البيئات المتحاربة في سوريا... هل من مستقبل للتعايش؟

الاثنين 27 مايو 201904:49 م

"تعرّضتُ لتمييز من البيئة الاجتماعية لطائفتي لأنّي لم أتبنَّ موقف أبنائها السياسي، كذلك من البيئات الأخرى المختلفة لأن أبناءها اعتبروني ابن البيئة الحاضنة للإرهاب كما يعتقدون".

هذا ما تقوله سميّة الخالد (اسم مستعار) بحسرة لرصيف22، متحدثة عن تجربتها الصعبة خلال سنوات الحرب السورية، وتضيف: "كنت دائماً أشعر بأني في موقع الدفاع عن النفس، أريد أن أثبت حسن نيتي للجميع مع أني لم أتحيّز لطرف أو طائفة. كنت في قفص اتهام دائم يتغيّر شكله تبعاً لظروف الحرب".

ما الذي يدعو مجموعة أشخاص ينتمون إلى بيئة معيّنة إلى الحقد على أبناء بيئة أخرى بسبب انتماء معيّن ديني أو سياسي أو مناطقي؟

كثيرون من السوريين تأثروا سلباً بتطرف البيئات المتحاربة خلال الحرب السوريّة، دون أن يكون لهم ذنب سوى انتمائهم الديني والمجتمعي.

"أعيش في خوف دائم"

سميّة، 28 عاماً، درست اللغة الإنكليزية في جامعة دمشق قبل أن تعود إلى مدينتها حمص، وتعمل في رسم اللوحات وبيعها. منذ بداية الحرب، عاشت خوفاً مزدوجاً من البيئات المتحاربة.

حول بداية شعورها بذلك الخوف تقول: "مع بداية الحرب، تعرّضت لتمييز في عملي. على الرغم من أن جميع زملائي في العمل من نفس طائفتي (إسلام سنّة)، لكن كون والدي ضابطاً متقاعداً في الجيش السوري، وكون موقفهم مع الثورة، جعلهم يتعاملون معي بحذر شديد".

وتضيف: "اتهمني البعض بأنّي مخبرة للأمن. تعرّضت لمضايقات عديدة وأصبحت منبوذة بينهم".

ولكن أحياناً، أنقذها انتماؤها لبيئة معيّنة، كما عندما أطلق مسلحون معارضون في حي الخالدية النار بالقرب من سيارة الأسرة التي تواجدت فيها بجانبها أمها وأختها. تروي: "انتهبوا مع اقترابنا بأن أمي وأنا وأختي محجبات فسمحوا لنا بالمرور بعدما عرفوا طائفتنا. كان انتماؤنا في هذه الحالة نعمة وحفظ لنا حياتنا".

لم يقف أثر المواقف المسبقة على حياة سميّة عند هذا الحد. تروي أنه "على الجانب المقابل، لم يكن وضعي بين أبناء الأقليات المؤيدة للنظام أفضل. أصدقائي العلويّون قطعوا علاقتهم بي بسبب انتمائي الطائفي والمناطقي، فأنا وعائلتي بنظرهم ربما إرهابيون ونشكل خطراً عليهم، فقط لأننا نعيش في حي ومنطقة كانت لفترة طويلة تحت سيطرة المعارضة. شعرت وكأني في أعينهم عدوّة وتسببت بمشاكل البلد لمجرد أني أنتمي إلى منطقة وطائفة محددتين".

عانت سميّة من التمييز في عملها. كثيراً ما سمعت عند عرضها لوحاتها في إحدى صالات العرض التي يمتلكها شخص من طائفة ثانية، أشخاصاً يقولون أمامها وبدون خجل: "ما هو الشيء المميز عند هذه المحجبة وليس موجوداً في شخص من جماعتنا؟".

تروي الشابة السورية أنه "رغم شعوري بالخوف الدائم المتعدّد الأوجه من الطرفين، إلا أن أكثر شيء أخاف منه هو حقيقة أن أخي معتقل في أحد فروع النظام منذ بداية عام 2013 لأسباب لا نعرفها، وإلى الآن لا نعرف أيّة معلومة عنه، وهذا الموضوع أخفيه عن معظم أصدقائي المقرّبين من البيئة الأخرى، كي لا يعتبروني عدوّة لهم، فالمُعتقل بحسب اعتقادهم غالباً متورط برفع السلاح ضدهم".

ليس الخوف وحده ما تشعر به سميّة. اختبرت التنمّر عليها بسبب انتمائها وأضاف "حجابها" مشاكلَ أخرى لها.

مع بلوغ الحرب السورية عامها الثامن، ومع كل ما اختبرته، توصّلت الشابة العشرينيّة إلى خلاصات كثيرة. تقول: "الآن اختلف رأيي عمّا كان عليه في بداية الحرب، أصبحت أرى الأمور بشكل أوضح. أعرف أن كثيرين من أفراد المجتمع متعصبون ومتشددون وينبذون الآخر ويرفضونه، وأدركت أن ذلك التطرف ليس خاصاً بطائفة معيّنة أو منطقة معيّنة، وأعتقد أن جميع الطوائف والمناطق لديها عدد كبير من الأشخاص المتعصبين والكارهين للآخر، لذلك فإن التعايش في المستقبل صعب جداً".

"لا أحد يجرؤ على قول الحقيقة"

لم يكن سليمان ديب (اسم مستعار)، 32 عاماً، يشعر بتمييز من قبل محيطه قبل عام 2011، لكن مع بداية الحرب ودخولها إلى حياته شعر بذلك.

يقول الشاب العامل في تصليح السيارات لرصيف22: "للأسف لمست تمييزاً من قبل أصدقائي الذين كانوا بمعظمهم من الطوائف والمناطق الأخرى، فأنا ولدت في دمشق، وأثّر كون أصولي من الساحل السوري (أي علوي) على نظرتهم إليّ، خصوصاً بعد أن صار الفرز واضحاً بين السوريين".

في الورشة التي كان يعمل فيها، كان العلوي الوحيد بين مجموعة من السنّة. "عندما اشتدت الأحداث عاملوني بتمييز وتغيّر موقفهم منّي بسبب انتمائي"، يقول.

هذا التمييز خلق لديه ردّة فعل ضد المعارضة ثم أتى مقتل أخيه في إحدى المعارك، "أثناء أدائه خدمته الإلزامية في ريف حماة"، ليدفعه نحو اتخاذ ما يصفه بأنه "موقف متطرف ضد الثورة وضد السنّة".

يقول: "ظاهر الموضوع سياسي ولكن في الواقع كان صراعاً طائفياً. وقفت مع النظام كمعظم العلويين بسبب شعورنا بخوف تاريخي، لأن أجدادنا تعرّضوا لمجازر جماعية من قبل بعض الطوائف وصلت إلى حد الإبادة. رأيت أننا كعلويين مضطرون للوقوف مع النظام، خاصة في ظل وجود جبهة النصرة وداعش، لعدم وجود ضامن لوجودنا في حال سقوط النظام. هكذا تربيت وهكذا يفكر معظم العلويين".

ولكن مخاوف سليمان لا تقف عند هذا الحد. يضيف: "الخوف بالنسبة إلي كان في كل لحظة من لحظات الحرب. أخاف من موقف المعارضة المتطرفة ضد العلويين بسبب انتمائي، وخوفي الآخر هو من أبناء طائفتي الذين يعتبرونني خائناً كوني لا أحب حمل السلاح وتخلفت عن أداء الخدمة الإلزامية، بينما برأيهم يجب أن أدافع عن وجود الطائفة".

ويقول إن موقفه تغيّر مع الوقت "بعد أن رأيت كيف تتعامل الدولة والنظام مع البيئة العلوية بتمييز، فالفقراء وهم أغلبية أبناء الطائفة هم المحاربون، بينما لا يضحّي الأغنياء والمسؤولون، ونسبتهم قليلة، بشيء ويقومون بالسرقة فقط، وينظّرون علينا بالوطنيّة".

"حالياً، هناك طائفة حاكمة وحيدة وهي طائفة المال"

اختبأ سلمان داخل منزله هرباً من الشرطة العسكرية لمدة ثلاث سنوات، قبل أن تقبض عليه وتلحقه بالجيش، ولكنه هرب بعد عدة أشهر وعاد إلى حياة التخفي والخوف. يقول: "مثلي كثيرون من الشباب العلويين، لكن الخوف من النظام يمنعنا من الحديث عن ذلك علناً".

حالياً، يرى سليمان أن الأمور اختلفت. يقول: "تغيّرت المعطيات في الوقت الحالي. هناك طائفة حاكمة وحيدة وهي طائفة المال، وهي ليست علوية ولا سنّية، لا مسلمة ولا مسيحية، تمثّل الجشع والسرقة والانحراف من قبل فئة من السوريين من انتماءات سياسية وعرقية مختلفة. أما الأغلبية مثلي، من كل الطوائف، فيعيشون تحت خط الفقر. والمؤلم أن لهذه اللحظة نحن السوريون نزداد فقرا وعدائية بسبب المواقف السياسية والطائفية".

"حيادية وظلم وخوف"

لا يتوقف التمييز بسبب الانتماء على العلويين والسنّة. يروي سامي حنّا (اسم مستعار)، 37 عاماً، قصة تبدّل مواقفه تبعاً لظروف الحرب، ويقول: "كنت مؤيداً للثورة السورية منذ بداياتها. تأثرت بخالي السجين السياسي السابق الذي سُجن عشرة أعوام بسبب انتمائه إلى رابطة العمل الشيوعي المعارضة، وكنت أعامَل بتمييز من قبل جيراني ومحيطي الاجتماعي، حيث معظم المسيحيين وأبناء الأقليات وقفوا إلى جانب النظام بحجة أنه يحميهم من التطرّف الإسلامي".

ويضيف الشاب الذي هاجر إلى أستراليا عام 2016، ويعمل هناك متدرباً في شركة: "كان البعض يتهمني بالخيانة لأني خرجت في عدة تظاهرات في حارتي الدمشقية، وفي مدينة يبرود حيث مسقط رأسي. عائلتي تعاطفت مع الثورة كذلك في البداية، لكن موقفها وموقفي تغيّرا لاحقاً".

ويتابع: "الآن موقفنا يُعتبر حيادياً، لسنا مع النظام ولا الثورة، خصوصاً أن قيادات الثورة جعلت صبغتها العامة إسلامية، واختبرنا ذلك في يبرود التي كان سكانها المسيحيون يدفعون جزية لمسلحي المعارضة، لأننا من دين مختلف، وكأننا في زمن الفتوحات الإسلامية. كما تعرضنا لتهديدات من قبل بعض المسلحين، خصوصاً الأجانب منهم، وأدى كل ذلك إلى تغيّر موقفنا تماماً واخترنا الحياد".

الخوف في زمن الحرب والتعرّض للوصم بسبب أو بدون سبب هو العامل المشترك بين جميع أفراد المجتمع. لا يختلف خوف سميّة وسلميان عن خوف سامي.

"الخوف لازمني منذ أول رصاصة مرّت بقربي حينما كنت أهتف بإسقاط النظام في التظاهرات، وبعدها تغلغل في داخلي مع تتالي سنوات الحرب ولأسباب عديدة، وفي النهاية خرجت من سوريا وهاجرت إلى أستراليا، والآن أذهب إلى سوريا لزيارة الأهل فقط، ولا أرى للأسف مستقبلاً لتعايش الطوائف والبيئات المتحاربة. ممكن أن تحصل هدنة طويلة كما حدث بعد حرب لبنان وحرب العراق"، يقول سامي.

ديمقراطية سوريّة ومحاسبة المجرمين

يلقي البعض على الخارج مسؤولية تأجيج الصراع بين البيئات المتحاربة و"التفرقة بين الناس"، ومنهم الدكتور حليم أسمر، أستاذ فلسفة التربية والاتجاهات التربوية المعاصرة في جامعة حلب، والذي يقول إن "المجتمع السوري في القرن العشرين وبداية الواحد والعشرين كان يعيش فترة من الوئام والتماسك المجتمعي".

وتأسيساً على نظرته إلى المجتمع السوري، يرى أسمر أن "الشعب أسقط الحرب الطائفية، والآن التنوع موجود في جميع المحافظات"، وأن الوئام سيسود بمجرّد ابتعاد الخارج عن التدخل في الشؤون السورية.

ولكن الباحث الاجتماعي طلال المصطفى يرى المشهد بطريقة أخرى مختلفة تماماً. يقول لرصيف22: "من المعروف أن سوريا غير متجانسة قومياً ودينياً وتضم أكثر من 18 طائفة دينية ومذهبية، وهذه حالة طبيعية موجودة في معظم دول العالم، وعرفت نوعاً من الاستقرار المجتمعي في مرحلة الدولة الديمقراطية بين عامي 1946 و1958، مع وجود دستور وأحزاب سياسية متنوعة، ومؤسسات مجتمع مدني وتداول للسلطة، فكان العنصر الديني المذهبي والطائفي منحّى بحكم دولة القانون إلى حد ما".

"تعرّضتُ لتمييز من أبناء بيئتي لأنّي لم أتبنَّ موقفهم السياسي، وأبناء البيئات الأخرى اعتبروني من ‘حاضنة الإرهاب’"... السوريون تأثروا سلباً بتطرف البيئات المتحاربة
"رأيت كيف تتعامل الدولة والنظام مع البيئة العلوية بتمييز، فالفقراء وهم أغلبية أبناء الطائفة هم المحاربون، بينما لا يضحّي الأغنياء والمسؤولون، ونسبتهم قليلة، بشيء ويقومون بالسرقة فقط، وينظّرون علينا بالوطنيّة"

ويضيف أنه عندما حصل انقلاب البعث عام 1963، "قام على بناء دولة الاستبداد السياسي، وخاصة في عهد الأسد الأب الذي عمد إلى تحويل الدولة الديمقراطية الهشة من حيث الاندماج المجتمعي إلى كيان أمني مؤسساتي منتشر ومتغلغل في الأنساق الاجتماعية السورية كافة، من خلال تفكيك مؤسسات المجتمع المدني لصالح مؤسسات سياسية ونقابية أمنية مثل حزب البعث والمنظمات الشعبية والنقابية الرديفة، مع الإبقاء على المؤسسات التقليدية الدينية المذهبية والعشائرية والطائفية للاتكاء عليها في المناسبات التي يجد نفسه بحاجة إليها سياسياً وأمنياً، واستمرت هذه الحالة في عهد الأسد الابن".

"الوضع الطائفي مرتبط بشكل أساسي بالنظام الذي يُعَدّ المصدر الرئيسي للتمييز الطائفي"

ويتابع: "لذلك وجد النظام سهولة كبيرة في تحويل الثورة السورية عام 2011 من ثورة حرية وعدالة وكرامة إلى حرب ذات طابع طائفي مذهبي، من خلال شيطنة الثورة وعسكرتها وصبغها بصبغة دينية موجّهة ضد الطوائف الأخرى، وخاصة الطائفة العلوية، فصارت حرباً متشابكة ومعقدة سورياً وإقليمياً وحتى دولياً، وشهدت سوريا أكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث".

برأيه، "هذا الوضع الطائفي مرتبط بشكل أساسي بالنظام الذي يُعَدّ المصدر الرئيسي للتمييز الطائفي وهو الذي قام على تأجيج النزعات الطائفية والمذهبية من خلال الجيش والمؤسسات الأمنية بالدرجة الأولى والتي تهيمن عليهما الطائفة العلوية وخاصة في الصف القيادي، وهذا ما خلق عدم ثقة بين الطوائف السورية بشكل عام، خاصة في المناطق التي حدثت فيها مجازر وتهجير قسري وتغيير ديموغرافي ذو صبغة مذهبية وطائفية، وفُتحت فيها جروح عميقة لا تندمل في المدى المنظور حتى ولو بعد انتهاء الحرب على طريقة انتصار النظام أو إسقاطه وتغييره".

وعن الحل لهذه المشكلة الكبيرة، يؤكد المصطفى أنه لن يكون إلا من خلال إسقاط النظام والانتقال إلى دولة وطنية ديمقراطية، دولة المواطنة والقانون، ومحاسبة المجرمين من خلال محاكم وطنية سورية عادلة.

ويشير إلى أن لا حل بدون تحويل الجيش من جيش عقائدي كما هو حالياً إلى جيش احترافي وظيفته حماية الحدود فقط، ومن خلال إصلاح المؤسسات الأمنية.

يعتقد مصطفى أن فتح حوار بين المكوّنات الطائفية لتجاوز نتائج الحرب ممكن من حيث المبدأ، ولكنه ليس سهلاً، "فنحن نحتاج إلى فترة زمنية أعتقد أنها طويلة".

ويقول: "ربما بعد وجود نظام سياسي ديمقراطي جديد، وبعد محاكمة المجرمين المسؤولين عن قتل وتهجير السوريين، يمكن إيجاد آليات رسمية وشعبية تعمل بشكل مستقل وعلى المدى البعيد لتجاوز الكراهية المتبادلة بين الطوائف السورية من خلال إيجاد مجموعات من الحكماء والخبراء في كل مدينة أو بلدة، من كافة الطوائف، للقيام بجهد شاق ومتعب قد يكون مكلفاً على الصعيد الشخصي، لإقناع السوريين من كافة الطوائف بعدالة القانون والعدالة الوطنية بعيداً عن الثأر الطائفي والقبلي والعائلي".

ويلفت إلى أن "من الشروط الأساسية لهؤلاء الحكماء في كل منطقة أن يكونوا محل ثقة ومصداقية وبعيدين عن النظام والحرب وعن الثقافة المذهبية والطائفية ولديهم الخبرة والقدرة على القيام بمصالحات أهلية حقيقية".

تعايش حالم وحلول متعددة

مصير التعايش في المستقبل بين البيئات المتحاربة ضبابي. يرى الباحث في الشأن السوري عبيدة فارس أن "أي حديث عن إمكانية التعايش التلقائي بين مكونات المجتمع السوري بعد الحرب لا يعدو كونه إما حديثاً عاطفياً حالماً، أو خطاباً سياسياً لا يستند إلى أيّة وقائع".

ويقول لرصيف22: "تحتاج الشعوب عادة إلى فترة جيل على الأقل حتى تبدأ بتجاوز المرحلة الحرجة من حالة التشظي التي تُخلّفها الحروب الأهلية، لكن هذه الفترة قد تطول أو تقصر تبعاً لعدّة عوامل".

أهم هذه العوامل برأيه "نوع النهاية الذي ستؤول إليها الحرب"، فإذا انتهت بغلبة كاملة لأحد الأطراف سيكون التئام الجراح أصعب، "بينما يتعافى المجتمع بصورة أفضل في الحالات التي لا يكون فيها غالب ومغلوب".

ومن العوامل المؤثرة أيضاً "تطبيق آليات العدالة الانتقالية من عدمه، ونوع الآليات التي سيتم اعتمادها، إذ يساهم التطبيق المعقول لها في إغلاق الملفات العالقة، وإشعار الضحايا وأصحاب الحقوق المهدورة أثناء الحرب بإمكانية الانتقال إلى مرحلة تجاوز مخلفات الحرب".

"التجربة السورية ليست حالة فريدة من نوعها"

ويشير فارس إلى ضرورة أن تحصل عدة أمور للحد من مستوى الانقسام المجتمعي في سورية بعد الحرب، من بينها "تقديم اعترافات رسمية من قبل الدولة تتحمل فيها المسؤولية عن الجرائم التي تم ارتكابها من قبل الجيش وأجهزة الأمن، وكل القوى المحلية والخارجية التي شاركت في ارتكاب الانتهاكات تحت مظلتها، مع إتباع ذلك باعتذار رسمي، ما يساهم في ردّ الاعتبار للضحايا، وتأكيد حقوقهم".

ومن الأمور الضرورية أيضاً، برأي فارس، "إعادة تشكيل أجهزة الدولة، وخاصة السيادية منها، بما فيها الجيش وأجهزة الأمن، بحيث تعكس تركيبة المجتمع السوري ككل، وينعكس ذلك في مستوياتها القيادية مثلما ينعكس في مستوياتها الدنيا".

ومنها أيضاً "صياغة مناهج التعليم بحيث تعكس التنوع السوري، وتتبنى رواية متفق عليها بالحد الأدنى للتاريخ السوري، وخاصة تاريخ السنوات الأخيرة"، و"تبني سياسات تحدّ من الانتهاكات طويلة الأثر، من قبيل تعويض مَن هدمت بيوتهم، وإغلاق جميع ملفات الاختفاء القسري".

فارس متفائل بحذر بخصوص مستقبل البيئات المتحاربة في سوريا، ويقول: "مرّت الكثير من المجتمعات حول العالم بتجارب الحروب الأهلية، وتمكن بعضها من تجاوز التشققات المجتمعية التي أدّت إليها الحرب بشكل نسبي، فيما فشلت مجتمعات أخرى في ذلك، والتجربة السورية ليست حالة فريدة من نوعها، بل هي لم تصل إلى المستويات التي شهدتها بعض الدول الأفريقية خلال العقود الماضية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard