياسة قديمة-جديدة

استهداف الناشطين السياسيين والحقوقيين في الخارج ليس بالأمر الجديد على السلطات البحرينية، فقد صدرت أحكام بالسجن ضد معارضين في الخارج بالإضافة إلى قرارات إسقاط الجنسية عن كثيرين، دون محاكمات أو تهم محددة، كما حدث مع الناشط الحقوقي يوسف الحوري اللاجئ في ألمانيا، والمحكوم بالسجن خمس سنوات في قضية "التحريض على إسقاط النظام عبر مواقع التواصل الاجتماعي".

يقول الحوري لرصيف22: "بدلاً من أن يتحاور النظام مع النشطاء والصحافيين والمغردين والمدونين، يلجأ إلى فبركة القضايا واستهدافهم، وإذا لم يستطع استهدافهم، يقوم باستهداف عوائلهم ويلجأ إلى أساليب الإعدام الاجتماعي، كإسقاط الجنسية، مثلما فعلوا معي أنا وعائلتي".

وأكد الحوري على التزامه بالنشاط السلمي وقال: "نحن ندعو وننتقد بأدوات وآليات سلمية وبالإمكان مراجعة تغريداتنا ونشاطاتنا في جنيف والاتحاد الأوروبي".

وتوجّه الحوري إلى السلطات البحرينية بقوله: "إذا كانت هناك أزمة داخلية لا ترموها علينا نحن النشطاء. هناك صراع بين أجنحة الحكم، يجب أن يحلّ بينهم، بدل فبركة القضايا للناشطين، فوزارة الداخلية تعرف مَن يقف وراء الحسابات الوهمية على تويتر، واتهام النشطاء في الخارج كيدي، ويقع ضمن أساليب القمع والاستبداد، وهو أمر مؤسف".

بدوره، لم يسلم رئيس منظمة سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان جواد فيروز، اللاجئ في بريطانيا، من الاستهداف، فقد أسقطت جنسيته دون محاكمة.

يقول فيروز لرصيف22: "في ظل غياب المحاسبة واتباع السلطة في البحرين لسياسة الإفلات من العقاب، وفي غياب الدور الرقابي للسلطة التشريعية، وكذلك سعي السلطة إلى تكميم أفواه جميع المخالفين لسياساتها الاستبدادية، سواءً داخل الوطن أو خارجه، يستخدم الحكم كل صلاحياته وأجهزته و علاقاته الدولية في استهداف المعارضين وعموم النشطاء، بما في ذلك إسقاط الجنسية كأداة سياسية للانتقام، بدون وجود مبررات قانونية أو أحكام قضائية، وهذا ما حصل معي ومع العديد من المواطنين".

ويضيف أن إجراء وزارة الداخلية البحرينية الأخير القاضي باستهداف عدد من النشطاء في الخارج والتعديل على قانون حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية، "ليس إلا دليل على سعي السلطة إلى بسط قبضتها الأمنية إلى خارج الحدود".

واعتبر فيروز أن إسقاط جنسيته "إجراء قمعي وعقاب لاإنساني وهو بمثابة إعدام معنوي، ولكنه لم ولن يثنيني عن مواصلة دوري كمدافع عن حقوق المواطنين والسعي المستمر والدائم إلى تحقيق الإصلاح الجذري في كافة الشؤون في وطني الغالي البحرين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard