هل مزج الشعراء الحبّ والمال في وصف الجمال؟

الجمعة 24 مايو 201904:05 م

إنّ العودة إلى التاريخ واستقراء آثاره يساعدنا على الكشف عن سيرورة طبائع الإنسان الساكنة فيه واستجلاء مضامينها، وليس أحسن من الشعراء الذين مهما تلوّن خطابهم إلّا أنّه يحمل الكثير من المسكوت عنه، فيساعدنا على الربط بين قيمتين متباعدتين نظريّاً وواقعيّاً، هما المال والحبّ.

حضرت الناقة كصورةٍ فنّيةٍ عالية الجودة في الشعر الجاهلي ومن بعده الإسلامي، ومن البداهة أن نربط صورة الناقة الشعريّة بالواقع الصحراوي، فهي سفينة الصحراء وهي جوهر معيشتهم، لكنّ الأمر أبعد من ذلك، فالناقة قيمة اقتصاديّة ماليّة، حتّى أنّ الجاهلي كان يطلق عليها لقب المال وهذا هو أبو الكرم العربي حاتم الطائي يربط معنى المال بالناقة، فيقول:

ولا يُنزِل المرء الكريم عياله/ وأضيافه ما ساق مالاً بضرّت

هي بضرّة وكتبت بالتاء المبسوطة لضرورة القافية".

وترتبط القيم الجماليّة مع المال حتّى يصبح الدرهم والدينار تشابيه فنيّة، يُطلب من خلالها المدح والرثاء والكرم، فتقول الخنساء في رثاء أخيها صخر:

كأنّما خلق الرحمن صورته/ دينار عين يراه الناس منقوداً.

من الطبيعي أن تُعتبر الناقة مالاً وأن تُعتبر النخلة حلالاً، وأن يصبح الدرهم والدينار تشابيه شعريّة جماليّة، لكن أن يكون الحبّ توأم المال، فهذا الذي لا نقبله وخاصّة أنّنا ورثنا من ماضينا مفهوم الحبّ العذري، الذي تجاوز الواقع والخيال والطبقات الاجتماعيّة والأنساب والأحساب، حتّى ظنّناه إلهاً لترفّعه عن الدنيا والآخرة، وهذا هو مجنون ليلى يُنشد في الحجّ:

ذكرتُكِ والحجيجُ لهم ضجيجٌ/ بمكّة والقلوبُ لها وجيبُ

أتوبُ إليك يا رحمن ممّا/عملت، فقد تظاهرت الذنوبُ

فأمّا من هوى ليلى وتركي/ زيارتها، فإنّي لا أتوبُ.

الحبّ العذري هو الاستثناء، إن كان واقعاً أو خيالاً، وهذا يعني أن الحبّ ارتبط مع المال بشكلٍ شديدٍ، وإن لم يكن بشكلٍ مباشرٍ ظاهرٍ للعيان، إلّا أن آثار المال والغنى وما يترتّب عليها من تنعّم ورفاهية عيشٍ وانعكاسه على معاش الحبيبة وجمالها، قد كان ظاهراً بشدّة في أشعار الشعراء العشّاق.

يُعتبر النسيب والغزل أهمُّ مظهرين نستجلي من خلالهما توجّهنا البحثي، فمن خلالهما سنرصد أثر المال على جمال الحبيبة من خلال الأوصاف التي ألبسها إيّاها الشاعر، وعلى المنوال نفسه سنرى الهجر والصدّ من الحبيبة نتيجةً لفقر الشاعر، إضافةً لتقدّمه في العمر من خلال ظهور الشيب عليه، لأنّ الشاعر الذي ذهب العمر به ولم يغتنِ وهو شاب، فالمنطق يفرض ألا يغتني بعد ذهاب قوّة الشباب والإصرار والجَلَد.

سنتناول فيما يأتي أثر الرفاه والغنى على جمال الحبيبة الذي أوقع الشاعر في حبّها. ها هو الشاعر الجاهلي بشر بن أبي خازم يصف لنا آثار رفاهية العيش على حبيبته، والمعروف أن حسن التغذية والراحة والتبطّل من نتائجه الحفاظ على الجمال:

من اللائي غُذين بغير بؤس/ منازلها القصيمة فالأُوار

غذاها قارص يجري عليها/ ومحض حين تبتعث العشار.

وإنْ جئنا إلى الزمن الإسلامي، لنا في عمر بن أبي ربيعة خير مثالٍ كتعبير عمّا ذهبنا فيه بربط الجمال والحبّ بالمال:

مبتّلة صفراء مهضومة الحشا/ غذاها سرور دائم ونعيم.

إنّ العشيقات اللواتي يتغزّل الشعراء بهن ومن خلال الكلمات المستخدمة بأشعارهم نلاحظ أثر المال على جمال العشيقات، فالغذاء الجيّد يرتّب صحّةً ونضارة بشرة، لن تحوز هذه الصفات الأنثى الفقيرة ونتبيّن ذلك من قول بشر: " من اللائي غُذين بغير بؤس ".

وإذا انتقلنا من جودة الغذاء إلى التبطّل والكسل الذي أورث النساء الثريّات صُفرةً محبّبة وحُمرةً مرغوبة، لن نراها عند الأنثى الفقيرة، فقال المرقّش الأصغر:

لا تصطلي النار بالليل ولا/ تُوقظ للزاد، بلهاء نؤوم.

وقال بشار بن برد:

وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش/ ببؤس ولم تركب مطية راع

من البيض لم تسرح على غنّة/ وقيراً ولم ترفع حداج قعود.

المال يكسي صاحبه ثياباً من حريرٍ وخزٍّ وعقوداً وجواهر ويعطّره بأجمل العطور ويمتّعه بالنظافة والاستحمام متى شاء، وهكذا نرى معشوقات الشعراء، يرفلن بالحرير والخزّ ويتقلّدن الجواهر والذهب ولهنّ في كلّ ليلة حمّام.

يقول المرقّش الأصغر:

في كلّ ممسى لها مقطرة/ فيها كباء معدّ وحميم.

أمّا امرؤ القيس، فيصف لنا كيف تنشر حبيبته العطر الأذفر:

وريح سناً في حقّة حميريّة/ تخصّ بمفروك من المسك أذفرا.

"من اللائي غُذين بغير بؤس": نعتقد بأن الحب والمال قيمتين متباعدتين في المخيلة العربية، ولكنهما حقيقة مترابطتان: فنجد الشعراء يتغنون بأثر المال والترف والرفاه على جمال الحبيبة

كان الكسل صفة جماليّة لدى الشعراء لأنه من نتائج الترف والمال، ومثله السمنة والبياض والصفرة الشاحبة والنعومة للجسد وخاصة الأصابع، فهي كلها من معايير الجمال لارتباطها بالغنى

تقول القصة بأنّ الخليفة الأموي  عندما رأى بثينة جميل ولم ير فيها الجمال الذي وصفه جميل، استغرب ذلك! فردّت بثينة: إنّك لا تنظر إليّ بعين جميل! فكيف كانت معايير الجمال في العصور الأولى؟

إنّ الجمال الذي عهدناه لدى معشوقات الشعراء الناتج عن التنعّم والرفاهية نتيجة الغنى والمال، أنتج صورةً شعريّةً غايةً في الروعة نقلها الشعراء من الزمن الجاهلي إلى الإسلامي، فالرفاهية التي تعيشها العشيقة جعل من نعومة جسدها غايةً في الرقّة، حتّى أنّ صغار النمل أو الماء أو الضوء وحتّى التوهّم يؤثّر فيه، والأصل في هذه الصورة امرئ القيس:

من القاصرات الطرف لو دبّ محْوِل/ من الذّر فوق الأتب منها لأثرا.

الغنى يرتب التبطّل والكسل وهاتان الصفتان جماليّتان لدى الشعراء ولقد أنتجتا صفاتٍ عديدةً للأنثى أُعجب بها الشعراء، من السمنة والبياض والصفرة الشاحبة والنعومة للجسد وخاصة الأصابع. وفي ذكر الكسل قال أحد الشعراء:

تمشي إلى نحو بيت جارتها/ واضعة كفّها على الكبد

وقال آخر: وإذا تمشي إلى جارتها/ لم تكد تبلغ حتّى تنبهر

بعدما تقدّم رأينا ارتباط الجمال بالمال، الذي يؤدّي إلى عشق الشعراء للإناث الثريّات وكيلا نظلم الذكور، فلنلحظ ما قيل على لسان الشعراء عن أحوال النساء اللواتي هجرن عشاقهن بسبب فقرهن.

يقول امرؤ القيس:

أراهن لا يحببن من قلّ ماله/ ولا من رأين الشيب فيه وقوسَا

وهذا أحيحة بن الجلّاح وهو من أغنياء يثرب يقول:

أطعت العرس في الشهوات حتّى/ أصارتني أسيفاً عبد عبد

إذا ما جئتها قد بعت عذقاً/ تعانق أو تقبّل أو تفدّي

ولنا في أسطورة الثريّا خير دليل على النظرة الاقتصاديّة التي من الممكن أن تحكم نظرة الأنثى إلى الذكر، فالثريّا التي خطبها نجم الدبران من القمر وكان معدماً فقيراً رفضته لعوزه قائلة: "ماذا أصنع بهذا السبروت".

وهذه أنثى أخرى ينقل لنا كلامها، الشاعر نبيه بن الحجاج، بعدما صدّته لفقره:

قالت سليمى إذ طرقت أزورها:/ لا أبتغي إلّا امرأً ذا مالِ

لا أبتغي إلّا امرأً ذا ثروة/ كيما يسدّ مفاقري وخلالي

ليس تطرّفاً ما ذكرناه أعلاه بل هو حالة شائعة من العصر الجاهلي إلى زمننا الحالي، ولكنها ليست الوحيدة، فعندما رأى الخليفة الأموي بثينة جميل ولم ير فيها الجمال الذي وصفه جميل، فاستغرب ذلك! فردّت بثينة: إنّك لا تنظر إليّ بعين جميل!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard