هل هي النوستالجيا أم أن شريهان كانت أجمل ما قدّمه لنا رمضان؟

الجمعة 31 مايو 201902:18 ص

"رمضان منّي وأنا منه" و"من المعاناة صُنعت الفوازير"، تقول النجمة شريهان في حوار إذاعي لها مع الكاتب مدحت العدل. الجملة الأولى ربما تمثّل العمود الفقري لجسم العلاقة بين الجمهور وشريهان، والثانية توضّح أن حنين هذا الجمهور إلى فوازير شريهان ليس مجرّد نوستالجيا لذكريات طفولةٍ أو صبا أو شباب، بل هو حنين إلى فنٍّ راقٍ، وقفت وراءه كتيبة عملٍ كبيرة العدد والقيمة.

شهر رمضان في مصر، اشتهر بعملين فنييّن كانا يُقدَّمان عبر الإذاعة والتلفزيون، وهما "الفوازير" وحكايات "ألف ليلة وليلة"، منذ نهايات حقبة الخمسينيات، إلى أن قرّر المخرج الشهير فهمي عبد الحميد أن يدمج بينهما عام 1985، واستمرّ الأمر لعددٍ من الأعوام، وهو أمر بالتأكيد يحتاج إلى مهارة ودقة، فالفوازير تقوم على الطابع المرح الاستعراضي في الغالب، و"ألف ليلة وليلة" تقوم على الطابع الهادئ، وتُحكى باللغة الفصحى التي كان يكتبها الشاعر الشهير طاهر أبوفاشا، لتناسب الطابع الأسطوري لها.

هذه الخلطة استمرّت 3 مواسم في 3 نسخ، هي: "عروسة البحور" عام 1985، "الأمثال" عام 1986، "فاطيمة وكريمة وحليمة" عام 1988، ويلاحظ أن هناك انقطاعاً حدث عام 1987، ولكنه لم يكن انقطاعاً لشريهان بل لنسخة "ألف ليلة وليلة" من الفوازير، حيث قدّمت خلاله فوازير "حول العالم"، ثم عادت بعدها إلى "ألف ليلة وليلة".

ثم انقطعت شريهان عن تقديم الفوازير بسبب حادث سيارة جعلها تلازم الفراش لعامين، وتوفي المخرج فهمي عبد الحميد عام 1990، الأب الروحي للفوازير، ولكن عادت شريهان إلى الفوازير مرّة أخرى عام 1993، ولكن بنسخةٍ مختلفة عن "ألف ليلة وليلة"، وهي فوازير "حاجات ومحتاجات" من إخراج جمال عبد الحميد.

ولأننا لا نستطيع الإلمام بكلّ الإبداع الذي ظهر في الفوازير خلال هذه السطور، اخترنا التركيز على فوازير "ألف ليلة وليلة"، وبالتحديد التترات الخاصّة بها، تلك التابلوهات الغنائيّة الاستعراضيّة الراقصة، التي عبّرت عن جوهر الفوازير وجوهر ألف ليلة وليلة معاً، والتي قد تكون أكثر العناصر الفنيّة العالقة بأذهاننا منها، بدليل المشاهدات المليونيّة التي لازالت تحظى بها على يوتيوب.

عروسة البحور

هي الفوازير الفاتحة لنجومية شريهان، وبداية سلسلة الفوازير المندمجة في "ألف ليلة وليلة"، وعبّر عن ذلك التتر، الذي دمج الحديث في القديم، والأسطوري في الواقعي، وشرح للجمهور الفكرة التي ابتكرها فهمي عبد الحميد.

يبدأ التتر بمشهدٍ جرافيكي يجمع البحر بقصرٍ أسطوري، كأنه قصر شهريار، ليأخذنا لعالم ألف ليلة وليلة الأسطوري، ثم تدخل الموسيقى المبنية على اللحن العربي التراثي "لمّا بدا يتثنى"، ولكن على إيقاعٍ حداثي، وتبدو شريهان كعروس.

وتظهر بعد ذلك مجموعة مشاهد داخل قصورٍ ومبانٍ أثريّةٍ قديمة، لتغنّي شريهان: شهر يكلّم شهر يعلّم شهر يسلّم شهر، لما وصلنا لأجمل شهر" بأسلوبٍ غاية في الحداثة والخفّة.

ثم تغنّي شريهان عن موضوع الفوازير وطبيعة حكايا الفوازير التي ستقدّم، والبلاد التي ستأتي منها الفوازير، ومع اسم كلّ دولة تبدو الملابس والديكورات مشابهة لها. بعد ذلك رقصة تعبيريّة حديثة بصحبة مصمم الرقصات حسن عفيفي، على إيقاعٍ حديثٍ مرح، وكأن عفيفي يُعلن عن نفسه هنا، ويقول أنا وراء هذه الاستعراضات.

بعد ذلك تحدّثنا شريهان عن أجمل حكايات الراديو (ألف ليلة وليلة التي تقدّم في الراديو منذ الخمسينيات) التي ستقدّمها في قالب تلفزيوني، وتصف لنا كمَّ الجهد الذي يكابده القائمون على العمل ليخرج بشكله. ونلاحظ هنا كيف يحضن القديمُ الجديدَ والعكس، حين نرى التباين في اللحن والأزياء والأداء بين الكلاسيكيّة المصريّة العربيّة حين تقول "أجمل حكايات الراديون هنقدّمهالكم فيديون!"، وبين الحداثة التي تبدو في الموسيقى والديكورات والملابس حين تشرح كيف ينطق الورق ويتحوّل إلى فيديو، وكيف تداخل الشكلان ليقدّما التحية لـ"حضرة المشاهد".

التابلوه قبل الأخير يبدأ بموسيقى إيقاعيّة تراثيّة عربيّة، ترقص عليها شريهان مرتديةً ملابس لا نعرف هل كانت قديمة أم حديثة، فيقطع الرقصة مشهدٌ كرتوني لشهريار وشهرزاد: اسمك إذن شهرزاد؟ جاريتك يا مولاي"، وهنا نحن أمام إعلان عن التيمة الأساسية لموضوع الفزّورة (شهريار وشهرزاد).

ثم تستأنف شريهان الرقص والغناء التراثي لتحدّثنا عن حكايات عروسة البحور التي ستأتي من العالم المسحور، وتعود سريعاً إلى "شهر يسلّم شهر.."، بملابسها ورقصها الحديث، وتُنهي التتر وهي تقدّم لنا اسم "فهمي عبد الحميد"، الأب الروحي للعمل وقائده.

فاطيمة وكريمة وحليمة

كما في "الأمثال" بدأت "فاطيمة وكريمة وحليمة" بقطعةٍ من سمفونية "شهرزاد" لكورساكوف، مصحوبة بمشهدٍ جرافيكي لقلعةٍ تخرج من قلب البحر، ومن البحر يظهر وجه شريهان عائماً فيه، حتى تتحوّل إلى ما يُشبه عروس المولد.

ثم يبدأ اللحن الأساسي "الليالي الألف..." وترقص عليه المجموعة، مرتديةً ملابس عربيّة قديمة، وحولهما ديكور تراثي عربي هندي، تمهيداً لشريهان التي ستقدّم لنا حكاياتها من "بستان الكلام وجناين الأحلام... من ياما كان وكان"، تلك الحكايا التي حكاها الراوي على "القهاوي"، حيث ترتدي شيري فستاناً تراثياً وفي نفس الوقت تقف وسط منزل حديث.

في التابلوه التالي تبدو شريهان كطفلةٍ تلهو بلعبةٍ طريفة، ثم يتغيّر الديكور والملابس سريعاً للعودة إلى الجو التراثي، ولكن تظلّ اللغة طفوليّة رغم فصاحتها، تشبه لغة أفلام الكرتون المقدّمة للأطفال، معبّرة عن طبيعة الحكايات والنوادر والطرائف والفكاهات والعجائب واللطائف، التي ستقدّمها الفوازير.

ويظلّ أداء شريهان أيضاً مرحاً وطفولياً، ويدعم ذلك اللحن المرح في توزيعه، والمشاهد المرحة كصعود الرجال على اليشمك الذي ترتديه شيري وكأنه أحبال يتسلّقونها.

أما التابلوه الثالث فهو رومانسي ولكنه يحمل أيضا الطابع الأسطوري، في كلماته وملابسه وديكوراته، حيث تبدو شيري ومعها عماد رشاد يرتديان ملابس لعريس وعروسه، وتبدو الكلمات عامية ولكن القافية المصطنعة (مشغول بيكي، الشبابيكي، مامتك وأبيكي...) أعطت انطباعاً بأننا أمام كلامٍ فصيحٍ قادمٍ من التاريخ القديم.

التابلوه الثالث يشبه جوّ الموالد الصوفيّة في مصر، وما فيها من ألعاب، حيث تبدو شريهان وكأنها تلعب لعبة "الحاوي"، وتظهر شخصية "مشكاح" الشريرة التي ستصاحبنا طيلة الفوازير.

أما التابلوه الأخير، فيقدم تلخيصاً لأحداث الفوازير المحورية "3 حكايات، لـ3 فتيات، أخوات جميلات، فاطيمة، حليمة، كريمة".

ثم تأتي الخاتمة، مصحوبةً بجوّ أسطوري، عبّر عنه تداخل بين الرسوم المتحرّكة، والتصوير التقليدي، حيث تدخل شريهان والراقصون إلى مجلس الراوية الحسناء "شهرزاد"، التي تحكي حكاياتها للملك شهريار، حتى يؤذّن الديك ويطلع النهار.



من وقف خلف هذه الفوازير؟ وكيف تميّزت؟ وكيف أعطتها شريهان قبلة الخلود؟ كيف اندمج الفصيح في العامي؟ والكلاسيكي في الحداثي؟ والأسطوري في الواقعي؟ وكيف خرج كلّ ذلك في إطارٍ مرحٍ يناسب الشريحة العريضة من المتفرّجين؟ ولماذا بقيت النسخة الشريهانيّة عن غيرها نموذجاً لما يجب أن تكون عليه الفوازير؟

كتيبة إبداع للوصول لأجمل شَهر

أي فضل في الفوازير يرجع لفهمي عبد الحميد وحسن عفيفي. تقول شريهان في حوار مع التلفزيون المصري، ولكن كتيبة الإبداع أكبر مما ذكرت شيري، فبجانب حسن عفيفي مصمّم الرقصات الشهير، ومخرج الفوازير الأشهر فهمي عبد الحميد، هناك أيضاً الشاعر طاهر أبوفاشا الذي كتب الحكايات، والشاعر عبدالسلام أمين الذي كتب الأغاني، والملحّنان الكبيران محمد الموجي وسيد مكاوي، بجانب مهندس الديكور نبيل سليم ومصمّمة الأزياء كريمة سعد، الذين تكرّرت أسماؤهم في النسخ الثلاث التي تحدّثنا عنها.

ومن حيث المضمون لم تكن الفوازير كوب شاي بعد الإفطار، أو مجرّد مادة للتسلية، حسبما تقول شريهان عن سرّ نجاح هذه الأعمال خلال حوارها المذكور، بل توضّح:

احترمت المتلقّي، وكنت حريصة في نفس الوقت على عدم التعالي عليه. المجهود والموسيقى والتوزيع والراقصين، الفكرة، الدعابة، كيف أجذب الجدّ والأب والابن؟ كنا نعمل على مدار 11 شهراً من أجل شهر، كي نضبط الخطوة والجملة والفكرة. كنت أدرس نيللي هذه القامة العظيمة، والتي كانت قد سبقتني إلى الفوازير، فوضعت نفسي أمام تحدٍّ، وتجاوزت الاستخفاف الذي كانت تتعامل به إدارة التلفزيون المصري مع الفوازير، فعملت في الاستوديو الصغير جدّاً الذي خصّصوه لنا، وكنا نصل الليل بالنهار، ونمت على الموكيت على الأرض كي لا أضيع وقتاً وأنجح".

فوق كل ذلك كان أداء شريهان المليء بالبراءة وخفّة الأطفال، وعن ذلك تقول شريهان في حوار لها مع محطة لبنانيّة: "جمهوري الحقيقي هو الطفل، اللي ماعليهوش رقيب أو وصي في إنه يحب أو لا يحب".

و"بنت لهلوبة" ربّاها الفنانون

ربما تكون طفولة شريهان هي القوّة الدافعة لنجاحها، فطفولتها كانت غنيّة وهي المكوّن الأساسي لكل ما أصبحت عليه بعد ذلك، حسبما حكت في أكثر من حوار تلفزيوني.

ولدت شريهان أحمد عبد الفتاح الشلقاني في حي الزمالك الراقي بالقاهرة يوم 6 ديسمبر 1964، وكانت والدتها عواطف محمود هاشم متزوّجة قبل ذلك، من مدير التصوير أحمد خورشيد، والد ابنها عازف الجيتار الأشهر عمر خورشيد، وتزوّجت من أحمد الشلقاني، القانوني المعروف، ولكن الزواج كان عرفيّاً دون عقد قانوني، حتى لا يتمّ تجنيد ابنها عمر في الجيش.

كانت تسكن شريهان  مع أمها بنفس العمارة التي يسكنها كلّ من: فاتن حمامة، رشدي أباظة، سامية جمال، وليلى فوزي، وجميعهم كانوا بمثابة أمهات وآباء لها وهي طفلة، وبالقرب من هذه العمارة كان منزل عبد الحليم حافظ ومنزل أم كلثوم.

تقول شريهان "رمضان منّي وأنا منه" و"من المعاناة صُنعت الفوازير". فهل هل هي النوستالجيا؟ أم أن فوازير شريهان كانت حقّاً من أجمل ما قدّمه لنا رمضان؟

بحسب ما حكت شريهان عن والدتها، كانت عواطف تلعب باتيناج، وكان لديها حلم في احتراف التمثيل حين تزوّجت من أحمد خورشيد ولكنه لم يوافق، فنحن هنا أمام أم تحبّ الفن، وأمام أخ هو "عمر خورشيد" الذي كان نجماً يعزف الجيتار خلف عبد الحليم حافظ وأم كلثوم، وجمعته بهما علاقة وديّة، وهذا هو العامل الثاني.

نضف إلى ذلك عامل المكان الذي كانت تسكن فيه شريهان، حيث كانت تقطن مع أمها بنفس العمارة التي يسكنها كلّ من: فاتن حمامة، رشدي أباظة، سامية جمال، وليلى فوزي، وجميعهم كانوا بمثابة أمهات وآباء لها وهي طفلة، وبالقرب من هذه العمارة كان منزل عبد الحليم حافظ ومنزل أم كلثوم، فكانت تدخل منزليهما بصحبة أخيها، بل وتحضر البروفات في منزل حليم.

وفي حفل زواج عُمر خورشيد انفعلت الطفلة شريهان مع الموسيقى ورقصت، فأعجبت بها أم كلثوم وصفقت لها، وقالت: "دي بنت لهلوبة" مبديةً إعجابها بأذنها الموسيقيّة وجسدها الذي يُجيد التعامل والانفعال مع تلك الموسيقى، وأوصت بأن يهتمّوا بها.

كلّ الوسط الفني المحيط بشريهان من الأسماء الكبيرة المذكورة وغيرها، شدّدوا على أخيها عُمر أن يهتم بالطفلة، ويوجّهها للفن، فأحضر لها مدرّب الفنانين المشهور عبد الوارث عسر لتدريبها على فن الإلقاء، وبعد فترة قال: إنها لا تحتاج إلى الانضمام إلى معهد التمثيل أو خلافه، فمواهبها متعدّدة والفنّ يجري بداخلها والأفضل أن تترك مع موهبتها لتتأثّر وتؤثر.

ولكن والدتها درّبتها على الرقص والأكروبات على يد خبراء روس وفرنسيين في القاهرة. وتؤكد ذلك بقولها: "أنا أُشفَى وأعيش وأحيا بالموسيقى، بها أستطيع الجري من القاهرة إلى أمريكا دون أن أتعب".

تعلّم الإلقاء وإتقان اللغة، إتقان الرقص وتذوّق وعشق الموسيقى، بالإضافة إلى البيئة الفنيّة التي أحاطت شريهان منذ صغرها، كل ذلك صنع هذه الحالة الفنيّة التي تجلّت في أدائها خلال فوازير ألف ليلة وليلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard