القذافي لم يمت تماماً، على ما يبدو...

الاثنين 20 مايو 201904:24 م
Read in English

سقط الدكتاتور الليبي، والذي هو في أعين البعض بطلٌ قوميٌّ، وهذه قصّةٌ أخرى.

وارتدينا حلّة الديمقراطيّة للمرّة الثانية في تاريخ ليبيا المعاصر، وفي كلتا المرّتين لم يكن هنالك أحزابٌ أو مرشحّون حقيقيّون في البلد، وهذه هي القصّة الرئيسيّة هنا، الديمقراطيّة في ليبيا ليست حقيقيّةً مطلقاً.

ففي سنة 1952 تمّ إلغاء الأحزاب بسبب أحداث الشغب بعد إلغاء نتائج الانتخابات حينها، نسبة الأمية في ليبيا وقتها كانت تتجاوز 75 % عند الذكور، و95 % عن الإناث، حيث كان الناخبون يعطون أصواتهم للمرشحين حسب ألوان قوائمهم.

وهذه ديمقراطيّة في دولةٍ لا تمتلك دستوراً ولا يوجد فيها أحزاب، أضف الى ذلك، حريّات مقيّدة بقيود القبيلة والدين، ولكلاهما سلطةٌ قاهرةٌ تفوق سلطة الجميع.

وفي سنة 2012 تمّ انتخاب المؤتمر الوطني العام بنسبة مشاركة 82 %، في مجتمع نسبة الأمية فيه 9 %، وهذه المرّة أيضاً بدون وجود أحزاب، كان الناخبون هنا أيضاً يعطون أصواتهم للمرشّحين حسب ألوان قوائمهم أيضاً، لكن هذه المرّة كان اللون هو القبيلة.

وبين الانتخابيْن عاشت ليبيا أكثر من أربعة عقود تحت حكم نظامٍ (موناركي/ أوليغارشي) شمولي يحرّم الحزبيّة، ويعتبر الانتماء لحزبٍ سياسيٍ جريمةً عقوبتها الإعدام، ففي كتاب القذافي الأخضر: " من تحزّب خان"، و"الحزبية إجهاضٌ للديمقراطيّة "، ديمقراطيّة القذافي كانت شيئاً آخر كعادة كلّ شيء في ليبيا.

على امتداد 60 عاماً تغيّر كلّ شيءٍ، لكنّ شيئاً لم يتحرّك من مكانه.

ولنبدأ رواية القصّة من أوّلها.

لكي تكون لديك دولةٌ فأنت تحتاج ثلاثة أشياء: قطعة أرضٍ فارغةٍ، شعباً يملأ الفراغ، وحكومةً، الأمر بهذه البساطة، ليبيا ترتيبها 15 من حيث المساحة، والترتيب 108 عالميّاً من حيث عدد السكان، واليوم لديها ثلاث حكومات في وقتٍ احدٍ بعد سقوط دولة القذافي، لكن لكي يكون لديك ديمقراطيّة يجب أن تمتلك أكثر من ذلك.

من حيث المبدأ يجب أن يكون لديك أوّلاً: صحافة نشأت في بيئة اقتصادٍ حرٍّ، وليبيا دولة ريعيّة، الصحافة فيها أداة في يد الدولة، ثانياً: دستور يكفل الحريّات الثلاث الرئيسيّة والتي لا تلعب الديمقراطية فيها دوراً إطلاقاً، الحريّة الشخصيّة، الحريّة السياسيّة، والحرية الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وفي ليبيا هذه الحريات أيضاً مقيّدة بسلطة القبيلة.

وقعنا جميعنا في الفخّ، وأحدّثكم عن تجربةٍ شخصيّة، حيث قمت ومجموعة نشطاءٍ حقوقيّين ليبيراليين بإنشاء مجموعة حراكٍ مدنيٍّ سمّيناها " تنوير"، وأعلنّا بعدها إنشاء "المنتدى الليبرالي الليبي للديمقراطيّة " في سبتمبر 2011، وليكون هذا خطأ عرفنا فداحته عندما أقمنا أوّل (وآخر) ملتقى مفتوحٍ في يوليو 2012، لنجد أنفسنا في قاعة محاضراتٍ، محاصرين بكلمات ضيوفٍ اتضح أنّ نصفهم إسلاميّون ونصفهم الآخر يعتقد أنه في مؤتمرٍ للإسلاميين.وهذه ديمقراطيّة في دولةٍ لا تمتلك دستوراً ولا يوجد فيها أحزاب، أضف الى ذلك، حريّات مقيّدة بقيود القبيلة والدين، ولكلاهما سلطةٌ قاهرةٌ تفوق سلطة الجميع.

جميع يكرّرون نفس الجمل والملاحظات، حيث كان الاختيار مبنيّاً بالدرجة الأولى على لقب المرشّح واسم عائلته. باختصار، لقد كانت حملة زعامةٍ بين القبائل، الغاية منها فقط غسيل أموال غنائم الحرب الليبيّة.

الديمقراطيّة في مجتمعٍ لم يستوعب سكاّنُه فكرةَ التعايش المشترك ليست سوى فخٍّ يصعب الفرار منه، وفكرةٌ تطبيقها سيء كونها أسّست لدولة (ديمقراطية/ أوليغارشيّة القبيلة)، وهي أسوأ أنواع الدكتاتوريّات حقيقةً.

ديمقراطيّة القبائل ليست ديمقراطية الشعب، فخيارات القبائل دائماً تصبُّ في مصلحة "نادي القبيلة"، الأمر الذي يجعل تجربة الديمقراطيّة نفسها، ليست سوى مجرّد فخّ.

لم نهتمّ للمشاركة في أوّل انتخابات بعد سقوط القذافي في السابع من يوليو 2012 ببساطة، لأننا كنا نمتلك مشروعاً واضحاً لم يكن هنالك أحدٌ يشجّعه، بينما لم يكن أيّ من المرشّحين الآخرين يحمل سوى اسمه، فهذا على سبيل المثال مرشّحٌ يوزّع بطاقاتٍ دعائيّةً يتحدّث عن توفير الرخاء لسكان جمهورية مصر، بعد أن قام بنقل مشروعه كاملاً من ورقة مرشّحٍ في الانتخابات المصريّة، ومرشّحٌ آخر يتحدّث عن تأييده لحريّة المرأة وفي نفس الوقت يطالب بتطبيق الشريعة ووجوب اعتبارها قانوناً فوق الدستور، وآخر يقول في منشوره الدعائي أنه يرى أن شخصيّات مثل عمر بن الخطاب الخليفة الإسلامي، عمر المختار المقاتل الليبي زمن الاستعمار الإيطالي، وأدولف هتلر الزعيم النازي، قدوته ومصدر إلهامه!

إنها ضوضاء لا يستطيع أحد تحمّلها، الديمقراطيّة فيها فقط هي الكلمة ساكتة.

إن ديمقراطيّة القبائل خطيرة جداً، خطورة وجود القبيلة نفسها في جسم الدولة.

لكن المُثير للسخرية هو ما حدث في تلك الانتخابات، كانت المقاعد موزّعة نصفين غير متساويين، نصف للقوائم (أو الأحزاب)، ونصف آخر للأفراد، ولم يعلن أيُّ مرشّحٍ توجّهَه السياسي، هل هو يمين أو يسار، قومي أو إسلاميّ، محافظ أم تقدّمي، اشتراكي أم جهادي؟ الجميع يكرّرون نفس الجمل ونفس الكلمات ونفس الملاحظات، حيث كان الاختيار مبنيّاً بالدرجة الأولى على لقب المرشّح واسم عائلته. باختصار، لقد كانت حملة زعامةٍ بين القبائل، الغاية منها فقط غسيل أموال غنائم الحرب الليبيّة، لكن في طرابلس تحديداً حدث شيءٌ آخر، طرابلس كانت المدينة الوحيدة الباقية في ليبيا، إذ أن بقية المدن ليست سوى تجمّعاتٍ سكنيّة قبليّة لا غير.

أو هكذا كان حزبنا الليبرالي، الذي اختار أن تكون طرابلس مقرّاً له، يعتقد، قبل أن يفرَّ كلّ أعضائه المؤسّسين بجلدهم الى أوروبا، تحديداً إلى ألمانيا وفنلندا.

القذافي لم يمت بالكامل على ما يبدو، فبعد أن انقسم الشعب الليبي إلى نصفين، نصف ينتظر من جثّة القذافي أن تبتسم، ونصف آخر يخافها أن تستيقظ، كان تأثير القذافي واضحاً في طرابلس والتي تحوّلت من مدينة إلى مستعمراتٍ قبليّةٍ صغيرة، بفضل دعم القذافي لهجرة القبائل للعاصمة على امتداد أربعة عقودٍ من حكمه.

وكان للأمر تأثير كارثي على أوّل انتخابات حدثت بعد موته، لشرح الأمر نحتاج خريطةً مسطّرة، لرسم معالم ديموغرافيا طرابلس القبليّة في القرن الواحد العشرين.

سكّان شرق طرابلس مثلاً ينتمون جميعاً لقبائل ترهونة، وترهونة هي تجمّعٌ قبليٌ يقع شرق طرابلس يحمل اسم مدينة، وغرب طرابلس بلدة من بلدات الأمازيغ، حيث يستوطن هؤلاء الجبل الواقع غرب طرابلس أيضاً في تجمعاتٍ قبليّة تحمل أسماء أكثر من مدينةٍ، هذان مثلان صغيران يمكن القياس عليهما في عموم طرابلس وليبيا أيضاً.

وبناءً عليه تمكّن أمازيغي من أن ينال كرسي منطقة غرب طرابلس فقط لأنه أمازيغي، ولم يكن هنالك أحدٌ من الناخبين يهتمّ بحقيقة انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، رغم أن هذه المسألة هي الأجدر بالاهتمام، والمبرّر الوحيد ليفوز بمنصبه من عدمه.

كانت الأصوات تُمنح بناءً على لقب العائلة وأحياناً طول اللحيّة.

الديمقراطيّة في مجتمعٍ لم يستوعب سكاّنُه فكرةَ التعايش المشترك ليست سوى فخٍّ يصعب الفرار منه، وفكرةٌ تطبيقها سيء كونها أسّست لدولة (ديمقراطية/ أوليغارشيّة القبيلة)، وهي أسوأ أنواع الدكتاتوريّات حقيقةً.

أتعلمون مثلاً أن قبيلة مصراتة استغلّت الديمقراطيّة للثأر من مقتل زعيمٍ لها قبل 100 عام، ورفع صورته عالياً على أسطح منازل قبيلة القاتل (قبيلة بني وليد)، عن طريق قرار رقم 7 للمؤتمر الوطني عام 2013 من أوّل جسمٍ منتخبٍ بعد الحرب الأهليّة الليبيّة 2011، مبرّرةً اجتياح المدينة بالبحث عن جثّة ابن القذافي للمرّة السابعة، في معركةٍ كلّفت أكثر من 80 قتيل و400 جريح مدني، ولم يجد أحد جثّة ابن القذافي حتى اليوم.

لقد كانت تجربة الديمقراطيّة في ليبيا محاولةً فاشلةً لجعل ليبيا دولةً عصريّةً من الخارج

إن ديمقراطيّة القبائل خطيرة جداً، خطورة وجود القبيلة نفسها في جسم الدولة.

لقد كانت تجربة الديمقراطيّة في ليبيا محاولةً فاشلةً لجعل ليبيا دولةً عصريّةً من الخارج، فالتفسير القَبَلي لفكرة الديمقراطيّة هو الحصول على النصيب الأكبر لا الحصول على مقدار الشراكة الأكبر، حيث تفرض العادات والتقاليد المقيِّدة للفرد ضمن منظومة القبيلة للحفاظ على التجانس، وخوفاً من ضياع المميزات التي تملكها القبيلة وأفرادها تبعاً لذلك، تفرض زيادة فكرة القرار الجماعي ضدّ القرار الفردي، حيث لا يُخفى على أحد عمق منظومة الاستبداد التي تؤسّس لها فكرةُ النَسَب الواحد، والولاء لهذا النَسَب الوهمي في كثيرٍ من الحالات، والتي تبني عقليّة القبيلة والعصبيّة المناقضة لفكرة الديمقراطيّة والدولة المدنيّة من جذورها.

فالقبائلي، كما تقول على سبيل المثال آن بنلت في كتابها (قبائل بدو الفرات، 1878): "يرى نفسه عضواً في نادٍ لا في مجتمع، وطالما هو عضو في قبيلة عليه أن ينصاع لأحكامها وضوابطها"، وديمقراطيّة القبائل ليست ديمقراطية الشعب، فخيارات القبائل دائماً تصبُّ في مصلحة "نادي القبيلة"، الأمر الذي يجعل تجربة الديمقراطيّة نفسها، ليست سوى مجرّد فخّ.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard