كيف تشابهت الستّ أم كلثوم والستّ تحيّة كاريوكا؟

الأربعاء 22 مايو 201902:34 م

أم كلثوم وتحية كاريوكا فنّانتان مصريّتان، استطاعتا تحقيق شهرةٍ كبيرةٍ كلّ واحدة في مجالها، حتى أن كلاً منهما أصبحت أيقونةً في مجالها، أم كلثوم في الغناء، وتحية كاريوكا في الرقص.

قد يعتقد البعض أن اختلاف مجاليهما الفني، واختلاف شخصيتيهما الظاهر يوحي بأنه لا مجال للتشابه بينهما، إلا أن المتأمّل لسيرتيهما الفنيّة والشخصيّة سيجد أوجهاً عدّة للتشابه، في اعتقادي مبعث هذا التشابه، هو حالة الحراك الفنّي والسياسي التي كانت تمرّ بها مصر في تلك الحقبة من أوائل القرن العشرين، بالإضافة إلى تواجدهما في وسط أعلام الثقافة والفنّ آنذاك، ما ساهم أيضاً في تكوين شخصيتيهما الثقافيّة، ما دعّم مواقفهما الفنيّة والسياسيّة.

ومن أوجه التشابه الواضحة بينهما، هي قدرة كلِّ واحدةٍ على تغيير الصورة الذهنيّة للمطربة أو الراقصة عند الجمهور.

التأثير على المشهد الفنّيّ

على الرغم من الشهرة الواسعة التي حازتها بعض المطربات في تلك الفترة كمنيرة المهديّة وغيرها، إلا أن اشتغال المرأة بالفنّ كان من الأمور المستهجنة حتى لو قوبل تواجدها بحفاوة، بَيْدَ أن أم كلثوم استطاعت أن تغيّر تلك الصورة تماماً عن المطربة، يرجع السبب في هذا إلى بدايتها من مدرسة الإنشاد على يد والدها، والذي كان يخشى عليها فجعلها ترتدي زي الصِبْيَة من معطفٍ وعقال، واستمرّت بهذا الزيّ سنوات طوال حتى مجيئها إلى القاهرة، وساعدت أيضاً طبيعتها الريفيّة مع نشأتها المحافظة، على قيامها بفرض شكلٍ للتعامل معها، له حدّ معين لا يستطيع أحد أن يتخطاه.

لأم كلثوم وكاريوكا نشاط سياسي كبير وإن اختلف أسلوب كلٍّ منهما.

كلمات الأغاني في تلك الفترة كانت مبتذلة بصورةٍ كبيرةٍ على الرغم من جودة الألحان، فكان لاهتمام أم كلثوم باختيار أغانيها بعيداً عن موجة الابتذال السائدة وقتها، أكبر الأثر في توطيد نجاحها، بالإضافة إلى جودة الألحان وصوتها المتفرّد، وقد استطاعت أن تصل لمكانةٍ كبيرة، حتى أن الملك فاروق منحها وسام الكمال وحصلت على لقب صاحبة العصمة، وكان هذا التكريم مقصوراً وقتها على سيدات الأسرة العلويّة فقط.

أيضا استطاعت كاريوكا أن تغيّر وجهة النظر تجاه الراقصة منذ بدايتها في كازينو بديعة، أشهر كازينو في مصر والشرق وقتها، والذي خرج من عباءته كبار النجوم في فنون الرقص والطرب والتمثيل، كانت كاريوكا قريبةً من بديعة مصابني منذ أن احتضنتها في منزلها بعد هروبها من معاملة أخيها وزوجته القاسية لها، فقبل أن تكون كاريوكا راقصة في الصالة كانت تُعتبر ربيبتها بشكلٍ ما وصديقتها أيضاً، بعد أن عملت تحية بالرقص كانت لا تجالس الزبائن كما كان شائعاً، وبعد اشتهارها برقصة الكاريوكا اتجهت للتمثيل السينمائي، والذي حقّقت من خلاله نجاحاً كبيراً، ما جعلها تعتزل الرقص في منتصف الخمسينيات وتتجه للتمثيل فقط، وجسّدت في تلك الحقبة العديد من الأدوار الهامّة والتي دخل الكثير منها إلى قائمة أهمّ مائة فيلم في تاريخ السينما المصريّة، مثل فيلم "شباب امرأة" و"الفتوّة" و"أم العروسة" وغيرها.

وإن كانت كاريوكا اعتزلت الرقص واتجهت للتمثيل، فقد كان لأم كلثوم تجارب في التمثيل من خلال ستة أفلام هم: "دنانير" و"سلامة"، و"نشيد الأمل" و"وداد" و"فاطمة"، و"عايدة"، وأيضاً دخل فيلم" دنانير" في قائمة أهمّ مائة فيلم في تاريخ السينما المصريّة.

النشاط السياسيّ

لأم كلثوم وكاريوكا نشاط سياسي كبير وإن اختلف أسلوب كلٍّ منهما، فأم كلثوم قامت بمؤازرة الجيش المصري المحاصر في الفالوجا أثناء حرب 1948 فغنّت لهم أغنية "أنا في انتظارك"، أما كاريوكا فقد ساعدت المقاومة في الإسماعيليّة وقامت بنقل أسلحةٍ وإخفائها في مزرعة زوج أختها، وأيضاً قامت بإخفاء الرئيس السابق السادات بعد اتهامه بمقتل أمين عثمان، والعديد من المواقف السياسيّة، حتى أنها دخلت المعتقل لمدة 101 يوم في عهد عبد الناصر على الرغم من تأييدها للثورة، واستمرّت في مواقفها السياسيّة حتى أنها أسّست مع آخر أزواجها، فايز حلاوة، فرقةً مسرحيّةً معنيّة بتقديم ما يُطلق عليه (مسرح الكباريه السياسي) وقد تمّ إيقاف بعض العروض بسبب مهاجمتها لسياسات الرئيس السادات قبل حرب 1973، بالإضافة لرفضها التطبيع، وظلّت على ثوريّتها ومواقفها السياسيّة حتى وفاتها، ففي عام 1988 صدر قانون النقابات الموحّد والذي رفضته والفنانون، وقامت بالاعتصام في النقابة، والإضراب عن الطعام حتى تمّ إلغاء القانون، أيضاً أم كلثوم ظهرت مواقفها السياسيّة من خلال دعمها للجيش المصري بعد النكسة، وقيامها بجمع تبرّعات لصالح المجهود الحربي، وقيامها بجولاتٍ فنيّة عديدة في العالم العربي.

المتأمّل لسيرتيهما الفنيّة والشخصيّة سيجد أوجهاً عدّة للتشابه، في اعتقادي مبعثه هو حالة الحراك الفنّي والسياسي التي كانت تمرّ بها مصر في تلك الحقبة من أوائل القرن العشرين.

على الرغم من الشهرة الواسعة التي حازتها بعض المطربات في تلك الفترة، إلا أن اشتغال المرأة بالفنّ كان من الأمور المستهجنة حتى لو قوبل تواجدها بحفاوة، بَيْدَ أن أم كلثوم استطاعت أن تغيّر تلك الصورة تماماً عن المطربة وكاريوكا استطاعت أن تغيّر صورة الراقصة.

كلتاهما حصل على لقب الستّ، وإن كان لقب الستّ في المطلق حازته أم كلثوم، إلا أن تحية كاريوكا كان يطلق عليها الستّ تحية أيضاً.

عدد الأزواج 

تعرّضت أم كلثوم لشائعاتٍ عديدةٍ حول عدد أزواجها وأسمائهم، فهناك من يقول أنها تزوّجت الشيخ أبو العلا محمد، وأنها تزوّجت من مصطفى أمين، ولكن الرئيس عبد الناصر قام بحرق كلِّ الأوراق والخطابات التي تؤكّد هذا الزواج حفاظاً على سرّية حياتها الشخصيّة، خاصّةً وأن تلك الأوراق قد تمّ كشفها بعد القبض على مصطفى أمين في قضية التخابر، وأيضاً يُقال أنها تزوّجت من الملحن محمود الشريف لمدّة شهر، إلا أن المؤكّد أنها لم تتزوّج إلا الدكتور حسن الحفناوي، والذي ظلّت متزوجه به حتى وفاتها، أما كاريوكا، فقد تزوّجت أربعة عشر مرّة، من العديد من المشاهير والفنانين، ولكن الشائعات تقول إنهم أكثر.

كلتاهما كان لهما نشاط لصالح مهنتيهما فأم كلثوم كانت أوّل نقيبةٍ للموسيقيين وأيضاً كاريوكا كانت أوّل نقيبةٍ للفنانين، وإن تنازلت عنها بعد ذلك.

أم كلثوم، وإن كانت محاطةً بصفوة المجتمع إلا أن الشاعر أحمد رامي هو صاحب الفضل في تشبيكها مع الخريطة الثقافيّة، نفس الشيء بالنسبة لكاريوكا، فقد كان سليمان نجيب هو أبيها الروحي وهو من ساعدها على الدخول لعالم الفنّ ووضع قدمها في الساحة الثقافيّة.

كلتاهما كان لهما نشاط لصالح مهنتيهما فأم كلثوم كانت أوّل نقيبةٍ للموسيقيين وأيضاً كاريوكا كانت أوّل نقيبةٍ للفنانين، وإن تنازلت عنها بعد ذلك.

لقب الستّ

كلتاهما حصل على لقب الستّ، وإن كان لقب الستّ في المطلق حازته أم كلثوم، إلا أن تحية كاريوكا كان يطلق عليها الستّ تحية أيضاً.

في النهاية يكون تواجد أم كلثوم على الساحة أقوى نظراً لطبيعة الفنّ الذي تقدّمه، في سياق مجتمعات محافظة أيضاً، ذلك أنه من الممكن تلقّي الغناء في كلّ وقت وكلّ مكان دون استعداداتٍ مسبقة، على عكس الرقص والتمثيل اللذين يحتاجان لتأهّبٍ كاملٍ واستعدادٍ للمشاهدة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard