عن غياب المضامين ذات القيمة للمتفرج في الإعلام المرئيّ التونسيّ

السبت 25 مايو 201906:16 م

بين مطرقة البرامج الإعلاميّة وسندان المسلسلات التركيّة

رغم الصعود منقطع النظير للميديا الجديدة على حساب الميديا التقليديّة، حافظ التلفاز على صدارة الترتيب، من حيث استقطابه للجمهور الواسع بكافّة شرائحه، كما حافظ على وظائفه الكلاسيكيّة في الإخبار والتحليل والترفيه، ومكانته في التأثير على الرأي العام، طبقاً لأجنداتٍ مختلفة.

في هذا السياق، يقضي التونسيّون، من مختلف الشرائح العمريّة، ساعاتٍ كثيرةً أمام شاشة التلفاز، وأمام شاشات الهاتف الذكي والحاسوب، لمشاهدة البرامج التلفزيونيّة باعتبارها وسيلتهم الأساسيّة للترفيه، ولذلك ما يبرّره، وهذا موضوع آخر يطول الحديث فيه، تبعاً لذلك تشهد المحطات التلفزيونيّة التونسيّة تهافتاً منقطع النظير من الفاعلين في مختلف المجالات، خاصّة القنوات الخاصّة التي تعيش منافسةً حامية الوطيس، سقطت فيها القناة العموميّة الأولى دون وعي.

ويعترف القائمون على القنوات في حالات الضغط، على مساهمتهم المتقدّمة في صناعة "نجوم" لا قيمة لها سوى جمالها، أو قدرتها على خلق "الباز"، مبرّرين ذلك بمقولة "الجمهور عايز كده".

إبّان الثورة التونسيّة، كانت البرامج الإخباريّة والسياسيّة تحتلّ صدارة الترتيب من حيث نسب المشاهدة، بحكم أن الموضوع فرض نفسه، بيد أن تأزّم الوضع السياسي، وانحدار مستوى الخطاب في البرامج السياسيّة، أدّيا إلى نفور التونسيين منه، وضع استغلّه القائمون على الإعلام المرئي الخاصّ أيما استغلال، عبر إنتاج برامج ترفيهيّةٍ واجتماعيّةٍ متشابهة ومتطابقة في بعض الأحيان، من حيث الشكل والمضمون، فاقدةٍ تماماً للخلق والإبداع والجماليّة، باعتبارها منتحلة عن البرامج الفرنسيّة، أو عبر البثِّ المسترسل للمسلسلات التركيّة التجاريّة البحتة، والتي تهدف بالأساس للتسويق للنظام السياسي وللسياحة التركيّة، والفاقدة لأيّ مضمونٍ تربوي أو جمالي، كلّ ذلك يندرج في الهرولة السقيمة نحو الإشهار.

وحول البرامج الاجتماعيّة والترفيهيّة التي تندرج في إطار برامج "talk-shows" و "Reality shows " والريبورتاجات والألعاب، فهي مدعاة للسخرية، فرغم استهجان الاستنساخ، رجونا لو كان ذلك في برامج ثريّةٍ، تنطوي على مضامين إعلاميّةٍ ذات قيمة للمتفرّج، لكنها تندرج في خانة "التلفاز المزبلة" بالفرنسية "télé poubelle" وبالإنجليزيّة "trash tv" التي تتسم بمضمونٍ إعلامي ثقافي دوني أو منعدم، هدفها الرئيسي تحقيق نسبة مشاهدةٍ عالية "audimat" مهما كان الثمن، وترتكز أساساً على تمرير الإثارة والفضائح والإشاعات والفبركة والتهريج والخطاب المبتذل.

صعود الكمّي وسقوط النوعي

هذا المشهد الإعلامي القائم على اللهث وراء "الباز" خلق ماكينةً لصناعة "نجومٍ" إعلاميّةٍ وهمية في كافّة المجالات تقريباً، مستعدّةٍ لتقديم كلّ التنازلات بغاية الشهرة والربح السريع، فتعدّدت البرامج الإعلاميّة المتماثلة وازدهرت فوضى "les chroniqueurs" المعلّقين والخبراء الفاقدين لأيّ موهبة أو كفاءة، وأصبح لكلّ قناة رهطها، الذين يناقشون جميع مجالات الحياة ويفتون فيها، وليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل.

لذلك ينزع المبدعون الحقيقيّون إلى العزلة والسكينة، وإلى الفعل المقاوم محدود المجال، وأحياناً إلى الخضوع، لأنهم لا يجدون فضاءاتٍ تستوعبهم وتقدّر إمكانياتهم.

رغم التطور الكمّي للقنوات الخاصّة، ما أنفكَّ المستوى النوعي في الانحدار، ومن المتعارف عليه أن المنافسة تطوّر الجودة، لكن واقع الإعلام المرئي المحلّي كذّب ذلك، أنظر/ي للمضامين الإعلاميّة الرديئة التي تمرّ في أغلب البرامج التلفزيونيّة، وانظري لتفشّي الخطاب المتدنّي، الذي يصل أحياناً عدّة إلى التفوّه بألفاظ مهينة لكرامة الإنسان، عبر الاستهزاء بالآخرين على خلفية وضعهم الاجتماعي أو لون بشرتهم أو انتمائهم الجهوي...بالإضافة إلى تبرير العنف والتعدّي على الحياة الخاصّة وحقوق الطفل، كلّ ذلك أدّى إلى خلق رطانةٍ متداولةٍ لدى الشباب والمراهقين خاصّة، شوّهت الدارجة التونسيّة، كما أضحى التعاطي مع المشاكل العميقة للبلاد سطحياً ومدعاة للسخرية، وقد اتخذت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهايكا) المعنية بتعديل القطاع، قراراتٍ عدّةً رادعة لذلك، لكن القائمين على إدارة بعض القنوات الخاصّة مزّقوا هذه القرارات على المباشر.

متفرّج خاضع لا فاعل

ويبقى المتفرّج الحلقة الأضعف، باعتباره متلقياً سلبياً بلا حسٍّ نقديٍّ أو تحليليّ لفكِّ شفرات الرسائل الإعلاميّة، في ظل غياب التربية على وسائل الإعلام، سواء كان ذلك في التعليم النظامي أو من قبل جمعيات مختصّة، ليتمكّن المستهلك من فرز الغثِّ من السمين.

مسألة التربية الإعلامّية بقيت شعاراً يُرفع في منابر عديدة، لكن لم يتمّ التعامل معها بجديّة من جميع الأطراف المحمولة على تفعيل ذلك، على غرار معهد الصحافة وعلوم الأخبار والهايكا، ووزارة التربية وحتى نقابة الصحفيين، لأن الأمر يتطلّب عملاً مضنياً على مستوى تحديد المحتوى والبيداغوجيا، وتكوين مختصّين في الغرض، خاصّة ونحن في عصر الاستهلاك بامتياز.

هناك تجارب أسّست لتقليد التربية والتثقيف في مجال الإعلام وعلوم الأخبار، بما فيها الإنترنت، من خلال المجتمع المدني ومن خلال مناهج التعليم، أنظر الموقع الرسمي "éduschool" التابع لوزارة التربية الوطنية والشباب الفرنسيّة، الذي يبرز أهمية المادة وبيداغوجية تعليمها، بهدف تمرين الناشئة على ممارسة مواطنتهم والرقي بذائقتهم، وتوفير فضاءاتٍ إعلاميّة تستوعب مهاراتهم وتعالج مشاغلهم، في إطار مجتمع المعلومات والاتصال، وتكوين "مواطن-تكنولوجي" "cyber-citoye" فاعل تنويري ومسؤول.

بيد أن تأزّم الوضع السياسي، وانحدار مستوى الخطاب في البرامج السياسيّة، أدّيا إلى نفور التونسيين منه، وضع استغلّه القائمون على الإعلام المرئي الخاصّ عبر إنتاج برامج متشابهة ومتطابقة في بعض الأحيان، فاقدةٍ تماماً للخلق والإبداع والجماليّة.

أنظر/ي للمضامين الإعلاميّة الرديئة التي تمرّ في أغلب البرامج التلفزيونيّة وإلى تفشّي الخطاب المتدنّي، الذي يصل أحياناً إلى التفوّه بألفاظ مهينة لكرامة الإنسان، عبر الاستهزاء بالآخرين على خلفية وضعهم الاجتماعي أو لون بشرتهم.

الموهبة طريق الإبداع

"إن الشخص المبدع هو الذي لا يجد الراحة أو الهدوء أو السكينة في هذا الوضع الجامد، ولا يحب أن يقف في مكانه متفرّجاً فقط، بل يحبّ التطوّر والإبداع" مقولة شهيرة للصحفي الأمريكي فرانك براون بعد احتكاكه بثلّة من المبدعين، تحيلنا إلى حالة الجمود والإحباط التي تعيشها المواهب التونسيّة في كافّة المجالات، لتبقى مقولة التطوّر نسبيةً باعتبارها لا تجد طريقها للجمهور، لأنها ليست على هوى المتحكّمين بالساحة الإعلاميّة، لذلك ينزع المبدعون الحقيقيّون إلى العزلة والسكينة، وإلى الفعل المقاوم محدود المجال، وأحياناً إلى الخضوع، لأنهم لا يجدون فضاءاتٍ تستوعبهم وتقدّر إمكانياتهم.

ويعترف القائمون على القنوات في حالات الضغط، على مساهمتهم المتقدّمة في صناعة "نجوم" لا قيمة لها سوى جمالها، أو قدرتها على خلق "الباز"، مبرّرين ذلك بمقولة "الجمهور عايز كده"، في حين أن الذائقة ليست فطرية وإنما مُكْتَسَبَة، لذلك يكون الجمهور في حالة تكوين متواصلة -بالأساس من وسائل الإعلام المرئية- تصنع ذائقته، تنتصر فيها جهوزية تلقّي مادةٍ إعلامّيةٍ معيّنة، باعتباره يستهلك ما يُقدّم له دون وعي.

لذلك اعتاد المتفرّج التونسي على مادةٍ إعلاميّةٍ رديئة، بل وأصبح يبحث عنها، فسهّل بذلك تسابق الخائبين الفاشلين على الظهور، لأن الشاشات توفّر لهم مساحات وفيرة، وبالتالي أموالاً طائلة وشهرةً واسعة وسلطةً معنوية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard