نظرات استحقار، ومعاملات سخيفة، وتهديد بالسجن.. يوميات مفطري رمضان في مصر

السبت 18 مايو 201912:49 ص

مع حلول شهر رمضان يمارس الصائمون طقوساً عديدة سواءً في النهار أو الليل، لكن ماذا عن المفطرين؟ ماذا يفعلون خاصّة إذا كانوا يعيشون في مجتمع غالبيته من المسلمين الرافضين لحقّ الأفراد في الجهر بالإفطار.

مصطفى إسلام، 30 عاماً يعمل بالصحافة، على الرغم من أنَّه مازال مسلماً، إلَّا أنَّه يرى أنَّ الصَّوم "يُلقي بالفرد إلى التهلكة"، ويحرص على عدم تناول الطعام أمام الناس.

يقول مصطفى لرصيف 22، إنه كان منذ الصغر يفطر بعض الأيام لأنه لا يقوى على تحمّل العطش، وكان يشعر بذنب كبير، لكن مع تغيّر نظرته إلى الصوم تخلَّص من "الإحساس بالذنب".

عندما يرغب مصطفى في تناول الطعام نهاراً أثناء تواجده بالعمل، ينزوي في ركن بعيد عن أعين زملاءه ويأكل. "لا روحانيات ولا مسلسلات"، هكذا تحدث عن حاله مع رمضان.

وقد طالب الدكتور أحمد المالكي، عضو المكتب الفني لمشيخة الأزهر في تصريحات صحفية، بأن تُسنّ الدولة تشريعاً ضد المجاهرة بالإفطار فى رمضان، معتبرا أنه ليس من أمور الحرية الشخصية نهائياً، وأنَّ تجريم ذلك الفعل حماية للمجتمع مما اعتبره  "انتشار الفتنة".

يقول مصطفى لرصيف 22، إنه كان منذ الصغر يفطر بعض الأيام لأنه لا يقوى على تحمّل العطش، وكان حينها يشعر بذنب كبير، لكن مع تغير نظرته إلى الصوم تخلص من "الإحساس بالذنب".

نظرات استحقار من البائعين

"نظرات البائعين" أكبر المشاكل التي تواجه الصحفي المصري رامي مصطفى،  اسم مستعار، عندما يشتري طعاما في وقت مبكر من اليوم، موضحاً أنَّه في أوَّل أيَّام رمضان دخل إلى محلّ شهير في شارع "طلعت حرب" بمنطقة وسط البلد في القاهرة، وطلب ساندوتشات فلافل، نظر إليه  المحاسب"الكاشير" متعجبا، وقال له: "الدنيا صيام"، فبادره رامي: "وأنت مالك"، فأعطاه البائع ورقة الطّلب، وهو ينظر إليه نظرة "استحقار".

كيفية الإفطار حينما يعود في إجازة إلى قريته حيث يسكن أهله مشكلة أخرى يواجهها مصطفى. يقول إنَّه يقوم بإخفاء بعض الأطعمة في حجرته مساءً، ليتناولها نهاراً، ويعترف بأن الوضع هناك صعب للغاية مقارنة بالقاهرة.

لا يجد مصطفى مشكلة في إيجاد مقهى للجلوس به خلال نهار رمضان إذا رغب في شرب كوب شاي أو فنجان قهوة، حيث يشير إلى أن هناك الكثير من المقاهي التي تفتح أبوابها للمفطرين في رمضان، لا يعلمها سوى كثير من المفطرين، وقليل من الصائمين القاطنين في محيطها.

في العام الماضي، دخل مصطفى مقهى في نطاق قسم شرطة "قصر النيل" بالقاهرة لشرب كوب شاي في نهار رمضان، إلَّا أنَّ أحد العاملين في المقهى طلب منه الانصراف سريعاً خشية قدوم قوَّة من مركز الشرطة للقبض على المفطرين، وإغلاق "القهوة".

منذ سنوات قليلة بدأت السلطات المصرية في غلق المقاهي التي تفتح أبوابها في نهار رمضان، مع ملاحقة المفطرين. وذلك على الرغم من أنه لا يوجد نص قانوني يُجرّم فتح المقاهي خلال نهار رمضان.

اللواء محمد نور الدين مساعد وزير الداخلية الأسبق، تحدث في تصريحات صحفية عن الفترة التي كان يعمل بجهاز الأمن العام، وتم خلالها تنفيذ حملات على المفطرين، حيث قال إنها جاءت "بعد ضغوط كبيرة من أجهزة الإعلام" لمواجهة ظاهرة انتشار الشباب الذين يجاهرون بإفطارهم في الشوارع.

وأشار نور الدين إلى أنَّ  الاتهام الذي كان يوجَّه للمفطرين المحتجزين آنذاك كان يستند إلى مواد قانون العقوبات، مضيفاً أن هناك عقوبة قانونية لجريمة الجهر بالإفطار، دون أن يشير إلى رقم تلك المادة في القانون.

لا يوجد في قانون العقوبات من الأساس كلمة "الجهر بالإفطار"، هكذا نفي حافظ أبو سعدة، محامي حقوقي، في تصريحات صحفية سابقة وجود عقوبة قانونية للإفطار في نهار رمضان.

وأوضح سعدة أنَّ ما يتمَّ يستند إلى قرار وزاري سابق، وأضاف: "قد يكون أيضًا المحضر يُحرَّر ضد من يجاهر بالإفطار استناداً إلى مواد قانون العقوبات التي تجرم تهديد أمن الشارع والمارة".

"المحضر  قد يُحرَّر ضد من يجاهر بالإفطار استناداً إلى مواد قانون العقوبات التي تُجرّم تهديد أمن الشارع والمارّة، نظراً لعدم وجود عقوبة قانونية" حافظ أبو سعدة

من ناحية أخرى، ترى سالي مراد (اسم مستعار)، فتاة تعمل في مبادرة شبابية في مجال الثقافة، تركت الإسلام وتبنّت الـ"لا دينية "،  أنَّ المجتمع لن يتقبَّل فكرة وجود شخص يفطر أمام الناس في نهار رمضان، لذا لا تجهر بالإفطار في الشارع، تقول: "مش مقبول ومش مسموح ".

معاملات سخيفة

إذا قررتم الإفطار في الشارع أمام الناس ستجدون "تعليقات سخيفة" أو شخص "يزغر لكم" ينظر لكم بتهديد، حسبما تقول مراد، لكن في مقر عملها تطلب مشروباتها اليومية من الـ"office boy" ، الذي يفعل ذلك "متضررا"، حيث يرى أنه يساعد في "معصية".

حينما ترغب مراد في الجلوس بأحد المقاهي تذهب إلى مقهى قريب من مقرّ عملها في منطقة "وسط البلد" بالقاهرة، والتي تفتح أبوابها للمفطرين، وتقول: "بيفتحوا عشان أكل العيش، وعشان مفيش منافسة في الوقت ده، وعشان كده بتكون المعاملة سخيفة، لأنهم بيحسوا أنهم بيرتكبوا ذنب أنهم بيفطروا ناس".

لتجنب هذه المعاملة "السخيفة" تلجأ مراد أحياناً إلى بعض المساحات المغلقة (coffee-shop/ work space) ذات الأسعار المرتفعة، والتي تكون المعاملة فيها جيدة، ولا توجد "أزمة أخلاقية" بالنسبة للعاملين فيها. لكن تبقى مشكلة أسعار المشروبات عائقها يمنعها من الجلوس فيها باستمرار.

مع توجيه الانتقادات لحملات ملاحقة المفطرين، كان المسؤولون يرجعون إغلاق المقاهي لأسباب أخرى. ففي عام 2016 - على سبيل المثال - قال نائب رئيس حي العجوزة فرج عبد العاطي بعد انتشار فيديو لمداهمة أحد مقاهي منطقة العجوزة إنهم يطبقون عملهم على المقاهي المفتوحة خلال النهار في رمضان "وليس لديها ترخيص بذلك".

على الرغم من تركها الإسلام تلتقي سالي مع أصدقاءها أحياناً في وقت الإفطار لتناول الطعام سويا، وتستمتع بالسهر و"لمَّة السحور" مع أصحابها المسلمين، مؤكدة أنها تشعر بأجواء رمضان وتعيشها، وتضيف ضاحكة: "حتى تهبيطة الصيام" في إشارة إلى دوران يصيب الصائمين عندما يشربون ويأكلون.


تعتبر دار الإفتاء المصرية، أن المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان لا علاقة له بالحرية الشخصية، وكتبت عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" أن المجاهرة بالفطر في نهار رمضان "نوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام".

على الرغم من تركها الإسلام تلتقي سالي مع أصدقاءها أحياناً في وقت الإفطار لتناول الطعام سويا، وتستمتع بالسهر و "لمَّة السحور".

وترى "الإفتاء" أن"المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان مجاهرة بالمعصية، وهي حرام فضلًا عن أنها خروج على الذوق العام في بلاد المسلمين، وانتهاك صريح لحرمة المجتمع وحقه في احترام مقدساته".

أمير عبد الحميد، اسم مستعار 28 عاماً في العقد الثالث من العمر، يعمل في مركز حقوقي مصري، يفطر بعض الأيام في شهر رمضان، يقول لرصيف22: "بافطر عرضاً كده.. مش اللي هو مقرر ماصومش يعني".

ويوضح عبد الحميد، أن دوافعه للإفطار في رمضان تتمثل في كونه مدخن شره للسجائر، وفي بعض الأحيان يكون بسبب العطش والإرهاق. وهو أيضاً لا يحب تناول الطعام أمام أحد، حيث يقول "ماباحبش الناس تاخد بالها من الفطار، لأن دي حاجة شخصية ومش مجال للمنظرة".

وينتقد عبد الحميد الذين يأكلون علناً في رمضان، ويبرر ذلك متمثلاً وجهة نظر غالبية الصائمين في مصر:"الاصطدام بعقيدة وإيمان الناس مش شيء سليم فيما يتعلق بالأديان".

"الإفطار علناً حقّ، ولكن ليس أولوية"

لا يهتم عبد الحميد بالجلوس في مقاهي خلال نهار رمضان، كما أنه لا يشتري أطعمة من محلات الطعام، لذا لا يتعرَّض لأيّ مواقف غير مُحبَّبة، مُوضحاً أن إفطاره خارج المنزل يقتصر على شرب السجائر والمياه، ويفعل ذلك في أماكن مغلقة، ولا يوجد بها أي شخص آخر قد يكون صائماً.

فيما تظهر دعوات وفاعليات في بعض البلدان للمطالبة بحق المفطرين في الجهر بإفطارهم كما هو الحال في تونس، اقتصر الأمر في مصر على  تدوينات قليلة غير منتشرة على نطاق واسع.

يشير أمير عبد الحميد، وهو يعمل في مركز حقوقي، إلى وجود حركات ومراكز حقوقية تؤمن بحق الأكل والشرب علناً في نهار رمضان، ولكن تلك الحركات لديها أولويات أخرى كتبنّي قضايا حرية الرأي والتعبير، والاختفاء القسري، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، والتعذيب.

وأضاف عبد الحميد، أنه من الوارد جدا أيضا أن يكون الخوف من ردة فعل الشارع غير المتقبل للمنظمات الحقوقية العاملة في مصر، بسبب تشويه النظام لها واتهامها بالعمالة من جهة، واصطدام هذا الحق بالدين من جهة أخرى، ومن المعروف أنَّ المصريين لا يقبلون ما يعتبروه ضد الدين.

وقد شهد عام 2016 تناولاً غير مُنظَّم ولكن كبير بعض الشيء لمسألة الحق في الجهر بالإفطارن بالتزامن مع تزايد الحملات التي استهدفت المقاهي التي كانت تفتح أبوبها للمفطرين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard