"إيم تيرتزو"... جماعة إسرائيلية تعمل على بناء مجتمع صهيوني أكثر تطرّفاً

الثلاثاء 28 مايو 201905:05 م

تفرز التطورات التي تطرأ على التيارات اليمينية المتشددة في إسرائيل مجموعة حركات جديدة تعبّر في مجملها عن اتجاهات فرعية لليمين، بشكل يُنتج المزيد والمزيد من التطرّف ومعاداة الفلسطينيين.

ومن بين هذه الحركات جماعة أو حركة "إيم تيرتزو" التي تأخذ على عاتقها تعزيز وترسيخ القيم الصهيونية في إسرائيل وبناء مجتمع صهيوني، بحسب ما تذكره على موقعها الرسمي.

تأسيس الحركة

تأسست الحركة بعد فترة قصيرة من حرب يوليو 2006 على لبنان. وفي يناير 2007، تم تسجيلها كجمعية في إسرائيل، وضمّت خريجي مشروع القيادة الشابة في معهد الاستراتيجية الصهيونية، وعلى رأسهم رونين شوفال الذي ترأس الحركة حتى عام 2013، وإيريز تدمور الذي كان يترأس شعبة السياسات في الحركة حتى عام 2011، وأسسا الحركة حينما كانا يدرسان في الجامعة العبرية في القدس.

اشتُقّت تسمية الحركة من عبارة شهيرة تحوّلت إلى أسطورة في الوعي الصهيوني بعدما ذكرها تيودور هرتزل في روايته الشهيرة "ألتنويلاند"، وهي رواية خيالية وصف فيها "دولة اليهود"، وكتبها بالألمانية وترجمها إلى العبرية ناحوم سوكولوف عام 1903.

قبل بدء روايته، كتب هرتزل عبارة: "إذا أردت، فهذه ليست حكاية خرافية"، وهي عبارة جعلها المترجم "إذا أردت فهذا ليس حلماً"، وتُقرأ بالعبرية Im tirtzu ein zo agadah، ومن هنا أتت تسمية الحركة.

تعقد "إيم تيرتزو" مؤتمراً سنوياً يشارك فيه العديد من المسؤولين الإسرائيليين، وهو الأمر الذي يعتبره البعض مؤشراً على علاقة خفية بينها وبين الحكومة الإسرائيلية.

وحضر مؤتمرها الأول، عام 2008، نائب رئيس الحكومة ووزير الشؤون الاستراتيجية حينذاك موشيه يعالون، وألقى فيه الكلمة الرئيسية. وفي المؤتمر الثاني، عام 2010، حضر وزير التعليم حينذاك جدعون ساعر. وعام 2011، حضر وزير الإعلام وشؤون الشتات يولي أدلشتاين الذي يشغل منصب رئيس الكنيست حالياً. وفي المؤتمر الرابع حضر الوزيران جلعاد أردان وعوزي لنداو، وعدد من أعضاء الكنيست. وعام 2017 عُقد المؤتمر العاشر بحضور رئيس الكنيست يولي أدلشتاين.

وتحصل "إيم تيرتزو" على تمويل كبير يأتي في معظمه من منظمات خارج إسرائيل، بالإضافة إلى التبرعات الشخصية. ويُعتبر "صندوق إسرائيل المركزي" The Central Fund of Israel، وهو منظمة غير ربحية مقرها الولايات المتحدة، من أكبر ممولي الحركة. ويأتي بعده ممول آخر هو "منتدى الشرق الأوسط" Middle East Forum، وهو منظمة أمريكية أسسها المؤرخ والكاتب الأمريكي دانيال بايبس، بالإضافة إلى عدد من الممولين الآخرين مثل رابطة أصدقاء الصهيونية الدينية، ومجموعة عزرائيلي التي تُعَدّ واحدة من أكبر شركات الاستثمار العقاري في إسرائيل.

بين العرب والصهيونية

تتنوع أنشطة الحركة بين فعاليات وأعمال مؤيدة للصهيونية، ومناوئة للمنظمات الحقوقية اليسارية التي تحاول نزع الشرعية عن إسرائيل، بحسب رؤية الحركة، وأنشطة مناوئة للعرب.

في الجامعات، تعمل خلايا هذه الحركة على الحيلولة دون تنظيم أيّة فعالية عربية، بل وتقوم بالاعتداء على الطلاب العرب أيضاً. فقد شهدت الجامعة العبرية، على سبيل المثال، قيام تلك الجماعة بالاعتداء على مجموعة طلاب عرب نظّموا فعالية مؤيدة لفلسطين ورفعوا خلالها العلم الفلسطيني.

ومن الناحية الدعائية، يحيي ناشطو الحركة سنوياً، في ذكرى النكبة، فعالية "النكبة خرطا" أو "النكبة كذبة"، في أكثر من جامعة، ويقومون برفع أعلام إسرائيل، كما يوزّعون كتيّبات صغيرة تسمّى بكتيبات "النكبة خرطا".

تزعم الحركة أن غالبية الفلسطينيين تركوا أرضهم بناء على توجيهات من اللجنة العربية العليا، وهي الكيان السياسي الممثل للفلسطينيين تحت الانتداب البريطاني وتأسست عام 1936 بمبادرة من مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، كما تحاجج بأن العرب طردوا أكثر من 900 ألف يهودي من البلاد العربية، أي أكثر من كل اللاجئين الفلسطينيين، في إحدى الحجج التي تبرر بها دعوتها إلى عدم عودة هؤلاء إلى أرضهم.

وتسوّق الحركة مزاعمها في الكتيّب المعنون بـ"النكبة كذبة" وتقول إن القادة العرب اختاروا الانضمام إلى كارهي اليهود خلال سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي، بل وحاولوا تنفيذ سياسات تهدف إلى استئصال الاستيطان اليهودي.

وتضيف: "نحن لا ندّعي أن عرب إسرائيل لم يتعرّضوا للألم أو حتى لكارثة اجتماعية خلال حرب 1948"، قبل أن تتساءل: "إذا كان الأمر كذلك، كيف نجرؤ على تسمية النكبة كذبة؟".

وتجيب الحركة على نفسها بالقول إن السياق الذي يدور فيه الخطاب الأكاديمي حول حرب 1948 غير صحيح ومشوَّه، بهدف إلحاق الضرر بـ"الحقيقة والعدالة الصهيونية"، وينقل المسؤولية الأخلاقية عن الحرب من المعتدي الذي دعا إلى إبادة اليهود بعد سنوات قليلة من الهولوكوست إلى الضحية التي فازت بشجاعة في حرب وجودية ضد كل الصعاب.

وتشير الحركة في كتيّبها إلى أن هذه "المؤامرة" تهدف إلى إعادة كتابة التاريخ بطريقة غير أخلاقية تستند إلى الخيال والافتراءات، ولا طريقة أخرى للتصدي لها سوى بوصفها بأنها "كذبة".

وفي نشاطات أخرى، تنظم جولات تندّد بمنظمات معارضة لها، كما في حالة تنظيمها فعاليات ضد جماعة "كسر الصمت"، وهي جماعة يسارية أسسها جنود إسرائيليون سابقون يعارضون الاحتلال، ويسلطون الضوء على القيود التي يواجهها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ تعتبر "إيم تيرتزو" أنها تغذّي المشاعر المعادية للسامية بسبب انتقادها للمارسات الإسرائيلية.

مناهضة اليسار

تركّز "إيم تيرتزو" في جزء كبير من عملها على الحملات المناهضة للمنظمات اليسارية في إسرائيل، وعددها 13 بحسب تقرير للحركة، على رأسها منظمات "بتسيليم" ومنظمات عربية مثل عدالة وبلدنا ومدى الكرمل، ومركز الدفاع عن الفرد. ما يزعجها أن هذه المنظمات تُصدر تقارير عن انتهاكات إسرائيل لحقوق فلسطينيي الداخل، وانتهاكات جيشها لحقوق الإنسان في قطاع غزة والضفة الغربية.

تحيي سنوياً، في ذكرى النكبة، فعالية باسم "النكبة كذبة"، توزّع خلالها كتيّبات صغيرة تشير فيها إلى أن ما يُحكى عن النكبة "مؤامرة" تستند إلى الخيال والافتراءات... جماعة "إيم تيرتزو" الصهيونية
تبرز في إسرائيل في السنوات الأخيرة حركات جديدة تعبّر عن اتجاهات فرعية لليمين، بشكل يُنتج المزيد من التطرّف ومعاداة الفلسطينيين... ومن بين هذه الحركات "إيم تيرتزو" التي تعتبر أن "النكبة كذبة"

تزعم الحركة أن هذه المنظمات وغيرها تعمل في الأساس من أجل نزع الشرعية عن إسرائيل، وتقدّم من خلال رصدها للانتهاكات التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي، مادة يمكن استخدامها عالمياً ضد الدولة العبرية.

ولذلك، تسعى إلى نزع الشرعية عنها، وتقديمها للرأي العام الإسرائيلي والعالمي باعتبارها طابوراً خامساً، يحصل على أموال من دول أجبينة وعربية لتنفيذ أجندات معيّنة.

في هذا الإطار، أعدّت الحركة تقريراً مفصلاً عن مسار التمويل الذي تحصل عليه تلك المنظمات وعن علاقتها بدول ومنظمات العربية، وطالبت الكنيست بتشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في مصادر تمويلها، وهو ما كان، فقد وافق الكنيست على تشكيل لجنة برلمانية للغرض المذكور، عام 2011، لكنها تعطلت بعد ذلك بسبب خلافات بين الأحزاب.

يقول التقرير إن المنظمات اليسارية والعربية تصلها تمويلات عبر منظمة وسيطة هي صندوق NDC (المركز القومي للتنمية)، ومقره في رام الله، ومنظمة Welfare Association التي تموّلها دول عربية، بالإضافة إلى منظمات أخرى تقدّم الدعم لعائلات القتلى والمصابين في المواجهات مع إسرائيل.

وتقول الحركة إن الأموال التي تضخها هاتين المنظمتين مصدرها الرئيسي من منظمات ودول أوروبية، على رأسها الاتحاد الأوروبي والسويد وهولندا والدانمارك، ودول عربية بينها السعودية والإمارات والكويت والجزائر وقطر، بالإضافة إلى بنوك مثل بنك التنمية الإسلامي "IDB" وصناديق عربية، وإن هاتين المنظمتين تحوّلان نحو 97% من الأموال للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، فيما تقدمان 3% فقط للمنظمات الإسرائيلية.

حركة مستقلة أم حكومية؟

تثير الحركة تساؤلات حول طبيعتها، وهل تعمل تحت مظلة الدولة أم أنها حركة مستقلة، فهي تعرّف نفسها بأنها غير حكومية، لكن طبيعة علاقاتها بالحكومة وحضور شخصيات رسمية لمؤتمراتها يثيران الجدل.

وتقول جبهة الدفاع عن الديمقراطية في إسرائيل إن الحركة لها علاقة مريبة مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، إذ قامت جهات مقرّبة منه بتحويل ملايين الدولارات إليها قبل انتخابات 2015، فيما قامت هي بالدعاية الانتخابية له.

وتوضح صحيفة "هآرتس" أن منظمة Shining City الأمريكية، وهي منظمة معفاة من كشف مصادر تمويلها، تبرعت لـ"إيم تيرتزو" بمبلغ 3.7 ملايين دولار عام 2015، وتشير إلى أن شخصيات مقرّبة من نتنياهو تلعب دوراً فاعلاً في هذه المنظمة التي تبرعت له من قبل، عام 2012.

والمثير في الأمر أن المنظمة التي تشكلت عام 2007 أرسلت لنتنياهو الذي كان زعيماً للمعارضة حينذاك، رسالة تقترح عليه فيها التعاون من أجل الإطاحة برئيس الحكومة إيهود أولمرت، وإيصاله إلى سدة الحكم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard