لماذا أطلقت السلطات السعودية سراح بعض الناشطات دون الباقيات؟

الأربعاء 22 مايو 201903:30 م

بعد إفراج السلطات السعودية بشكل مؤقت عن مجموعة ناشطات حقوقيات، تُطرح تساؤلات حول الأسباب والدوافع التي تجعل السعودية تمتنع عن الإفراج عن باقي الناشطات المعتقلات.

مضى نحو عام على بدء حملة اعتقال ناشطات سعوديات وصفتهنّ منظمة العفو الدولية بأنهنّ "الأكثر شجاعة". وفي حين أُفرج مؤقتاً عن كل من رقية المحارب، إيمان النفجان، عزيزة اليوسف، هتون الفاسي، عبير النمنكاني، أمل الحربي، ميساء المانع وشدن العنزي، تبقى كل من لجين الهذلول ونسيمة السادة وسمر بدوي ومياء الزهراني ونوف عبد العزيز وأخريات، رهن الاعتقال حتى اللحظة.

حكاية الإفراج عن بعض الناشطات بدأت بعدما أمرت المحكمة الجزائية في الرياض بالإفراج المؤقت عن المحارب والنفجان واليوسف، بعد تقدمهن بطلب للإفراج المؤقت أمام المحكمة، وبعد ذلك بأسابيع، أفرجت السلطات السعودية بشكل مؤقت عن أخريات.

لكنّ هذا الإفراج لم يشمل عدة ناشطات أخريات، لا يزلن يقبعن وراء القضبان. ويتحدث البعض أيضاً عن استمرار اعتقال ناشطات، بعضهّن وراء القضبان منذ ما قبل موجة الاعتقالات التي جرت قبل نحو سنة، وأسماؤهنّ غير حاضرة كثيراً في وسائل الإعلام وتقارير المنظمات الحقوقية مثل إسراء الغمغام، نعيمة المطرود، نور المسلم، عائشة المرزوق، عايدة الغامدي، فاطمة آل نصيف، خديجة الحربي، شيخة العرف، فاطمة البلوشي، سماح النفيعي ودلال الخليل.

هذا الواقع التمييزي بين الناشطات دفع بمراقبين إلى التساؤل عن الأسباب والدوافع التي جعلت السلطات السعودية تُفرج عن ناشطات دون أخريات، خاصةً في ظل ضغوطات من جهات حقوقية دولية لإطلاق سراحهنّ، وتقارير عن تعذيبهن وسوء معاملتهن وتعرّضهن للتحرش الجنسي.

سعي لكبح الحراك النسوي

يشير رئيس المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان علي الدبيسي إلى أنّ السعودية ليس لديها معيار قانوني في قضايا الناشطين السياسيين والحقوقيين، إضافة إلى عدم وجود قضاء مستقل، الأمر الذي يجعل قضية الناشطات السعوديات "لعبة في يدّ السياسي"، لافتاً إلى وجود توجه لدى الحكومة السعودية نحو كبح جماح الحراك النسائي في الداخل السعودي، وبالتالي "لا بدّ من وجود عصا غليظة مستمرة على رؤوس النساء، وأمثلة للتخويف والتهريب".

ويقول الدبيسي لرصيف22 إن الحكومة السعودية كانت لديها النية للإفراج عن جميع الناشطات السعوديات، إلا أنّها واجهت إشكالية تتمثل في كيفية عدم تصوير نفسها كطرف مهزوم، في وقت تريد أن تُظهر للعالم والرأي العام أنّها لم تخضع للضغوطات الدولية.

ويضيف الدبيسي أنه "لو كان موضوع الناشطات السعوديات مقتصراً فقط على الضغوطات الدولية، لأفرجوا عن لجين الهذلول، لكنّ الأمر لديه بعد آخر يتمثل في سعي الرياض للحفاظ على صورتها التي باتت مهتزة أمام العالم، وعدم رغبتها في الظهور بموقف الضعف والرضوخ للضغوطات الدولية".

ومن هنا، برأي الدبيسي، سعت السلطات السعودية إلى إيجاد توازن في هذا الملف، عبر محاولة تصوير قضايا الناشطات على أنّها تخضع للمعيار القضائي والقانوني بالدرجة الأولى، وليس للهوى السياسي، أو للضغوطات الدولية.

ويرى الدبيسي أن السعودية تحرص على التعامل مع ملف الحقوقيات والناشطات السعوديات بطريقة حذرة بعدما أثيرت "زوبعة عالمية" حوله في وسائل الإعلام وعبر منظمات حقوقية دولية، وذلك "للخروج بأقل الخسائر الممكنة"، مشيراً إلى أنّ السلطات السعودية، وبدعم من الديوان الملكي السعودي، تسعى إلى تسخير شخصيات وواجهات سعودية عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتضليل الرأي العام حول قضية الناشطات وعلى رأسها قضيتا لجين الهذلول وسمر البدوي.

ويتهم الدبيسي مؤسس مركز الجزيرة العربية علي الشهابي، المقيم في الولايات المتحدة، والذي يصفه بـ"الصوت الناطق باسم السلطات السعودية في الخارج"، بتبرير احتجاز الناشطات السعوديات تحت مبررات واهية.

خشية من تأثير الناشطات

تتزايد مخاوف النظام السعودي يوماً بعد يوم من الإفراج عن الناشطات والحقوقيات المعتقلات، وذلك يرجع بالدرجة الأولى إلى إمكانية مغادرة العديد منهنّ للسعودية، ليتقدمن بحق اللجوء السياسي في دول غربية، ويُعدن الزخم لحملة معارضة سياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

لماذا لا يطلق النظام السعودي سراح كل الناشطات المعتقلات؟... حقوقيون يجيبون ويتحدثون عن قلقه من "المزيد من الحرج الدولي، بحيث أنّ الناشطات سيتحدثن بحرية أكثر عما جرى وحدث لهنّ"
"السلطات السعودية باتت تخشى من التيار النسوي السعودي وتخشى من أن تمتلك المرأة السعودية وعيها واستقلالها لتتحرك نحو واقع أفضل"... لماذا لا يطلق النظام السعودي سراح كل الناشطات المعتقلات؟

ويرى الناشط الحقوقي هاني العبندي أن النظام السعودي يخشى أن يسبب له إطلاق سراح الناشطات "المزيد من الحرج الدولي، بحيث أنّهن سيتحدثن بحرية أكثر عما جرى وحدث لهنّ، وهناك مخاوف من ردود وموجات إعلامية ودولية متصاعدة قد تعكّر صفو السعودية السياسي أمام العالم".

ويقول لرصيف22 إنّ الناشطات اللواتي أُفرج عنهن "يخضعن للرقابة المشددة وتُرصد تحركاتهنّ، ومنهن من تمّ وضع سوار إلكتروني حول معاصمهنّ، إضافة إلى أنّهن ممنوعات من السفر إلى أجل غير مسمى".

ويضيف أنّ السلطات السعودية باتت تخشى من التيار النسوي السعودي وتخشى من أن تمتلك المرأة السعودية وعيها واستقلالها لتتحرك نحو واقع أفضل، وهذا يفسر تصاعد هروب الكير من السيدات، وخصوصاً الفتيات في مقتبل العمر، في الفترة الأخيرة.

الإفراج أمر لازم وحتمي

لا يوجد أي مبرر أو سبب منطقي لاحتجاز الناشطات السعوديات بحسب المراقبين الحقوقيين. يؤكد على ذلك الناشط الحقوقي السعودي ورئيس منظمة القسط لحقوق الإنسان يحيى عسيري.

ويقول لرصيف22 إن السلطات أفرجت عن بعض الناشطات لعدم وجود دلائل وبراهين تثبت التهم الموجهة لهنّ، ويعتبر أن هذه التهم "باطلة وغير صحيحة"، مشيراً إلى حديث محمد بن سلمان، أمام وسائل إعلام غربية وفي اجتماعات مع بعض المسؤولين الأوروبيين، عن أن الناشطات السعوديات يرتبطن بجهات خارجية ويتعاملن مع أجهزة استخبارية أجنبية.

وكانت مديرة الحملات في برنامج الشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية سماح حديد قد وصفت التهم بحق الناشطات بأنها "مثال جديد على انتهاك السلطات السعودية للقانون والنظام القضائي لإسكات الناشطين السلميين وردعهم عن العمل على وضع حقوق الإنسان في البلاد".

ووجهت النيابة العامة للناشطات في 13 مارس 2019 تهم "التواصل مع جهات وقنوات إعلامية معادية، وتقديم دعم مالي لجهات معادية خارجية، وتجنيد أشخاص للحصول على معلومات تضر بمصلحة المملكة"، ومنذ ذلك الحين عُقدت عدة جلسات محاكمة لهنّ دون أن تنتهي قضيتهن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard