لا المال ولا الجنس ولا البنون: طائفة تخلّت بأكملها عن فكرة البقاء على الأرض

الخميس 23 مايو 201906:29 م

 العذرية، والمشاعيّة، والاعتراف بالخطيئة والانفصال عن العالم: قواعد اعتمدها الهزّازون (الشيكرز). فما هي قصة هذه الطائفة؟ ولم علينا أن نتعرف عليها اليوم؟ 

غادر الشيكرز (الهزّازون) انكلترا نحو نيويورك -الولايات المتحدة الأمريكيّة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بحثاً عن التسامح الديني إثر الاضطهاد الذي تعرّضوا له، وأسسوا قرى خاصّةً بهم في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، تحمل كلّ قريةٍ اسماً روحيّاً ويرأسها قائدٌ روحي.

والآن، لم يبق سوى اثنتين من هذه القرى في العالم بعد وفاة قائدتهم الروحيّة فرانسيس كار منذ عامين. واكتسبوا اسمهم shakers، لأنهم "يهتزّون" أثناء صلاتهم، وأيضاً لأنهم هزّوا دعائم الدين التقليدي كونهم أدخلوا الرقص والروحانيات إليه، وطوّروا النظريّة الدينيّة المسيحيّة وخرجوا عن الإيمان التقليدي.

تُفيد تجربة الشيكرز حالياً لأنها تقدّم شكلاً جديداً للعلاقات الاجتماعيّة والنظام السياسيّ، لأننا نعيش في عالمٍ مليءٍ بالاستغلال والقمع سواء الديكتاتوري أو الرأسمالي، كما أن الكوكب ينهار من حولنا ومصير البشريّة مهدّد، فالموارد تقلّ وأعداد الناس تتزايد، وربما ننقرض من على وجه الأرض إن لم نسارع لتغيير شكل حياتنا.

يختلف الإيمان لدى هذه الطائفة عن الشكل التقليدي، إذ يرون أن الذكر والأنثى متساويان في كلّ شيء، وكلاهما يمثّلان صورة الخالق، كما يؤمنون بأن يسوع الناصري ليس إلا ابن لمريم ويوسف النجار، وهو التجلّي المذكّر ليسوع، في حين أن "آن" ابنة حدّادٍ انكليزيّ، هي التجلّي المؤنّث والثاني ليسوع، فلا اختلاف بين الرجل والمرأة كونهما امتداداً لصورة الخالق وإرادته.

 الذكر والأنثى متساويان في كلّ شيء، وكلاهما يمثّلان صورة الخالق وإرادته: من معتقدات طائفة الشيكرز (الهزازين)، التي غيّرت مفاهيم الإيمان التقليدي 

هل العذوبية انتصار للحياة؟ هذا ما تعتقده طائفة "الهزازين" المسيحية، وهي ضمن الفضائل الأربع وهي العذرية، والمشاعيّة، والاعتراف بالخطيئة والانفصال عن العالم

ماذا تقدّم لنا تجربة طائفة الهزازين المسيحية: شكل الحياة القائم على مجتمعاتٍ صغيرةٍ مكتفيةٍ ذاتياً، لا ترى في التكاثر واجباً دينيّاً أو سياسيّاً أو أخلاقيّاً، بل تستبدله بنظامٍ يحافظ على الحياة البشريّة الموجودة الآن

هذا الشكل من الإيمان جعل مجتمعات الشيكرز قائمة على المساواة الكليّة بين الرجل والمرأة، ضمن النظام الديني، إذ لديهم قائدات دينيّات مشهورات، ويشاركن الرجال ذات السلطة، لأن كلاهما متساوون أمام الرب، لكن هذا لا ينطبق على مساحات العمل التي هي مفصولة جنسيّاً، كما أن الأدوار التقليديّة للعمل أيضاً ذاتها، فالرجل يعمل في الخارج والمرأة تعمل داخل المنزل، إلا أنهم يتبنّون تقنيات الزراعة الحديثة، وأساليب الإنتاج الصحيّة والمستدامة، إلى جانب عملهم بالتجارة مع "الخارج"، فهم ليسوا مجتمعاتٍ مغلقةً، بل منفتحة على الآخر ويرحّبون بكل من يودّ الانضمام إليهم، شريطة أن يحترم قوانينهم الدينيّة والأرضيّة.

لا يؤمن الشيكرز بالملكيّة الفرديّة، فكلّ منضمٍّ إليهم عليه أولّاً الاعتراف بذنوبه وأن يعمل في سبيل المجتمع لمنفعة الجميع، فالثروة تتراكم لدى الجميع وليس لدى فردٍ واحد، والأهمّ أنهم اعتبروا الزواج فعلاً غير طاهر ولا بدّ من الابتعاد عنه، فعلى المنضمّين أن يقسموا بالعزوبيّة، بوصفها واحدةً من الفضائل الأربع وهي العذرية، والمشاعيّة، والاعتراف بالخطيئة والانفصال عن العالم، فالاعتراف هو وسيلة للتجدّد الروحي والعزوبيّة تعنيّ الانتصار للحياة.

غياب مفهوم الإنجاب لديهم وانضمام الأفراد الجُدد لمجتمعاتهم، جعلهم يعتمدون على التبنيّ، إذ يُضاف الأفراد على مجتمعهم ولا يتكاثرون، هم يتبنّون أو يجدون أحياناً أطفالاً مجهولين على أبوابهم، فيرحّبون بهم ويربونهم ليصبحوا أفراداً ضمن المجتمع، مساوين لباقي الأفراد، كما أنهم يأخذون اليتامى من المآوي لتربيتهم ضمن بيئةٍ صحيّةٍ ومنفتحة، وحين يصبح الواحد منهم بعمر ال 21 يصبح لديه حرية الاختيار بأن يبقى ضمن المجتمع أو يغادر.

يمكن الاستفادة من تجربة الشيكرز حالياً بوصفها بديلاً عن الشكل الحالي للنظام السياسيّ والاجتماعي، ولا نقصد هنا المفهوم الديني، بل شكل الحياة القائم على مجتمعاتٍ صغيرةٍ مكتفيةٍ ذاتياً، لا ترى في التكاثر واجباً دينيّاً أو سياسيّاً أو أخلاقيّاً، بل تستبدله بنظامٍ يحافظ على الحياة البشريّة الموجودة الآن، ويضمن استمرارها ضمن شروطٍ صحيّة، كما أن التشاركية التي تعتمدها مجتمعاتهم، تجعل من جهد العمل أقلّ قسوة، وتحرّر الإنجاب أيضاً من وظيفته كوسيلةٍ لإنتاج اليد العاملة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard