في عيد ميلاد التاسع والسبعين لعادل إمام: أنا لا أحبّه، لا لشخصه بل لزمنه الذي قهرنا

الجمعة 17 مايو 201901:11 م

تحت عنوان "من يخلف عادل إمام؟"، اشتغل قسم الفنّ بصحيفةٍ مصريّةٍ خاصّة، تملكها المخابرات، على ملفٍّ عن الزعيم، إلّا أن الملفَّ قد توقّف في المطبعة بأوامر الرقيب، تساءل الجميع: "أليس عادل إمام تبعهم؟"، قالوا إنه ممنوع من الظهور في دراما رمضان ويواجه أزمةً ما.. قيل إنها بسبب ارتفاع أجره، حيث رفض خَفْضَه بما يتلاءم مع سياسة التقشّف التي تدير بها الدولة الدراما، بعد احتكار السوق من قبل شركةٍ واحدةٍ للإنتاج والتوزيع، وطبعاً القنوات نفسها صارت تحت سطوة احتكار نفس الجهة.

تحت عنوان "من يخلف عادل إمام؟"، اشتغل قسم الفنّ بصحيفةٍ مصريّةٍ خاصّة، تملكها المخابرات، على ملفٍّ عن الزعيم، إلّا أن الملفَّ قد توقّف في المطبعة بأوامر الرقيب، تساءل الجميع: "أليس عادل إمام تبعهم؟"

روايةٌ أخرى تقول إن أحد أجنحة المخابرات أخذت من الزعيم موقفاً عدائيّاً، في حين يدعمه جناح آخر، هذا الجناح الآخر ربما يدفع بعض الأقلام في الصحف للمطالبة بمنح الزعيم جائزة الدولة التقديريّة، التي ربما قد طلبها هو كنوعٍ من الترضية عن إخفائه المتعمّد هذا الموسم، بعد سنواتٍ كثيرةٍ كان فيها وجهه ضيفاً دائماً على مائدة رمضان.

حاول الزعيم أن يتواصل مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، كما اعتاد مع الرؤساء السابقين، ظنّاً منه أنه لا يزال مُرَحّباً به، إلّا أن الباب العالي سُدَّ في وجهه، كما يتردّد.

هذا الانتقام أرضى كثيرين.. فحجب عادل إمام من قبل السلطة التي لعبت عليهم لسنوات يعوّضهم عن انكساراتهم في السنوات الأخيرة من باب: اللهم اضرب الظالمين بالظالمين!

كرهته احتراماً لأمّي

كنتُ أحبّ عادل إمام قبل أن تكرهه أمّي بسبب "ثقل ظلّه"، بقيتُ أحترمُ طاقته في الإضحاك برفع الحاجب وجمود الوجه وفتح عينيه كعلامةٍ على الدهشة، لكن من داخلي كرهته احتراماً لأمي.

عادل إمام دولة عميقة، ويبدو أن أمي لم تكن تحبّه لهذا السبب.

هو ليس ثقيل الظلّ، لكنه ثقيل التكرار، عانى كثيراً من الاضطهاد كممثّل درجة ثانية، فما كان منه إلا أن انتقم حين جاء دوره.. فجأةً صار سُلطة عليا.

وُلد في عصر الملك فاروق، عام 1940، بدأ عمله الفنّي في عصر عبد الناصر، بقي فيه "كومبارس" يستخِفُّ به أبطال العمل.. انطلق كالصاروخ في الانفتاح الساداتي بأفلام تقول للسطحيّة "قومي وأنا أجلس مكانك"، ثم تعملق وتوحّش في زمن مبارك، صاحب رجال دولته، صار خادمَهم وخُدّامه، تزامن ذلك مع رمي سعيد صالح، الكوميديان الحقيقي، في السجن، باتهامه في قضية مخدّرات سياسيّة أو سياسة مخدّراتيّة.

جاءت ثورة يناير فتوارى قليلاً، لكنه عاد مع دولته العميقة بعد عامين، ليحصد تعب السنين الفائتة بعد أن استقرّت الأوضاع، له ولها، مرّة أخرى.

عادل إمام دولة عميقة، ويبدو أن أمي لم تكن تحبّه لهذا السبب.

"أنا مسرح الدولة.."

فكّرتُ من قبل، كمواطنٍ عاديٍّ لا كثوري، بطريقةٍ أنتقم بها من عادل إمام ودولته. كان غيظي منه يكبر كلّ يوم.. مثلاً حين حضرتُ ندوة له بالمسرح الكبير بدار الأوبرا أواخر سنوات حكم مبارك، سألته مذيعةٌ كبيرةٌ بإذاعة البرنامج العام، إذاعة مصر الرسميّة، وشكت له من أسعار تذاكر مسرحه المبالغ فيها، مطالبةً إيّاه بخفض قيمة التذاكر لتكون في مستوى أسعار مسرح الدولة، ليقاطعها الرجل بعجرفته المضحكة: "أنا مسرح الدولة..".

لا أحبّه، لا لشخصه بل لزمنه، زمنه الذي جعلنا نكتب عنه بكلّ هذا القهر ونقول له: "كلّ سنة وأنت مادّة ثريّة لقهرنا يا زعيم!".

هنا انتهت إجابة الزعيم، دون الخوض في تفاصيل الشكوى والمطلب الشعبي حول ثمن تذكرة مسرح، تماماً كما كان يفعل مبارك حين يشكو له أحدهم، في مؤتمرات الثرثرة، من الروتين أو الزحام أو البطالة أو الموت الرخيص، كان مبارك يردّ بابتسامةٍ أو "إفّيه سخيف" مثل "لو على مشكلة الرخصة ابقى تعالى وانا أخلصهالك".. فيصفّق الحضور، الذي أتى ليصفّق، تحيةً للبديهة السريعة للقائد المعلّم.

مقاومة الإفّيهات

فكّرتُ ثانية، كمواطنٍ عاديٍّ لا كثوري، في الطريقة التي أقاوم بها ضحكي على إفّيهات الزعيم، التي أحبّها كغالبيّة المصرييّن، فكنتُ أقوم إلى دورة المياه لو صادفت فيلماً من أفلامه، ففي دورات المياه تدريب عظيم على نسيان المهرّجين وتذكّر أبطال الشعب الذين لا تليق بهم المأساة، رأيتهم يموتون في عبّارة، ومبارك يضحك.. رأيتهم يقتتلون على رغيف خبز وتُنشر أخبارهم في صفحة الحوادث، والرئيس يتساءل: "هاعملكم إيه؟".. رأيتهم يحترقون في قطار الصعيد ومسرح الدولة ببني سويف، والرئيس يُعالَج في ألمانيا ويعزّيه السادة ممثلو المعارضة، محمد صبحي وعادل إمام ومصطفى بكري، في حفيده الذي مات مُرفَّهاً.. ولا أحد يعزّي في أطفال السرطان وأمهات القهر والديون.

ما الذي تعلّمناه من عادل إمام؟

أن السينما والمسرح استظرافٌ وإيحاءاتٌ جنسيّة وضرب مؤخّرة الممثّلة المساعدة أو البطلة لتضحك الجماهير، نوعٌ غريب من الضحك ذاك الذي يأتي من المؤخّرات.. تعلّمنا بعض شعارات الشقاوة مثل "صاحبي دراعي وعمّي قرشي".. تعلّمنا للأسف هذه اللغة وهذه الدروس التي تصلح أن يلقّنها لنا بلطجي صالات وليس فنّان مسرح وسينما وتليفزيون.

عادل إمام أراد تحويل كلّ شيء إلى ضحك: الحزن يتحوّل لمسخرة.. الرموز الدينيّة تُختصر بلحيةٍ ولغةٍ فصحى ركيكة..، الضحك، ذلك التعبير الإنساني العظيم، تمّ تحويله إلى رداءةٍ تهريجيّةٍ ناصعة.. اضحكوا على ذواتكم مع عادل إمام.. مثلما تسلّيتم بمأساتكم وخيبتكم الثوريّة على مواقع التواصل الاجتماعي.

أتذكّر أبطال الشعب الذين لا تليق بهم المأساة، رأيتهم يموتون في عبّارة، ومبارك يضحك.. رأيتهم يحترقون في قطار الصعيد ومسرح الدولة ببني سويف، والرئيس يُعالَج في ألمانيا ويعزّيه السادة ممثلو المعارضة، محمد صبحي وعادل إمام ومصطفى بكري.

عادل إمام أراد تحويل كلّ شيء إلى ضحك: الحزن يتحوّل لمسخرة.. الرموز الدينيّة تُختصر بلحيةٍ ولغةٍ فصحى ركيكة..، الضحك، ذلك التعبير الإنساني العظيم، تمّ تحويله إلى رداءةٍ تهريجيّةٍ ناصعة.. اضحكوا على ذواتكم مع عادل إمام.

أن السينما والمسرح استظرافٌ وإيحاءاتٌ جنسيّة وضرب مؤخّرة الممثّلة المساعدة أو البطلة لتضحك الجماهير، نوعٌ غريب من الضحك ذاك الذي يأتي من المؤخّرات!

أخيراً وجدتُ الحل لأنتقم من عادل إمام..

قلتُ: لا بدّ من قتل هذا العصر الذي استرخصنا ومحاكمة رجاله محاكمةً عاجلةً بقانونٍ لا ثغرات فيه تمكّن محامي الشيطان أن يخرجه منها كالشعرة من العجين.. وقلتُ: لا بد أن يُقتل عادل إمام بعمل روائي، من وحي خيال كاتب، وأنا مستعد لأكون ذلك الكاتب.. هذا أضعف الإيمان.. وفعلاً ذهبتُ إلى محامٍ لأستشيره: هل يجوز لي أن أسمّي روايتي "مقتل عادل إمام"؟ قال لي: "لا يجوز إلا إذا غيّرتَ اسم الرواية وإلا اعتبروك محرّضاً على قتل الرجل.."، تساءلت: "وكيف أفلت من القانون مع تثبيت اسم الرواية؟" قال: "يمكنك أن تعرض عملك على عادل إمام نفسه لتأخذ موافقته، وربما تعجبه الفكرة ويحوّلها إلى عملٍ سينمائي يرفعك إلى عالم الشهرة والمال..".

كيف يمكنني أن ألتقي عادل إمام؟ هذا مستحيل.. فمقابلة الإله أسهل وأقرب..

كيف يمكنني أن ألتقي عادل إمام؟ هذا مستحيل.. فمقابلة الإله أسهل وأقرب.. حتى لو عرفت عنوانه وقابلني فرضاً جدلاً.. هل يقبل عملاً درامياً يحرّض على قتله عبر خطّة تجمع أفراداً من كلّ أطياف المجتمع في عصابةٍ واحدة: متديّن وملحد، سلفي وإخواني ولا ديني، يساري ودولجي، مواطن عادي ولا مواطن، اجتمعوا وكوّنوا خليةً سريّةً لتصفية كلّ رموز الزمن الذي حطمهم وجعلهم مجرمين في نظر القانون، وأسوأ جريمة ارتكبها عادل إمام، في نظر تلك العصابة، هي أنه مهّد لابنه أن يكون بطلاً من بعده، دون أن يعلم أن مبارك فشل في مثل هذه المحاولة وأودت به في النهاية إلى السجن.

أيها القرّاء! لا تصلح روايتي تلك لعادل إمام.. كما لا يصلح هو أن يكون زعيماً - على الأقل في هذا المقال- لم أعد أتقبّل فكرة قتله، حتى ولو في عمل روائي من تأليفي، فهذا يوم ميلاده، الذي أحتفي به الآن بمقالة في موقع إلكتروني حجبته السلطات، احتراماً للزعيم – أيّ زعيم - يكفيني إذن أن أقول إنني لا أحبّه، لا لشخصه بل لزمنه، زمنه الذي جعلنا نكتب عنه بكلّ هذا القهر ونقول له: "كلّ سنة وأنت مادّة ثريّة لقهرنا يا زعيم!".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard