الأردن وطني غير البيولوجيّ... كيف صرت فيه غريبة عاجزة عن تبرير وجودي؟

الاثنين 27 مايو 201906:30 م

كما يقوم أمين معلوف في كتاب الهويّات القاتلة بما يدعوه "امتحان الهوية" باحثاً عن عناصر هويته الإنسانيّة، يرصفها ويتأمّلها دون التنكّر لأحدها، أجدني أنبش في منفاي عن هذا العنصر السحري الذي مدّتني به الأردن خلال سنوات إقامتي بها. هذا المكوّن الذي بدونه يسقط جدار من ذاتي، والذي بسببه تتسع دائرة الحنين لتعصر قلبي. علاقتي مع الأردن هي علاقة أقلّ ما يقال عنها complicated. علاقة أراجع تفاصيلها في رأسي الآن، وبعد أعوامٍ من البعد القهري عنه، أعود لبلدٍ حفظت شوارعه وملامحه ونشأت فيه. كيف تتداخل في هويتنا جذور بلاد تتبنّانا ونعجز بعدها أن نثبت شرعيّة علاقتنا بها؟

علاقتي مع الأردن هي علاقة أقلّ ما يقال عنها complicated

بداية العلاقة

بدأت علاقتي مع الأردن في بدايات التسعينيات، في إجازاتٍ صيفيّةٍ كنا نقضيها هناك، مع عائلات خالاتي الموزّعة بين عمان وإربد والزرقاء. كطفلةٍ صغيرةٍ سحرني هذا البلد الذي اختبرته بحرارة صيفٍ لازلت أشعر بلسعاته في منفاي البارد. في مدينة الزرقاء أثارت قصص أبو شاكوش، القاتل المتسلسل، الذي لا يسلم من بطشه كبير أو صغير، رعبي، وارتجفت من أساطير السحرة والمشعوذين، تقصّها عليّ بنات خالتي اللواتي لم تتجاوز أعمارهن الثامنة، في غرفةٍ ترفع حرارتها أشعّة الشمس والستائر المقفلة في الظهيرة، وبينما تفرّغ أسطح المدينة الحرَّ من صدرها في المساء، كنا نستلقي هناك نراقب النجوم، تأتيني رائحة احتراق المادة التي يعلّقها أهل المدينة لقتل البعوض وصوت طقطقة جثثها المتساقطة.


في عمّان، بحدائقها ومولاتها وشوارعها العريضة، اختبرت شكلاً للرفاهية لم أعتده في دمشق التي تبدّى هرمها مقابل هذه المدينة الفتيّة، التي تعبّر عن ذاتها بشكلٍ استهلاكيٍّ متعطّش. هذه المدينة التي تركت في قلب عبد الرحمن منيف، الكاتب سعودي الجنسيّة والذي نشأ فيها، بصمتها، فكتب لها "سيرة مدينة" وروى كيف عرف فيها طفولةً حلوةً في شوارعها الغضّة كبشرته اليافعة. إربد وتألّقها مع بداية التسعينيات، بشارع الجامعة والذي جذبت جامعته شبابها للدراسة ومنحتهم استقلالاً حصلوا عليه في سكنها الجامعي، هناك شعرت بنبض مدينةٍ تُقبل على الحداثة بجرأةٍ. هذا الشارع فيما بعد، وفي أواخر التسعينيات، تعرّفت فيه على الإنترنت وعلى الهواتف النقّالة التي كانت تغلق سوريا حدودها في وجهها!، أنشأت أوّل إيميل لي على Yahoo وكنت أتعلّم من أختي التي تصغرني، أسرار هذه التكنولوجيا العجيبة التي تربطنا بلحظاتٍ بعوالم لانهائيّة. في تلك الصيفيّات، كنت أستلذّ بمعنى القربى، أنا وأمي وأختي، والذي كنا نفتقده في دمشق، حيث لنا عدد محدود من الأقرباء. دمشق المدينة المغلقة كما كانت في بداية التسعينيات، كان بعض ساكنيها ينظرون بتوجّسٍ للسيّاح الأردنيين الذي ينفق بعضهم المال في مدينةٍ تعجز ليرتها أمام الدينار الذهبي، حيث تسبّب طمع بعض تجّارها وسياسات حكوماتها، برفع الأسعار وخنق سكانها المحلييّن الغاضبين من هذا الغريب المنعم خالي البال، كما رسمته الصور النمطيّة في فترة فرق العملة بين البلدين.

بعد 2011 صار السوري بحاجةٍ لإقامةٍ يستصدرها من مركز الشرطة. لم تكن لهذه الورقة من مدّة صلاحية محدّدة ببدايةٍ أو نهايةٍ، حيث لم يتغيّر القانون الذي يضمن بقاء السوري في الأردن.

في نهاية التسعينيات تطوّرت علاقتي السياحيّة مع الأردن إلى علاقة استقرارٍ وحياةٍ هناك، عندما تزوجت أمي وانتقلنا للعيش مع زوجها الأردني. أصبح لي شقيقات أردنيّات الجنسيّة، ساعد فارق السنّ بيني وبينهم على تعزيز إحساسي الأمومي تجاههن. في عمّان تشاركت مع أهل المدينة لحظات الترقّب المجنون والخوف المتراكم في انتظار شهادة التوجيهي، أنا ابنة النظام التعليمي السوري المتصلّب، وجدت في النظام التعليمي الأردني حالةً متطوّرةً في طريقة التعليم والعرض ووسائل الإيضاح، مقارنةً بترهّلها فيما عهدته بسوريا. تعلّمت التاريخ الحديث، واستطعت لأوّل مرّة أن ألمس كيفية عمل آليات الأدلجة للمناهج، بفضل المقارنة مع نظيرتها في سوريا. تفتّحت عيني على أسئلةٍ كثيرةٍ حول المدن والمسلّمات والثوابت والعادات ورفضها، بفضل هذه الفرصة التي مدّتني بالمعرفة. العبور بين المدن والنهل من علومها هو عمق منحتني إيّاه تجربتي الأردنيّة. في المدرسة كنت الطالبة السوريّة التي تحبّ بعض زميلاتها لهجتها والتي اعتدنها من المسلسلات السوريّة، هذه المسلسلات التي يخلق معظمها صوراً نمطيّةً تحجّم المرأة السوريّة وتضعها في قالب الطواعية والسلبيّة. ومع ذلك فإن العلاقة الإنسانيّة بيني وبين صديقاتي كانت تتعدّى هذه القوالب لتترك لنا ذكرياتٍ تملؤنا غنىً. كثير من الصور النمطيّة التي يتداولها السوريّون والأردنيّون حول الآخر، استطعت تجاوزها في أسفاري بين البلدين، بفضل واقعٍ صنعته الروابط الإنسانيّة الحيّة والتي كسرت التنميطَ الرخيصَ وصوره.

من عمّان ومع بداية الألفية حصلت على شهادة التوجيهي وبفضلها أكملت علمي في مدينتي دمشق، وبين عمّان ودمشق وفي المواصلات البريّة عرفت قصّة عشق بين مدينتين، أرحل عن إحداهما فيشدّني شوقي للأخرى. في إحدى المدينتين حبّي الذي كبرت معه، وفي الأخرى أهلي وعائلتي وطبخ المنزل ورائحة الحمّص والفول المدمّس بالشطة الخضراء. رحلتي كفتاةٍ تسافر وحيدةً في الطرقات البريّة مع فادي، السائق الذي طوّرنا معه علاقةً عائليّةً وطيدة، ومع غيره من السائقين، مدّتني بقوّةٍ جعلتني أدرك متعة الاستقلال المبكر. أحاديث مختلفة بين دمشق وإربد حول هموم الغلاء وتصريف العملات وأفضل الطرق لإحضار البضائع الرخيصة من دمشق، وبيعها في الأردن بأسعارٍ مرتفعة، أستمع لها بتمعّن، وبانتظار الاستراحة في درعا، يطير قلبي نحو حجارها السوداء وكأس الشاي الحلو مع سندويشة جبنة مدجّجة، تشعرني بالامتلاء حتى أصل المنزل، حيث تحضر لي والدتي ملوخية خضراء من قطفة الصيف الطازجة.

بين دمشق وعمان

بين الحدودين، صورٌ لرئيسٍ ولملكٍ حديثين، نتأمّلهما بصمتٍ، بينما يختم جوازنا عسكريُّ الحدود المتكاسل. حدود جابر الحديثة كانت جسراً عبرته بسعادةٍ لا تمنع قلقي المتأصّل الذي ورثته عن والدتي، حاملة وثيقة السفر الفلسطينيّة من تعقيدات أوراق السفر، رغم كوني فتاة بجوازٍ سوري ما سهّل عبوري المتواتر بين البلدين.

هذه الميزة لم تعد تسعفني بعد عام 2011 وبعد الثورة السوريّة، حيث بدأت الحدود تغلق أبوابها في وجهنا. اخترت وزوجي القدوم إلى عمّان حيث تسكن عائلتي، ومع الوقت أخذت تعقيدات الأوراق تقيّد حركتنا، أصبح من المستحيل لوالدة زوجي، ومن تبقى لنا من عائلة في دمشق، زيارتنا. لم يكن السوري من قبل بحاجةٍ لأوراقٍ ليبرّر وجوده في الأردن، بينما بعد 2011 صار السوري بحاجةٍ لإقامةٍ يستصدرها من مركز الشرطة. لم تكن لهذه الورقة من مدّة صلاحية محدّدة ببدايةٍ أو نهايةٍ، حيث لم يتغيّر القانون الذي يضمن بقاء السوري في الأردن، وبالرغم من ذلك، فإن الإقامة باتت أمراً غير مضمون، وأُجبر معظم السوريين على استخراج ورقةٍ من مفوضيّة الأمم، كلاجئين، لضمان عدم ترحيلهم. للحصول على عمل توجّب استخراج تصريح عملٍ، حيث لا يُسمح للسوري بالعمل في مجالات عديدة، ويقتصر على مهنٍ محدودةٍ مع صعوبة تحصيله حتى لهذه المهن. قد يبدو هذا الأمر منطقيّاً لبلدٍ استقبل أعداداً كبيرة من اللاجئين، والذي يرزح تحت ضغوطاتٍ لا نهائيّة فيما يتعلّق بالبطالة والدين العام، والكثير من القضايا الأخرى، أهمها الفساد. فعمّان التي عرفت فيها وجهاً مترفاً في طفولتي، باتت تئنًّ تحت وطئة فارقٍ طبقي يُثقل كاهل فقرائها. المدينة التي كانت تزيّن جدران أبنيتها عريشة الزهرة المجنونة والتي لم أنس عبيرها وألوانها الفوشية المميّزة، صارت تعاني من التلوّث والازدحام. إربد، المدينة التي رأيت أبوابها تفتح للحداثة، باتت تعاني من مدٍّ لتيارٍ متطرّف يعرقل حرية المرأة ويعسّر وجودها الذي شهدته فيما مضى في فضائها العام.



في المدرسة كنت السوريّة التي تحبّ بعض زميلاتها لهجتها والتي اعتدنها من المسلسلات السوريّة، هذه المسلسلات التي يخلق معظمها صوراً نمطيّةً تحجّم المرأة السوريّة وتضعها في قالب الطواعية والسلبيّة. ومع ذلك فإن العلاقة الإنسانيّة كانت تتعدّى هذه القوالب لتترك لنا ذكرياتٍ تملؤنا غنىً.

 بعد عام 2011 وبعد الثورة السوريّة، حيث بدأت الحدود تغلق أبوابها في وجهنا. اخترت وزوجي القدوم إلى عمّان حيث تسكن عائلتي، ومع الوقت أخذت تعقيدات الأوراق تقيّد حركتنا، أصبح من المستحيل لوالدة زوجي، ومن تبقى لنا من عائلة في دمشق، زيارتنا.

وبرغم الصعوبات الورقيّة والتي قد وصلت لمنع عودة السوري إلى الأردن إن غادرها دون امتلاك تصريح عملٍ، فإن أصعب ما مررت به هو خطاب الكراهية التي كانت تبثّه بعض المحطّات ضد السوريين واللاجئين.

خطاب الكراهيّة

وبرغم الصعوبات الورقيّة والتي قد وصلت لمنع عودة السوري إلى الأردن إن غادرها دون امتلاك تصريح عملٍ، فإن أصعب ما مررت به هو خطاب الكراهية التي كانت تبثّه بعض المحطّات ضد السوريين واللاجئين، هذا الخطاب كان يحاصرنا في سيارات التكسي، بصوت المذيع الغاضب المندّد بحال البلاد التي آلت للخراب بعد قدوم هذا الغريب. بتُّ أتجنّب الحديث بلهجتي والحديث بالشأن السوري إن أمكن لي، كي أتفادى جدالاتٍ لا نهائيّةً مع المواطنين الفزعين من الوضع الراهن بسبب ما تبثّه القنوات. صرت أجدني في الأردن التي طالما اعتبرتها امتداداً طبيعياً لهويتي، غريبةً عاجزةً عن تبرير وجودي. في كثيرٍ من المناسبات شعرت باضطراري للتنويه بأني قد عشت في الأردن قبل الثورة، كي أرفع عني وصمة اللجوء والصور النمطيّة المرتبطة به!

في كثيرٍ من المناسبات شعرت باضطراري للتنويه بأني قد عشت في الأردن قبل الثورة، كي أرفع عني وصمة اللجوء والصور النمطيّة المرتبطة به!

يجزّأ خطابُ الكراهية الحقيقةَ ويُسقط إنجازات الآخر التي تزيد من غنى الدول المستقبلة، فقد تجاهل خطاب الكراهية ما أضافته المساهمات السوريّة في مجالات الفنون والثقافة والحرف، وما خلقته من فرص عملٍ ومشاريع وحركة الاستئجار والشراء التي أنعشت سوق العقارات، إضافةً لذلك فقد منحت المنظمات الدولية التي وجدت لها مكاناً في الأردن بعد الأزمة السوريّة، والتي تعمل مع اللاجئين والمخيمات السوريّة، فرصَ عملٍ للسكّان المحليين. وحتى في مجال الدراسة، يساهم الطالب السوري بدفع رسومه الجامعيّة بالدولار، كأيّ طالب أجنبي، ويأتي هذا كامتدادٍ طبيعي لتفاعل الشعوب مع بعضها وإغناء تجاربها، ولكن خطاب الكراهية يزرع وهم الخوف من الآخر، مُغْفِلاً مزايا هذا التفاعل وأهميته، وعلى عكس التعقيدات القانونيّة، لم تبخل عليّ الأردن بعلاقاتٍ إنسانيّة عشتها مع زملائي وجيراني وأصدقائي، تستمرّ خيوطها لتمدّني بالدفء. بعد الثورة وبعد اللجوء، تعلّمت من الأردنيين معنى التطوّع وأهمية المبادرات الإنسانيّة التي خفّفت الألم عن اللاجئين السوريين، والتي عوّضت ما خلقه خطاب الكراهية من أساطير ترسم الآخر بصورةٍ سلبيّة.

وبخلاف ما تمّنيت، وفي البلد الذي رُزقت فيه بطفلتي، وحصلت فيه على شهادتي الجامعيّة، حيث تعيش شقيقاتي ووالدتي وأبي غير البيولوجي، فرضت تعقيداتُ الوضع السياسي عليَّ الرحيلَ. والآن وبعد ثلاث سنوات يستمرّ شوقي لهذا البلد الذي تربطني به علاقةٌ معقّدة، وأعجز عن دخوله بما أملكه من أوراقٍ ثبوتيّة، لا تظهر فيها تعقيدات علاقتي الحميمة معه. وطني غير البيولوجي المنقوش بذاكرتي، حنيني له يوجعني، وأجدني أحلم أن ترى الأوطان فينا أكثر مما يقوله جواز السفر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard