أن تنتظر الحرب في إيران..طوابير على السكر ومعارك على الحجاب

الأحد 19 مايو 201903:52 م

فيما تُقرع طبول الحرب في الخليج، في إيران وجاراتها، يمضي الشعب الإيراني مهموماً بتوفير لقمة العيش وبالصبر أمام طوابير الانتظار الطويلة عند محلات بيع السكر في ظل اقتصاد منهك، بعيداً كل البعد عن الشعارات السياسية التي تتوعد بالردّ الحازم على خطابات الوعيد القادمة من واشنطن وعواصم أخرى.

مع وصول حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لنكولن إلى مياه الخليج وتسريب الإعلام الأمريكي معالم الخطط الأمريكية للمواجهة المحتملة في الخليج لا سيما احتمال إرسال 120 ألف جندي إلى الخليج (تقرير نيويورك تايمز)، يشعر الداخل الإيراني بالخوف من المجهول متوجساً من التهور الرسمي. البعض في إيران محبط قبل اندلاع الحرب ورغم تراجع حدة نبرة المسؤولين في إيران كما في دول خليجية مجاورة في الساعات الأخيرة، إلا أن تبادل شريط مصور لوزير الإعلام العراقي الأسبق محمد سعيد الصحاف عشية سقوط بغداد عام 2003 يتحدث فيه بالإنكليزية "قتلنا معظمهم وأشعر كما هي العادة أننا سنقتلهم"، جعل البعض يبادر بتشبيه المسؤولين في إيران بالصحاف الذي اقترنت تصريحاته المبالغ فيها بسقوط بغداد في وقت لاحق، فيما اعتبر البعض أن التلويح بالقوة العسكرية والعجز عن السيطرة على سعر رغيف الخبز لا يعكس حقيقة الشارع الإيراني.

المؤيدون للنظام الإيراني على العكس، يحاولون بث التفاؤل،  فبلادهم تقف بمفردها نداً لند مع الدول العظمى دون استسلام، وبدورهم يتبادل هؤلاء خارطة الخليج والقواعد الأمريكية التي تحيط بإيران من كل جانب، مقللين من شأن جيرانهم العرب معولين على القوة العسكرية الإيرانية.

متفائل أو متشائم مؤيد للنظام أو معارض له، لا أحد في إيران يرغب حقيقةً في خوض غمار الحرب فتجربة الحرب مع العراق في ثمانينات القرن الماضي أنهكت الشعب وأفقدته آلاف الشبان وأضعفت الاقتصاد وأوقفت مسيرة تطور البلاد. صور الشهداء في الشوارع لاتزال شاهدة على تلك الأيام، وأعاد مناخ التوتر اليوم حكايات الحرب العراقية الإيرانية ومآسيها. البعض يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي عن وجبات الطعام القليلة آنذاك وعن معضلة الأدوية وانتشار العصابات. لا شيء جميل في الحرب ينشر الناشطون على وسم #لا_للحرب_على_إيران.

في الأسواق الإيرانية الأسعار كما هي دون قفزات عالية مع قرع طبول الحرب، لكن ارتفاع سعر العملات الصعبة مستمر، فالأوضاع الاقتصادية المتردية منذ أكثر من عام لم تعد مفاجئة لأحد، من الممكن أن تختفي البضائع من السوق في أي لحظة لتعود بعدها دون سبب.

معارك داخلية

ينتقد البعض في البرلمان والإعلام الإدارة السياسية في إيران وطريقة تعاملها مع الأزمة، يعتبر هؤلاء التصعيد الحالي يخدم مصالح  أطراف أخرى في المنطقة. بوضوح غرد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان حشمت الله فلاحت بيشه مستنكراً ركوب تلك الأطراف موجة التوتر داعياً لمفاوضات عبر وسيط عراقي أو قطري، وبعد ساعات من هذا التصريح خرج مسؤول من المجلس الأعلى للأمن الإيراني ليعتبر ما قاله فلاحت بيشه وجهة نظر شخصية.

ما دفع هذا البرلماني لعرض رغبته في المفاوضات هو تخفيف الأزمة في الداخل الإيراني، فشبح الحرب مرعب ولا أحد يرحب بالمعركة مع الخارج، فالمعارك الداخلية لا تزال عالقة دون حل.

المعركة الاقتصادية تبدو فيها إيران خاسرة منذ اليوم الأول لإعلان دونالد ترامب انسحابه من الاتفاق النووي واستئناف العقوبات فبدأ الشعب الإيراني بسحب أمواله من سوق الاستثمار، فانعدام الثقة بالحكومة الحالية ولعبة المحافظين والإصلاحيين زلزلت السوق حتى قبل العقوبات ومع عودة العقوبات رسمياً وخفض الصادرات النفطية لم يعد لإيران دخل تعتمد عليه لإدارة شؤون الدولة.

فيما تُقرع طبول الحرب، يمضي الإيراني مهموماً بتوفير الخبز والانتظار أمام طوابير السكر .كثيرون لا يريدون الحرب، فللإيراني حروب صغيرة أهمّ، كمعركة الحجاب في الجامعة والحرب على الفساد وانتقاد فشل الدولة في حل أزمة السيول التي جرفت شعبية النظام.

شعبية جرفتها السيول 

معركة السيول هي إحدى المعارك الداخلية التي خسرت فيها الحكومة الإيرانية شعبيتها إزاء معاناة الشعب، فبعد مضي أكثر من شهر لا زالت المياه تغمر بيوت الأهواز وقرى كلستان، فيما تتحدث الصحافة بخجل عن أوضاع الناس السيئة مع ارتفاع درجة الحرارة وسط مياه السيول الآسنة التي حوّلت الجنوب الإيراني إلى مستنقعات تنتظر شمس الصيف لتجف دون اعتناء من الحكومة بخطورة انتشار الأمراض.

حرب الحجاب والدراجات

أما معركة الدراجات النسوية والحجاب، فهي جبهات داخلية مشتعلة دائماً في إيران يحاول البعض شحذها لإعادة الاصطفاف وتحضير أجواء الحرب، فحادثة تشديد مراقبة الحجاب في جامعة طهران الأسبوع الماضي انتهت باتهام الأصوليين لغير الأصوليين بالوقوف في صف ترامب وخيانة إيران ومبادئها، كذلك الأمر في قرار منع النساء من ركوب الدراجات في أصفهان جاء لإلهاء الداخل عن قرارات الحرب.

إيران التي رفضت على لسان مرشدها الأعلى علي الخامنئي الحرب حمّلت الشعب الإيراني عبء مواجهة الضغوط الأمريكية، الأمر الذي ترجمه بعض المحللين بالعودة إلى مرحلة الحصار ورحلة اللجوء من جديد التي بدأت في الآونة الأخيرة مع ارتفاع موجة الهجرة، فشريحة واسعة من الشباب الإيراني لا ترغب بالحرب ولا تتحمل الضغوط الاقتصادية، في الوقت الذي تجاهد فئات في إيران في الحفاظ على أملها بغد أفضل دون بوادر حقيقية بتحقيق ذلك في الأجل القريب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard