مَن "تُهين" النساء: دينا الشربيني أم رضوى الشربيني؟

الخميس 23 مايو 201911:07 ص

في مسلسلها الأخير الذي يُعرض في رمضان الجاري "زي الشمس"، أدّت الفنانة دينا الشربيني دور فتاةٍ خانها خطيبها مع أختها، وفي مشهد المواجهة بينها وبينه، تتوسّل إليه وتطلب منه أن يعترف بحبّه لها. ورغم استفزاز المشهد للعديد من المصريّات، إلا أنه جسّد شخصية المرأة التي لا تتخيّل فراق حبيبها، والتي على أتمّ الاستعداد للتضحية بأيّ شيء في سبيل استمرار علاقتها به، حتى لو لم يكُن يبادلها نفس المشاعر.

امرأة بلا كرامة؟

هذا هو الوصف الشائع الذي نُلقيه على كتف أيّ صديقةٍ أو أختٍ أو غريبة، لو تصرّفت كما تصرّفت البطلة، لو أنها كانت على استعداد للغفران والتسامح في مقابل استمرار العلاقة. نحن نرى هذه المرأة مُدانة، وننسى أننا كنّا هي، أو ربما نكونها. ببعض التأنّي والبُعد عن الأحكام المطلقة التي لا تجد في المواقف الإنسانيّة ما يدفعها للبقاء، سوى ترديدها من حين لحين، فربما نجد أن الأحكام تغضّ أبصارنا عن دوافع الآخرين في الاستمرار في علاقة مُدمِّرة، لاسيما للنساء.

في تعريفٍ مُبسّطٍ للعلاقات المُدمِّرة، هي تلك التي ترجح فيها كفّة أحد الأطراف على حساب الطرف الآخر، هي العلاقات التي يكون استمرارها مرهون باستغلال طرف للآخر، سواء كان الاستغلال جنسيّاً، عاطفيّاً، أو ماديّاً. هي العلاقات التي نتورّط فيها، ولا نعرف كيف نُنهيها بسهولة.

بالنسبة إليّ كنسويّة، ما تفعله رضوى الشربيني في برنامجها، والنصائح التي ترتكز في مضمونها على أن النساء جواهر، ويجب أن تُصان وتُحفظ بعيداً، ما هو إلا إعادة إنتاجٍ للفكر الأصولي الذي تناهضه النسويّات منذ عقود طويلة.

ترجع صعوبة إنهاء العلاقات المُدمِّرة إلى أن الأطراف متورّطون للغاية في تفاصيلها، وهذا التورّط قد يصل إلى أننا نُعرّف أنفسنا ونَعرّفُ ذواتنا من خلال تلك العلاقة، ومن خلال الأطراف الأخرى بداخلها، حتى لو كانوا مؤذيين، فيكون من الصعب فصل أنفسنا التي عرفناها، أو ذواتنا التي كوّناها، عن العلاقة وعن أطرافها، دون أن نشعر بالألم وبالخسارة.

وقد لا نكون جاهزاتٍ لتلك الخسارة، أو غير مُستعدّاتٍ لها، فنُقرّر الاستمرار في العلاقة، رغم أننا نعلم أننا مُستغَلَّات، ومُبتَزَّات، ونستقبل الأذى في شكل خطأ يُمكن تجاوزه، فالانفصال في هذه الحال هو انفصال عن الذات، واغتراب عنها.

وللنساء وضعٌ خاص، فالنساء يكبرن على العلاقات المؤذية كأنها هي العُرف، فنفتح أعيننا على نساء يقبلن الأذى، في مقابل ألا يتحمّلن تبعات الانفصال، أو الوصم بأنهن متعدّدات العلاقات. نكبر وبداخلنا ثغرة تُدعى "التسامح"، يمكننا من خلالها الاستمرار في علاقاتٍ قد تكون مؤذية، دون الشعور بالتقليل من النفس، ودون الشعور بالاستباحة.

والعكس بالعكس، فالمرأة تشعر بالسموِّ لو سامحت، أو غفرت خطأ لشريكها إن كان رجلاً، لتُعيد زمام الأمور إلى يدها، وتتخيّل أن استمرار العلاقة سببه أنها امرأة "عاقلة"، تعرف كيف تحافظ على علاقتها بشريكها، وتعرف متى تتجاوز أخطاءه، وتُثني على نفسها بأنها مُتحكّمة في هذه العلاقة، فقد طوّرت أغلبية النساء أساليب التعايش مع الأنظمة القمعيّة التي "تؤدّبهنّ" باسم النظام الاجتماعي، فأصبحن أكثر قدرة على التكيّف مع العلاقات المؤذية، والنجاة بداخلها.

في كتابها: "التعويض والتكفير عن الأخطاء بين الأخلاق والقانون والسياسة"، والمنشور عام 2009، تقول "ليندا رادزيك"، إن التسامح هو طريقة يتبعها الأفراد لإعادة ترتيب أنفسهم داخل علاقات القوّة، وبالأخصّ العلاقات الاجتماعيّة، فالأشخاص الذين يتبعون سياسة التسامح، يُمارسون شكلاً من أشكال التحكّم السلبي داخل تلك العلاقات، وينتقلون من خانة الضحية إلى خانة الشخص المتحكّم في استمرار العلاقة من عدمه، وهم بذلك، يستعيدون جزءاً كبيراً من علاقاتهم بأنفسهم، قبل الآخرين. فقبولهم بالتعويض أو التكفير عن الخطأ، يُعدّ تأكيداً على فاعليتهم داخل العلاقة، وهو ما يساعدهم في الاستمرار رغم ذلك، ولكلّ فردٍ أسبابه الخاصّة.

ولذلك فإن وصف "امرأة بلا كرامة" هو وصف مُتعالٍ، لن تنطق به امرأة في حقّ امرأة أخرى، وهي تعرف جيداً أنها لا تعرف ظروف حياتها، أو تجربتها، ولا تعرف كذلك أن للكرامة حسابات أخرى. فالبعض يرى الكرامة في الانسحاب، والبعض يُمارس أشكالاً أخرى من التحكّم في علاقاته بالآخرين، وبين القرارين هناك حَيَوَات إنسانيّة لا نعرف عنها شيئاً.

إن وصف "امرأة بلا كرامة" هو وصف مُتعالٍ، لن تنطق به امرأة في حقّ امرأة أخرى، وهي تعرف جيداً أنها لا تعرف ظروف حياتها، أو تجربتها، ولا تعرف كذلك أن للكرامة حسابات أخرى. 

أتعجّب من هذه الثقة التي تحدّثت بها المذيعة، وكأنها صاحبة فضل على النساء، أتعجّب حقاً كيف تجرؤ على نسب صراع امرأة أخرى لنفسها، لدرجة أن تستشيط غضباً لو ظهرت فكرةٌ مناهضةٌ على الساحة، وكأنها تهديد شخصي لوجودها هي.

مشكلة رضوى الشربيني، تتعدّى ذلك، فهي تروّج لفكرة أن النساء يجب أن يكُنّ قويّات وفولاذيّات في علاقاتهن بالرجال، فتتجاهل نساءً أخريات يُجدن فنّ ممارسة القوّة والتحكّم في العلاقات، بطرقٍ أخرى غير الانسحاب وإنهاء العلاقة، مثل التسامح أو التجاوز عن الأذى.

رضوى الشربيني ومثيلاتها

في الأشهر الأخيرة سطع نجم المذيعة المصريّة رضوى الشربيني، والتي تقدّم برنامجاً نسائيّاً على قناة "سي بي سي سفرة"، بعد انتشار فيديو لها تدعو فيه النساء إلى مقاطعة الرجال غير الجادّين في العلاقات العاطفيّة، وبأن الوسيلة المُثلى لفعل ذلك هي البلوك. انتقدت رضوى الشربيني مشهد دينا الشربيني الذي وضّحته توّاً، بطريقةٍ ساخرةٍ، قائلة إن ما فعلته هي مع النساء خلال عامين ونصف، دمّرته دينا الشربيني في مشهد.

أتعجّب من هذه الثقة التي تحدّثت بها المذيعة، وكأنها صاحبة فضل على النساء اللاتي يتصلن بها على الهواء لاستشارتها في علاقاتهن العاطفيّة، أتعجّب حقاً كيف تجرؤ على نسب صراع امرأة أخرى لنفسها، لدرجة أن تستشيط غضباً لو ظهرت فكرةٌ مناهضةٌ على الساحة، وكأنها تهديد شخصي لوجودها هي.

تُعيد رضوى الشربيني إنتاجه مرّةً أخرى، فنجد أنه لا فرق بين برنامجها، وبين درس ألقته علينا أختٌ من الأخوات بعد صلاة التراويح في المسجد، منذ خمسة عشر عاماً.

بالنسبة إليّ كنسويّة، ما تفعله رضوى الشربيني في برنامجها، والنصائح التي ترتكز في مضمونها على أن النساء جواهر، ويجب أن تُصان وتُحفظ بعيداً، ما هو إلا إعادة إنتاجٍ للفكر الأصولي الذي تناهضه النسويّات منذ عقود طويلة. هذا الفكر الذي دفعت ثمنه نساءٌ من حيواتهن وأجسامهن وسلامتهن النفسيّة والجسديّة، تُعيد رضوى الشربيني إنتاجه مرّةً أخرى، فنجد أنه لا فرق بين برنامجها، وبين درس ألقته علينا أختٌ من الأخوات بعد صلاة التراويح في المسجد، منذ خمسة عشر عاماً.

مشكلة رضوى الشربيني، تتعدّى ذلك، فهي تروّج لفكرة أن النساء يجب أن يكُنّ قويّات وفولاذيّات في علاقاتهن بالرجال، فتتجاهل نساءً أخريات يُجدن فنّ ممارسة القوّة والتحكّم في العلاقات، بطرقٍ أخرى غير الانسحاب وإنهاء العلاقة، مثل التسامح أو التجاوز عن الأذى، كما ذكرت "ليندا رادزيك"، ما يُضاعف لديهن شعور الخزي، لأنهن لا يفعلن ما تقول المذيعة إنه "الكرامة والكبرياء"، وبعض المصطلحات التي تستخدمها لتروّج لنفسها كامرأةٍ قويّةٍ وخبيرةٍ في العلاقات بين الرجال والنساء.

تقول الباحثة النسويّة ورئيسة قسم الفلسفة بجامعة "ترينت" بكندا، كاثرين نورلوك، في كتابها "التسامح من منظور نسوي"، إنه لا يمكننا دراسة التسامح في معزلٍ عن الهويات الاجتماعيّة، وتعني بذلك، أن التسامح نفسه مُصنّف اجتماعيّاً كممارسةٍ مرتبطة بالنساء، وأن محاولات فهم لماذا تسامح النساء، دون أن نضع تجربة كلّ واحدةٍ منهن تحت مجهر التحليل، تُعتبر محاولات منقوصة في فهم وتحليل التسامح كممارسةٍ اجتماعيّةٍ متوقّعة من النساء.

فالأزمة، ليست فقط في أن رضوى وغيرها يصدرن أحكاماً على نساء أخريات، ويُقيّمن علاقاتهن، وإنما الأزمة أيضاً هي الإسقاط، وكيف يستخدمنه للشعور بالتفوّق الأخلاقي.

فالأزمة بالنسبة لي، ليست فقط في أن رضوى وغيرها يصدرن أحكاماً على نساء أخريات، ويُقيّمن علاقاتهن، ويضعن لها البدائل، وإنما الأزمة أيضاً هي الإسقاط، وكيف يستخدمنه للشعور بالتفوّق الأخلاقي والترويج لأنفسهن على حساب غيرهن من النساء، والذي يتعارض مع أخلاقيّات النسويّة التي أؤمن بها.

لن يُفيد إقصاء مشاهد مثل مشهد توسُّل دينا الشربيني لخطيبها عن الشاشة، هؤلاء النساء موجودات بالفعل، وإن لم نفهم دوافعهن، فعلى الأقل يُمكننا اعتباره تجسيداً لوجودهن، ولوجود استراتيجيات أخرى قد تتبعها النساء لإعادة شعورهن بالسيطرة داخل العلاقات، حتى لو كنا نرفضها، أو لا نُمارسها. إن أقصينا تلك المشاهد ولم نستغلّ فرصة وجودها وتحليلها، فنحن نقدّم نسويتنا كقوالب جاهزة، نضع بها النساء دون الانتباه لتعقيدات الحياة الانسانيّة، فينتهي بنا الحال ونحن نُعيد إنتاج التنميط، ولكن لصالح ما نؤمن به وما نراه مقبولاً، ونُنحّي تجارب النساء جانباً، لصالح أفكارنا وقوالبنا، تماماً كما تفعل رضوى الشربيني.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard