أم العواجز والمشيرة والطاهرة..."بركات" مقام السيدة زينب وأسراره

الأربعاء 15 مايو 201904:57 م

"جئت لك يا أم العواجز من بلاد بعيدة.. وحياة حبيبك النبي أوعى ترديني مكسورة الخاطر"، جملة قالتها سيدة مصرية بسيطة بصوت عال وهي تقف بخشوع عند بوابة مسجد السيدة زينب في القاهرة وأم العواجز هو واحد من الأسماء التي اختارها المصريون للسيدة زينب حفيدة الرسول محمد، لأن الفقراء كانوا يجتمعون ببيتها، لكن هناك ألقاباً أخرى لها، منها أم الضعفاء والمساكين، ورئيسة الديوان، والمشيرة، والطاهرة.

تقول أم محمد لرصيف22  إنها جاءت خصيصاً من مركز طما بمحافظة سوهاج جنوب مصر لزيارة مسجد السيدة زينب في القاهرة لأن لديها طلباً تعلم جيداً أن" السيدة زينب هي من ستتوسط لها لدى الله كي يحققه لها" لم تخبرنا أم محمد بطلبها، لكنها تقول إن جميع الطلبات مجابة عند أم العواجز وحبيبة قلوب المصريين.

تعبر أم محمد البوابة المؤدية إلى قسم النساء داخل المسجد، لتختفي بين مئات المصريات اللواتي وقعن في حب رئيسة الديوان وبتن يعتبرنها معشوقتهن. ولا يختلف الأمر كثيراً في قسم الرجال في المسجد، فهناك أعداد كبيرة انتهت من صلاة العشاء وقررت أن تجلس على أرض المسجد لفترة أطول، بينما تحلّق كثيرون حول مقام الطاهرة يطلبون منها طلبات بأصوات خافتة.

من هي السيدة زينب؟

يقول الباحث التاريخي محمد عفيفي لرصيف22 إن السيدة زينب هى البنت الكبرى للسيدة فاطمة الزهراء ابنة الرسول محمد والإمام على بن أبى طالب ابن عم الرسول، مضيفاً أنها ولدت فى شهر شعبان بعد مولد شقيقها الحسين بسنتين، وسماها النبي محمد باسم زينب على اسم ابنته.

يكمل الباحث المصري أن السيدة زينب تزوجت من ابن عمها عبدالله بن جعفر الطيار بن أبي طالب، قبل أن تنشغل بالدعوة إلى الله مع أخويها الإمامين الحسن والحسين، وفي هذا الوقت، اكتشفت أنها غير قادرة على الجمع بين الدعوة وواجباتها كزوجة مسلمة، فاختارت الدعوة وطلبت من زوجها أن يتزوج امرأة أخرى، وقد حصل ذلك.

كيف وصلت إلى مصر؟

يقول إمام مسجد السيدة زينب، عبد الخالق صلاح، إن قصة وصول السيدة زينب إلى مصر تعود إلى العام 61 هجرياً، مضيفاً أن يزيد بن معاوية الأموي طلب من السيدة زينب البحث عن مدينة أخرى، لأنه كان يعتبر أنها تثير فتنة بسبب معارضتها الخلافة الأموية، لكنها رفضت ذلك وقالت له "أأترك بلد أبي وجدي".

لكن بعد الضغط عليها، قررت السيدة زينب البحث عن بلد جديد، وهنا جاءتها رسالة من عبدالله بن عباس، الذي نصحها بأن تغادر المدينة المنورة وتذهب إلى مصر لأن فيها قوماً يحبونها في الله، متابعاً: "إن لم تجدِ أرضاً تسكنيها هناك، فستجدين قلوب أهلها وطناً" وهو ما حدث بالفعل.

خروج السيدة زينب وبقية آل البيت من  المدينة المنورة جاء ليحقق نبوءة الرسول محمد حسب سنن ابن ماجة : حين قال" إن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريداً” ولعل تشريد آل البيت وطردهم من بلادهم وديارهم في الجزيرة العربية والشام جزءًا من هذه النبوءة. 

يذكر إمام المسجد أن السيدة زينب توجهت إلى مصر لتقيم فيها، ووصلت إليها فى شعبان من العام 61 هجرية، وهو الشهر نفسه الذي ولدت فيه، وهذا ما يعتبره الإمام صلاح ميلاداً جديداً لها في مصر.

وحين وصلت السيدة زينب إلى مشارف مدينة بلبيس في محافظة الشرقية المصرية، خرجت أعداد كبيرة من المصريين لاستقبالها، بالدفوف والزغاريد، على رأسهم والي مصر الأموي آنذاك مسلمة بن مخلد الأنصاري، وفي هذه الفترة عاشت فى بيت الوالي بمنطقة الحمراء القصوى عند بساتين الزهري، التي أصبح اسمها فيما بعد حي السيدة زينب، وعاشت "أم العواجز" في منزل الوالي حتى ماتت يوم 14 من شهر رجب في العام 62 هجرياً، ودفنت فى بيت الوالي نفسه بحسب روايات عدة، ثم تحول إلى ضريح لها، بحسب إمام المسجد.

وبالسند المرفوع إلى رقية بنت عقبة بن نافع الفهري قالت : "كنت فيمن استقبل زينب بنت علي لما قدمت مصر بعد المصيبة  (مقتل الحسين) فتقدم إليها مسلمة بن مخلد وعبد الله بن الحارث وأبو عميرة المزني فعزاها مسلمة وبكى فبكت وبكى الحاضرون ..وقالت : "هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون” ثم احتملها إلى داره بالحمراء ، فأقامت بها أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً ، وتوفيت وشهدت جنازتها.

متى تم إنشاء المسجد؟

لا يُعرف تحديداً العام الذي بني فيه مسجد السيدة زينب لأول مرة، هكذا يقول عفيفي لرصيف22 ويكمل أن المراجع التاريخية تذكر فقط أن والي مصر العثماني على باشا قام في العام 951 هجرياً، بتجديد المسجد الذي أحاط بقبر السيدة زينب، وفي العام 1940، هدمت الأوقاف المصرية المسجد بشكل كامل، وأقامت مسجداً جديداً أضخم هو الموجود حالياً، وهذا هو السبب في أن المسجد ليس مسجلاً في مصر كمسجد أثري، وفي العام 1969 ضاعفت الأوقاف مساحة المسجد، حتى يمكنه استيعاب الأعداد الكبيرة من المصريين الذين يزورونه من جميع المحافظات المصرية، خصوصاً في ذكرى ميلاد السيدة زينب، التي لا تتوقف خلالها الاحتفالات في المنطقة المحيطة بالمسجد.

هل دفنت السيدة زينب في القاهرة؟

يقول عفيفي إن الباحثين اختلفوا في ما يتعلق بوجود رفات السيدة زينب فى المقام، منهم من يؤكد أنه مقام السيدة زينب الكبرى ابنة الإمام علي بن أبي طالب، بينما يقول باحثون آخرون إن السيدة زينب لم تصل إلى مصر في حياتها، وإن صاحبة المقام هي زينب بنت يحيى المتوج بن حسن الأنور بن زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لكن يختلف عفيفي مع هؤلاء ويرى أن الرواية الأصح هي أن السيدة زينب جاءت بالفعل إلى مصر ودفت فيها.

يقول الباحث مهيب الأرنؤوطي إن السيدة زينب المتوفاة في نحو سنة 62هـ/681م، لم يكن مكان ضريحها الحالي أرضاً في ذلك التاريخ بل كان جزءاً من نهر النيل، وبعد أن انتقل نهر النيل ظل مكانه مليئاً بالبرك والمستنقعات لمدة نحو 300 سنة، فكان المكان الحالي لمسجد السيدة زينب في عصر الدولة الأموية جزءاً من بركة قارون التي أخذت في التقلص، وظلت آثارها باقية حتى نهاية القرن الـ 19 بإسم بركة البغالة، كما أن بركة قارون كانت في موسم الفيضان تتصل ببركة الفيل حيث كانت تسير فيهما المراكب في هذا الموسم، ولم تستعمل هذه المنطقة للسكن والمقابر إلا في عصور متأخرة نتيجة لتقوية جسور شاطئ النيل، فتوقف غمرها بمياة النيل في موسم الفيضان.

ويؤكد أن علي باشا مبارك ذكر في الجزء الأول من كتابة "الخطط التوفيقية" أن خط السيدة زينب يقع (في عصره) تحت مستوى فيضان نهر النيل بمقدار من متر إلي متر وثلث المتر.

ويضيف الباحث أنه حدث في أواخر عصر دولة المماليك الشراكسة أن نشأت مقولة شعبية بأن السيدة زينب مدفونة بالقاهرة، ونشرت هذا القول طائفة الأدباتية والمداحين الذين يجوبون المقاهي والموالد للارتزاق، وهذه الطائفة كانت تقوم بتأليف المواويل التي تجذب الناس إليهم، واختلفت الأقاويل في تحديد مكانها، فكانت هناك مقولة بأن السيدة زينب رضي الله عنها مدفونة بقبر قرب قناطر السباع، ومقولة أخرى ترجح دفنها بقبر في جبانة باب النصر، وقد أرجع هذه الأقاويل مؤرخ المزارات المسمي ابن الناسخ إلى الرؤيا أي الحلم. لكنه يخلص بالقول إنه في القرن الـ 19 لخص العلامة علي باشا مبارك هذا الموضوع، عند حديثه عن مسجد السيدة زينب في الجزء الخامس من الخطط التوقيفية في قوله (ثم إني لم أر في كتب التواريخ أن السيدة زينب بنت علي رضي الله تعالي عنها جاءت إلى مصر في الحياة أو بعد الممات)، والمقصود بقوله بعد الممات هو نقل رفاتها.

"جئت لك يا أم العواجز من بلاد بعيدة.. وحياة حبيبك النبي أوعي ترديني مكسورة الخاطر". هكذا تناجي مصرية  السيدة زينب أم الضعفاء والمساكين. في هذا التقرير نحملكم في جولة عبر التاريخ للتعرف على حفيدة الرسول، وأسرار مقامها في القاهرة. هل حقاً دُفنت هنا؟ 

مولد السيدة زينب

في ذكرى ميلاد السيدة زينب من كل عام يلتقي مئات الآلاف من المصريين، للاحتفال بالليلة الكبيرة في مولد السيدة زينب، وهي الليلة التي يحييها عدد كبير من كبار المنشدين والمداحين.

وفي هذا الاحتفال الضخم، يفترش أحباب السيدة الحدائق العامة، وأرصفة الشوارع، ومداخل البنايات، وتقيم أغلب الطرق الصوفية القادمة من جميع المحافظات، خاصة الرفاعية والعزمية والأحمدية والإدريسية، خيام الخدمة التي تسمى "الحضرات"، حيث يقف رجال ونساء "الخدمة" أمامها لدعوة المارة إلى تناول "النفحات"، وهي طبق أرز وقطعة لحم، أو طبق أرز بلبن، أو كوب من الشاي.

يقول مصريون كثر إن السيدة زينب "سرها باتع" ولا ينسون أنها قالت لهم ذات يوم: "يا أهل مصر نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا أواكم الله، جعل الله لكم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل مصيبة فرجاً"، مؤمنين تماماً أن وجود مقامها على أرض مصر جعل بلدهم محفوظة وفي أمن وأمان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard