أكبر جريمة سياسية في تاريخ تونس..محاكمة قتلة صالح بن يوسف غريم بورقيبة

الخميس 16 مايو 201904:28 م

هي أكبر من جريمة سياسية، إنها جريمة دولة عمرها ستة عقود، شكلت شرخاً في الكيان التونسي الوليد بعد الاستقلال، جريمة اغتيال الزعيم صالح بن يوسف الذي عرف بأنه غريم الحبيب بورقيبة وخصمه.

بدأت الخميس في تونس محاكمة المتهمين باغتيال المعارض التونسي أحد أبرز رموز الحركة الوطنية التونسية صالح بن يوسف الذي اغتيل عام 1961 في فرانكفورت.

هذه المحاكمة التي تأتي بعد ست عقود من اغتيال بن يوسف، أصبحت ممكنة بعد ثورة تونس عام 2011 وبعد مسار من البحث والتحري وجمع الشهادات وإحالة على القضاء من قبل هيئة الحقيقة والكرامة، حسب ما أعلن عنه محامي الدفاع عفيف بن يوسف، في ندوة صحفية الأربعاء.

المحاكمة تتم أمام الدائرة الجنائية المتخصصة في العدالة الانتقالية بالمحكمة الابتدائية في تونس، بعد أن أحالت الهيئة ملف القضية إلى القضاء في ديسمبر الماضي معلنة أنها تمكنت من تحديد هويات ثلاثة متهمين انطلاقًا من وثائق من الأرشيف تحصلت عليها من ألمانيا وتونس، وبعد الاستماع إلى أحد المتهمين في القضية. وقرّرت الدائرة الجنائية المختصّة في قضايا العدالة الانتقالية الخميس بعد سماع شهادة لطفي بن يوسف نجل صالح بن يوسف وطلبات الدفاع تأجيل النظر في القضية إلى موعد لاحق.

ماذا قال ابن بن يوسف؟

قال لطفي بن يوسف إنّ والدته صفية زهير عاشت بعد اغتيال زوجها حتى عام 1988 لاجئة سياسية في القاهرة مع ابنيها، وأكد أن الزعيم المصري جمال عبد الناصر مكّنها من جراية شهرية وأن الرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بلة مكن أفراد عائلته من جوازات سفر جزائرية إكراما لنضالات بن يوسف بعد لقائهم في القاهرة، وطلب منهم الإنتقال للعيش في الجزائر بعد حرمانهم من تجديد جوازات سفرهم التونسية . وقال بن يوسف إن العقيد الليبي معمر القذافي كان معجباً ببن يوسف وقدم لعائلته مساعدات.

لكنه أبرز أن علاقة أسرة بن يوسف بالدولة التونسية كانت ضعيفة وفاترة بعد اغتيال أبيه، ولم تكن العائلة تتلقى زيارات الأقارب إلا نادرا بسبب تجريم بورقيبة لكل من يساعد عائلة بن يوسف.

تهم ثابتة

أعلن محامي الدفاع عفيف بن يوسف في مؤتمر صحافي الأربعاء أن الإدانة ثابتة بحق ستة أشخاص هم الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية الأسبق وحسن بن عبد العزيز الورداني، والبشير زرق العيون، وعبدالله بن مبروك الورداني، ومحمد بن خليفة محرز، وحميدة بنتربوت ويعتبر الأخير أهم شاهد في القضية. وأضاف أن البحث أثبت مشاركة الدولة التونسية ورئاسة الجمهورية والحرس الرئاسي ووزارة الداخلية ووزارة الخارجية وسفارة تونس ببرن في اغتيال بن يوسف في ألمانيا سنة عام1961.وقال عفيف بن يوسف إن التحريات أثبتت سكوت ألمانيا على الجريمة وعدم تتبع المتهمين بقتل والده ومحاكمتهم رغم التعرف عليهم، ورغم وقوع الجريمة على التراب الألماني.

أكد المحامي أن التهم حُفظت بسبب وفاة أبرز المتهمين وهم الحبيب بورقيبة وحسن بن عبد العزيز الورداني والبشير زرق العيون، بينما لا يزال مكان عبدالله بن مبروك الورداني ومحمد بن خليفة محرز مجهولا، ولم تتمكن هيئة الحقيقة والكرامة من سماعهما، لكنها في المقابل حصلت على شهادة حميدة بنتربوت.

وقال عفيف بن يوسف إن دائرة الاتهام بالمحكمة وجهت تهمة القتل العمد مع سابقية الإضمار والترصد إلى عبدالله بن مبروك الورداني ومحمد بن خليفة محرز وتهمة المشاركة في القتل العمد إلى حميدة بنتربوت. وقال لطفي بن يوسف ابن الفقيد صالح بن يوسف الذي قدم من الولايات المتحدة الأمريكية لحضور محاكمة قتلة أبيه "إن أسرته تطالب باعتراف الدولة التونسية بأنها ارتكبت جريمة دولة وأن تحصل أسرته على اعتذار”. لكن صباح الخميس أعلن المتهمون في القضية التي تعد جريمة دولة وأكبر جريمة سياسية في تاريخ تونس، مقاطعتهم المحاكمة وقرروا عدم حضور الجلسة.

من هو صالح بن يوسف؟

يعتبر صالح بن يوسف أحد أهم رموز الحركة الوطنية في تونس التي ناضلت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، تولى الأمانة العامة للحزب الحر الدستوري الجديد بين عامي 1950 و 1952.

ولد صالح بن يوسف بجربة وهي جزيرة جنوب شرقي تونس في 11 أكتوبر 1907، في أسرة ثرية تعلم كأقرانه في كتّاب القرية ثم توجه إلى العاصمة في سن الثامنة للتعلم في مدرسة وحصل على الشهادة الابتدائية في مدرسة نهج التريبينال ثم التحق بمعهد كارنو وشارك في سنوات دراسته الثانوية في مظاهرات ضد الاحتلال ثم غادر إلى فرنسا والتحق بجامعة السوربون ومنها حصل على الإجازة في الحقوق والعلوم السياسية سنة 1933. في فرنسا انضمّ إلى "جمعيّة طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا" التي تأسّست سنة 1927 وانتهجت منذ سنة 1930 سياسة وطنية ضد الاستعمار.

عاد بن يوسف إلى تونس عام 1934 وفتح مكتب محاماة تحول بعدها إلى ما يشبه مقر النشاط الوطني ضد الاحتلال والتحق بصفوف الحزب الحر الدستوري الجديد.

كان بن يوسف من أبرز المناضلين في الحزب، شارك في مؤتمر الحزب عام 1937 وساند الشقّ المتصلّب في الديوان السياسي للحزب الذي يمثّله الحبيب بورقيبة (الذي سيصبح أول رئيس لتونس بعد الاستقلال) على حساب الشقّ المعتدل بقيادة الدكتور محمود الماطري الذي كان رئيس الحزب والطاهر صفر والبحري قيڨة. وختم المؤتمر أشغاله بالمصادقة على قرار سحب "توسّم الخير" من الحكومة الفرنسيّة، وانتخب صالح بن يوسف وسليمان بن سليمان في الديوان السياسي الجديد للحزب، بعد التغلب على الشقّ المعتدل.

يوم 10 أفريل 1938 ألقت قوات الاحتلال القبض على الحبيب بورقيبة وأودع السجن العسكري صحبة زعماء في الحركة الوطنية منهم صالح بن يوسف، بتهمة التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي. ثم نقلوا إلى السجن المدني بتونس ومنه إلى السجن العسكري بتبرسق شمال تونس. وعند إعلان الحرب العالميّة الثانية، نقل المعتقلون إلى مدينة مرسيليا جنوب فرنسا حيث قبعوا في سجن حصن سان نيكولا.

في شهر ديسمبر 1942 أمرت سلطة الاحتلال الألمانية بإطلاق سراح الزعماء وترحيلهم إلى روما ومنها عادوا إلى تونس بداية عام 1943. في أكتوبر 1948 انعقد مؤتمر الحزب الحر الدستوري في تونس وانتخب الحبيب بورقيبة رئيساً للحزب وصالح بن يوسف كاتبا عامّا.

هي أكبر من جريمة سياسية، إنها جريمة دولة عمرها ستة عقود، شكلت شرخاً في الكيان التونسي الوليد بعد الاستقلال، جريمة اغتيال الزعيم صالح بن يوسف الذي عرف بأنه غريم الحبيب بورقيبة وخصمه. اليوم القضاء التونسي يفتح ملف القضية. 

قال لطفي بن يوسف نجل الزعيم التونسي المغتال صالح بن يوسف إنّ والدته صفية عاشت لاجئة سياسية في القاهرة ومنحها جمال عبد الناصر جراية شهرية فيما منح الرئيس الجزائري أحمد بن بلة أسرتها جوازات سفر. لكن ماذا قال عن القذافي؟

الخلاف بين الإخوة الأعداء

عارض صالح بن يوسف اتّفاقيات 3 جوان 1955 مع المستعمر الفرنسي واعتبرها "خطوة إلى الوراء" داعياً التونسيين إلى العودة إلى الكفاح المسلّح حتى نيل دول المغرب العربي استقلالاً تامّاً. تجاهل بن يوسف موافقة مؤتمر الحزب في 15 نوفمبر 1955 على السياسة الواقعيّة التي انتهجها بورقيبة وكان قد فُصل عن الحزب منذ يوم 8 أكتوبر 1955 لكنه استمرّ في معارضة اتفاقيات الاستقلال الداخلي المنقوص من السيادة واعتبرها دون إرادة الشعب.

بلغ الخلاف بين بورقيبة وبن يوسف وأنصار الشقين أوجه فنشبت معارك دامية بين الديوان السياسي للحزب والأمانة العامّة، وأسفرت عن مقتل عدد من أعضاء الحزب من الشقين ( أنصار بورقيبة وأنصار بن يوسف). وتقول مصادر تونسية من بينها الموسوعة التونسية مستحضرة تلك الوقائع: "كادت المواجهة بين الشقّين تتحوّل إلى حرب أهليّة”. أرادت الحكومة التونسيّة في 28 جانفي 1956 إلقاء القبض على بن يوسف وأنصاره لكنّه فرّ إلى مصر عن طريق البر وبقي معارضاً الاتفاقيّات التونسيّة الفرنسيّة منتقداً الديوان السياسي فيما تشتت أنصاره بين هارب خارج تونس ومتخفٍ في تونس وسجين.

خروج بن يوسف من تونس لم يوقف التيار “اليوسفي” أي أتباعه الذين دافعوا عن وجهات نظره بشأن الاستقلال والتفاوض مع فرنسا، وحتى بعد إبرام بروتوكول 20 مارس 1956 الذي تعترف بمقتضاه فرنسا بإلغاء معاهدة الحماية (الاستعمار) وتمنح تونس استقلالها التامّ بقي أنصار بن يوسف يعارضون بورقيبة وفشلت محاولات الصلح بين بورقيبة وبن يوسف، وكانت المحاولة الأخيرة مقابلة جرت بينهما في جينيف قبل أسابيع من اغتيال بن يوسف في مدينة فرنكفورت بألمانيا يوم 12 أوت 1961 حيث كان منفياً.

تفاصيل اغتيال بن يوسف

لعقود اتهم أنصار صالح بن يوسف المعروفون اختصاراً بـ “اليوسفيين” الحبيب بورقيبة بقتل بن يوسف لكن ملف القضية لم يفتح مطلقاً. سبق لعشيرة بن يوسف وسكان جزيرة جربة أن طالبوا عام 1962 بفتح ملف قضية اغتياله لكن بورقيبة تجاهل ذلك.

بعد سنوات عدة من وفاة بورقيبة (6 أبريل 2000) وفور ثورة تونس 2010-2011، تكونت هيئة الحقيقة والكرامة وهي هيئة مهمتها العدالة الانتقالية وفتح ملفات التعذيب والفساد السياسي والتحقيق في جرائم انتهاك حقوق الإنسان منذ عهد الاستعمار. من بين ملفات الهيئة كان ملف قضية اغتيال بن يوسف، وأوردت الهيئة مجموعة من الأدلة والبراهين تؤكد مسؤولية الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة في اغتيال صالح بن يوسف. قالت الهيئة في وقت سابق من المحاكمة إن بورقيبة قرر تصفية خصمه بن يوسف إثر لقاء كان محتداً وعنيفاً من حيث الخلاف في زيوريخ في سويسرا في 2 مارس/آذار 1961.

اللقاء بحسب الهيئة وما حصلت عليه من أدلة، تم بقاعة فندق يقيم فيه بورقيبة آنذاك، وجرى اللقاء بتنسيق مع مدير ديوان بورقيبة البشير زرق العيون. احتد النقاش في ذلك الاجتماع واستنكر بورقيبة إحضار الأمن السويسري ورفض مصافحة بن يوسف، واتهمه بمحاولة اغتياله بواسطة مسدس كاتم للصوت أو بالسم مستدلًا برسالة أرسلها بن يوسف. وانتهى اللقاء يومها بمغادرة بن يوسف بطلب من بورقيبة.

تقول هيئة الحقيقة والكرامة إن في غرفة بالطابق العلوي من فندق "رويال” في فرانكفورت الألمانية، وبعد الرابعة والنصف من مساء السبت 12 أوت/أغسطس 1961، خرج مسلحان من الحمام وأطلقا النار على بن يوسف الذي كان يجلس على أريكة فيما كانت زوجته صفية تنتظره في الطابق الأرضي من الفندق. وقالت الهيئة في تقريرها إن بورقيبة لاحق معارضيه ومن بينهم بن يوسف الذي اغتاله في جريمة دولة بحسب تقرير هيئة الحقيقة والكرامة.

وعن الأدلة التي اعتمدتها الهيئة في تجريم بورقيبة، قالت إن الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة أقر بجريمته بشكل غير مباشر في محاضرة ألقاها في كلية الصحافة في تونس عام 1973.

وذكرت أن بورقيبة أعلن في تلك المحاضرة بتاريخ 15 ديسمبر/كانون الأول 1973 أن مدير ديوانه وقائد حرسه الرئاسي البشير زرق العيون كان في سويسرا ولم يدخل إلى ألمانيا وأنه أشار على منفذي عملية الاغتيال بالمغادرة على أول طائرة من ألمانيا نحو أي وجهة. وقالت الهيئة إن بورقيبة منح القاتلين وهما عبد الله بن مبروك ومحمد بن خليفة محرز وسام الاستقلال عام 1974 عرفاناً منه على تخليصه من “الحية الرقطاء” أي صالح بن يوسف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard