من دارا الأول إلى الخامنئي... محطات مفصلية في تاريخ الصراع بين الفرس والغرب

الاثنين 20 مايو 201904:59 م

مع تصاعد حدة التجاذب بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وزيادة التوقعات باحتمالية اندلاع مواجهة عسكرية قريبة بينهما، يعيد البعض التذكير بأن الصراع الحالي ليس إلا تجلياً جديداً من تجليات العلاقة التنافسية-العدائية بين بلاد فارس من جهة، وأوروبا من جهة أخرى، وهو تنافس لم يتوقف على مدار التاريخ، حتى أضحى لازمة لفهم تطور العلاقة بين الشرق والغرب.

ماراثون وسلاميس... الصدام الأول

في الربع الأخير من القرن السادس قبل الميلاد، وصل الملك الفارسي دارا الأول إلى السلطة في بلاد فارس، وبدأ العمل على إقامة إمبراطورية ضخمة شملت مصر وبلاد فارس وفلسطين وسوريا والعراق.

لم يكتفِ دارا بفرض سلطته على أقاليم الشرق الأدنى القديم فحسب، بل مدّ نفوذه إلى الأناضول وآسيا الصغرى، وسيطر على المدن الأيونية اليونانية في قبرص وساحل آسيا الصغرى، والتي كانت حلقة الوصل بين العالمين الغربي والشرقي حينذاك.

مدن اليونان الكبرى في ذلك العصر، مثل أثينا وإسبرطة، حرّضت المدن الأيونية على الثورة ضد "الطغيان الفارسي"، وساعدت على إثارة اضطرابات وقلاقل فيها، بحسب ما يذكر المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في كتابه "قصة الحضارة"، ونتج عن ذلك أن دارا الأول وجّه أنظاره ضد بلاد الإغريق نفسها، وسعى للاستيلاء عليها ليحقق بذلك السيادة الكاملة على عالم البحر المتوسط.

عام 490 ق.م، بدأت الحروب الفارسية اليونانية، والتي عُرفت باسم الحروب الميدية، عندما حشد دارا مئات الآلاف من مقاتليه، ووصل بهم إلى اليونان وتقابل مع جيوش أثينا في معركة ماراثون التي انتهت بهزيمة الفرس وانسحابهم إلى بلادهم.

وعام 480 ق.م، وعقب وفاة دارا الأول وتربّع ابنه أحشويروش الأول على كرسي الحكم، انهزمت أساطيل الفرس مرة أخرى في معركة سلاميس البحرية أمام الأسطول الموحَّد للمدن اليونانية.

في الحقيقة، يمكن القول إن الحرب الفارسية اليونانية في تلك المرحلة، كانت حرباً معقدة إلى أبعد حد، فهي لم تكن مرتبطة بالخلافات والصراعات السياسية فقط، بل أيضاً بالاختلاف في بنيتي المجتمعين وبالتباين الواسع في الأفكار السائدة في كل من العالمين الفارسي واليوناني.

في كتابه "نصوص حول أشكال الإنتاج ما قبل الرأسمالية" يلقي كارل ماركس الضوء على الاختلاف بين الفرس واليونانيين في تلك المرحلة، من خلال دراسة نمط الإنتاج السائد عند كل منهما، ويوضح أن الإمبراطورية الفارسية اعتمدت على "نمط الإنتاج الآسيوي"، وهو نظام اقتصادي يعتمد على جباية الخراج من الأراضي الزراعية، ويهتم بإقامة السدود وحفر الترع والقنوات، وينظم مواعيد الري بين المُلاك والمزارعين، ومن ثم كان من الطبيعي أن يتمخض هذا النمط الاقتصادي عن نظام سياسي ديكتاتوري سلطوي، تتأصل فيه سلطة الفرد الواحد، ويُقدَّس فيه الإمبراطور ليصبح شبه إله، لا تُرَدّ أوامره ولا تُناقَش.

في المقابل، عرفت بلاد اليونان نمطاً اقتصادياً مختلفاً، وهو ذلك الذي مورست فيه الصناعة والتجارة على نطاق واسع، ما سمح بازدهار الروح الفردية، ونتج عن ذلك ظهور الديمقراطية والتشاركية السياسية.

الصراع بين الفرس واليونانيين إذن كان صراعاً بين نمطي إنتاج مختلفين، أو بين عالمين متوازيين، وكانت الحروب الميدية هي نقطة التماس الرئيسة بينهما.

الإسكندر الأكبر وتدشين الحضارة الهلينستية

استطاع فيليب المقدوني أن يوحّد جميع المدن اليونانية تحت سلطته في النصف الأول من القرن الرابع قبل الميلاد. وبعد وفاته، عام 336 ق.م، استلم إبنه الإسكندر الراية، فوجّه أنظاره صوب المشرق، وكان من الطبيعي أن يتمثل طموحه الأكبر في السيطرة على الإمبراطورية الفارسية التي لطالما مثّلت من قبل مصدر التهديد الرئيسي لليونانيين.

بدأ الإسكندر في العمل على تحقيق مشروعه الضخم، فانتقل مع جيشه إلى السواحل الجنوبية للبحر المتوسط، ودخل في حروب متوالية ضد الفيالق الفارسية المنتشرة في مصر وفينيقيا وبلاد الرافدين، واستطاع أن يُلحق بهم الهزيمة تلو الهزيمة، ثم تمكن عام 331 ق.م من تحقيق نصر باهر على الإمبراطور الفارسي دارا الثالث في معركة غوغميلا في العراق، لينفتح أمامه الطريق نحو بلاد فارس نفسها، وليدخل إلى عاصمتها بيرسيبوليس منتصراً، ويُنهي عصر الأخمينيين ويفتتح عهداً جديداً في تاريخ الشرق الأدنى القديم.

إنجازات الإسكندر الأكبر الحربية لم تقتصر على الساحة السياسية فحسب، بل مهّدت لعصر جديد سمّاه المؤرخون بالعصر الهلينستي، وهو عصر تداخلت فيه المؤثرات الحضارية اليونانية من جهة مع مثيلاتها الشرقية عموماً، والفارسية خصوصاً، وشهد هجرة أعداد كبيرة من اليونانيين ليستوطنوا مدن وأقاليم الشرق الأدنى، وليحدث امتزاج ثقافي مهم، لم يكن من الممكن تخيّل تحققه بدون المواجهات الحربية الشاملة التي دارت بين القوتين اليونانية والفارسية، بحسب ما يذكر و. و. تارن في كتابه "الحضارة الهلينستية".

الساسانيون والبيزنطيون... صراع مهّد لانبعاث الإسلام

في القرن السادس الميلادي تجدد الصراع الدامي بين الشرق الفارسي والغرب الأوروبي، في صورة الحروب المتواصلة بين الساسانيين والبيزنطيين.

ظهر الساسانيون في إيران مع مطلع القرن الثالث الميلادي، وحلموا باستعادة إمبراطورية دارا الأول الغابرة، فسيطروا على إيران وأجزاء من الهند وآسيا الوسطى، أما البيزنطيون فكانوا يحكمون، من عاصمتهم القسطنطينية، معظم أقاليم الشرق الأدنى القديم.

في منطقة الهلال الخصيب، دارت حرب بالوكالة بين القوتين، ممثلةً في مناذرة الحيرة الموالين للفرس، وغساسنة الشام حلفاء البيزنطيين، أما في آسيا الصغرى والأناضول فقد اندلعت العديد من المعارك بين الإمبراطوريتين، وتبادل الطرفان النصر والهزيمة مراراً، وكانت كل من مصر وسوريا والعراق مناطق نفوذ متبادل بينهما.

آخر الحروب التي دارت بين الساسانيين والبيزنطيين كانت تلك التي امتدت بين عامي 603م و628م، وانتهت بعقد الصلح بين الطرفين، بحسب ما يذكر الباز العريني في كتابه "الدولة البيزنطية".

ورغم أهمية البعد السياسي في تفسير حالة العداء المستمر بين الطرفين، إلا أن هناك مجموعة أخرى من العوامل التي توضح طبيعة ذلك الصراع، منها محاولة كل منهما السيطرة على طريق الحرير، وهو الطريق التجاري الأهم الذي تُنقل من خلاله البضائع من الشرق الأقصى إلى البحر المتوسط، والذي كان مَن يسيطر عليه يجني أرباحاً وعوائدَ ضخمة، بحسب ما يذكر ستيفن رنسيمان في كتابه "تاريخ الحضارة البيزنطية".

أيضاً، كان الاختلاف الديني أحد الأسباب المهمة لمواصلة هذا الصراع، إذ سارع أباطرة فارس، رغم اعتناقهم الزرادشتية، لدعم المسيحيين النساطرة الذين كانو مضطهَدين في أقاليم الإمبراطورية البيزنطية، فأقاموا لهم كنيسة المشرق التي عُرفت أيضا باسم كنيسة فارس أو الكنيسة النسطورية، وتم استغلال العداء المذهبي مع كنيسة القسطنطينية في سبيل إذكاء نيران الحرب بين القوتين العظميين، بحسب ما تذكر نهاد خياطة في كتابها "الفرق والمذاهب المسيحية منذ البدايات حتى ظهور الإسلام".

الحروب المتلاحقة بين الساسانيين والبيزنطيين، تسببت في إضعافهما معاً، ومن هنا كانت الفرصة مواتية لظهور قوة إقليمية جديدة فتيّة تحل محلهما في منطقة الشرق الأدنى، وهي قوة العرب الذين توحدت قبائلهم مع انتشار الرسالة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية وتأسيس دولة الخلافة في الربع الأول من القرن السابع الميلادي.

الحروب بين الفرس الساسانيين والغرب البيزنطي تسببت في إضعافهما معاً، ما مهّد لظهور قوة إقليمية جديدة فتيّة تحل محلهما في منطقة الشرق الأدنى، وهي قوة العرب الذين توحدت قبائلهم مع انتشار الإسلام
يعيد البعض التذكير بأن الصراع الحالي بين أمريكا وإيران ليس إلا تجلياً جديداً من تجليات العلاقة التنافسية-العدائية بين بلاد فارس من جهة، وأوروبا من جهة أخرى، وهو تنافس لم يتوقف على مدار التاريخ

في التاريخ المعاصر... من مصدق إلى الخميني

استمرت العلاقة الجدلية الشائكة بين بلاد فارس وأوروبا في العصر الحديث، وربما كانت المراسلات الودية المتبادلة بين حكام إيران الصفويين وملوك أوروبا في القرن السادس عشر الميلادي، والتي نوقشت فيها سبل التنسيق لقتال العدو العثماني المشترك، هي الحالة الأكثر شذوذاً واختلافاً عن المسار الاعتيادي للعلاقات العدائية الطويلة بين الفرس والغرب.

في أواسط القرن العشرين، حانت واحدة من أهم لحظات التفاعل التاريخي بين الإيرانيين والغرب، عندما قام رئيس الوزراء الإيراني الدكتور محمد مصدق، بالإعلان عن تأميم صناعة النفط الإيراني، والتي كانت تخضع بشكل كامل لشركة النفط الأنكلو-إيرانية، المملوكة من بريطانيا العظمى.

مصدق الذي كان من أصحاب التوجهات القومية وجد أن الحل الوحيد لتوفير الإمكانيات اللازمة لدعم مجالات الصحة والتعليم والصناعة في بلاده، هو تأميم صناعة النفط، ودخل في صراع قوي مع الشاه محمد رضا بهلوي وحلفائه الإنكليز والأمريكيين، وانتهى ذلك الصراع بتدبير عملية استخبارية أمريكية- إنكليزية، خُطط لها على أعلى مستوى، وسُميت بعملية أجاكس، وانتهت بعزل مصدق من منصبه، وإلغاء قراراته بخصوص تأميم النفط، بحسب ما تذكر آمال السبكي في كتابها "تاريخ إيران السياسي بين ثورتين".

إثر سقوط مصدق، صاحب التوجه القومي الوطني، تصاعد الموقف الإيراني الشعبي المعادي للتدخلات الغربية في ستينيات القرن العشرين وظهر رجل الدين الشيعي روح الله الخميني المعارض لتوجهات الشاه المرتمي في أحضان أمريكا وأوروبا وإسرائيل.

الخميني، الذي نُفي وتنقّل بين تركيا والعراق وفرنسا، عاد إلى طهران بعد أن نجحت الثورة الإسلامية عام 1979، وأعلن عداءه للإدارة السياسية الأمريكية، بسب إقدامها على علاج الشاه المخلوع في واحد من مستشفياتها، وترتب على تصاعد وتيرة النبرة العدائية التحريضية، قيام مجموعات من طلبة الجامعات الإيرانية باحتجاز العشرات من موظفي السفارة الأمريكية في طهران لمدة 444 يوماً، في واحدة من أشهر الأزمات الدبلوماسية في التاريخ الحديث.

الخطاب التقليدي لمرشد الثورة الإيرانية تمثل في التأكيد على ضرورة مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، ومن ذلك قوله "لا ينبغي الغفلة عن أمريكا، وهذا يستوجب أن نوظف جميع طاقاتنا وقوانا وقدراتنا لمواجهة خطر أمريكا، وأن نوجه كل هتافاتنا وتظاهراتنا ضد هذا الخطر. فهتاف ‘الموت لأمريكا’ يجب أن يُطلَق باستمرار وبصورة جماعية، حتى يزول الخطر ويُعجل في فنائها".

وحرص الخميني على ربط الخطوط العريضة لسياسته المعادية للغرب بالمشروع الإسلامي، فقال: "أمريكا والكيان الإسرائيلي يعاديان أصل الإسلام لأنهما ينظران إلى الإسلام والقرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة على أنها تمثل شوكة وحجر عثرة في طريق مصالحهما، وسدّاً منيعاً لوقف نهب ثروات العالم الإسلامي، والثورة الإسلامية في إيران انتصرت بفضل تمسكها بالقرآن المجيد والسنّة الشريفة وتصدّيها المستمر لأمريكا والكيان الإسرائيلي".

هكذا، أضحى الخطاب الإيراني المعادي للولايات المتحدة أحد أهم ثوابت ومكتسبات الثورة الإيرانية، وورثه مرشد الثورة الإيرانية علي الخامنئي من الخميني، وهو الأمر الذي ردت عليه الولايات المتحدة بالمقابل من خلال انتقادها الدائم لنظام ولاية الفقيه، ووصفها لإيران بأنها إحدى الدول المارقة، بالإضافة إلى فرض العديد من العقوبات عليها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard