نزلت للشارع بدون حمَّالة الصدر... حكايات بنات مصر خارج "أخطر بلد على النساء"

الجمعة 17 مايو 201912:18 م

"الغربة تربة" و"البعيد عن العين بعيد عن القلب"، هكذا كانت الفكرة الراسخة في وعي الشعب الذي مال للاستقرار حول نهر النيل منذ آلاف السنين، عن السفر والهجرة والرحيل.

وطالما كانت هناك مشاعر سلبيّة تجاه سفر المصريين خارج بلادهم، ووصفوا تلك الحالة بـ"الغربة" لأجيالٍ كاملةٍ مُتعاقِبة، حتى طرأ تغيّر كبير في تعامل المصريين مع السفر،  وأصبح حلماً لدى الكثيرين بسبب تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خاصّة النساء.

أصبح السفر حلماً يُراوِد الفتيات المُقبلات على الحياة كذلك، سواءً للعمل أو لاستكمال الدراسة، أو حتّى الهجرة تماماً، أغلبهنَّ يبحثن عن مجتمعٍ يتعامل معهن باحترام أكبر، ويُقدّم لهنّ بيئةً آمنة.

تعاني المرأة المصريّة من أوضاعٍ متدهورة، تتجسّد في ظواهر وسلوكيّات عديدة يُضيّق بها المجتمعُ الخناقَ على النساء، وينتهك مساحتهن الخاصّة.

في دراسةٍ نشرتها الأمم المتحدة، تتعرَّض 99% من النساء في مصر لكلّ أشكال التحرّش الجنسي في المجال العام، ما يؤثّر على الحالة البدنيّة والنفسيّة لهنّ، وينتهَك حقهنَّ في الشعور بالأمان، وحرية التنقّل، ومساهمتهنّ في قوّة العمل.

أمّا عن الختان، ففي إحصائيّةٍ لـ"اليونسيف"، كشفت أنّ مصر هي الأولى عالميّاً في ممارسة الختان بنسبة 97%، بينما 91% من المتعرِّضات للختان "متزوّجات".

وجاءت الطامة الكبرى، في 2017، من خلال تقريرٍ لمؤسّسة "تومسون رويترز"، وضع القاهرة أعلى القائمة، معتبراً إيَّاها المدينة الأخطر على النساء.

واحتلَّت مصر المرتبة الثالثة كأسوأ دولةٍ تحصل فيها النساء على الرعاية الصحيّة.

وتُظهِر إحصائيات البنك الدولي، أن نسبة النساء اللواتي يتعلّمن القراءة والكتابة فوق سنّ الخامسة عشرة تبلغ 65% مقابل 82% للرجال.

ربما تكون تلك الأرقام أفضل ترجمةٍ عمليّةٍ لدوافع سفر المصريّات إلى الخارج، بحثاً عن مجتمعٍ أكثر عدلاً واحتراماً للنساء.

"صدري بلا حمَّالات ومافيش تحرّش"

تروي شيماء البنَّا، 33 سنة، تعيش في السويد منذ عام ونصف، أوّل شعور أحسّته في البلد الأوروبي الغني: "أوّل حاجة فرقت معايا التحرّش واحترام خصوصيّة الجسد"، وكفتاةٍ مستقلّة، لم أشعر بالخوف من حارس العقار أو صاحبه، ولا أحد يحقّ له أن يسألني من يزورك أو متى ستعودين؟ ولكن أكثر موقفٍ عجيبٍ تعرّضت له وشعرت الفرق بين وجودي في مصر وحياتي في السويد، كان عندما ذهبتُ للطبيب بسبب شعوري بألمٍ في صدري، فطلب منّي أدويةً معيّنة مع عدم ارتدائي لحمّالة الصدر لمدّة شهر.

تتابع البنا لـ"رصيف 22"، مكثت أوّل أسبوع في المنزل، وخجلت من النزول للشارع، حتى اضطررت في يومٍ للنزول بدون حمالة الصدر، وبرغم ما شعرتُ به من إحراجٍ وخجلٍ، لكن مرّ اليوم الأوّل بدون "أيّ نظرة استغراب" أو حتى محاولة تحرّش واحدةٍ باللفظ أو حتَّى بالنظر، ما جعلني أفهم أنَّ الموضوع أبسط من شعوري بالقلق، ولكنني لست بحاجة لأشرح لنفسي بأن التجربة مرّت بسلامٍ لأنني في السويد، ولا أتخيل مصيري أو ردّ الفعل لو كانت التجربة في مصر.

"نزلت للشارع بدون حمَّالة الصَّدر، ومرَّ اليوم الأول بلا تحرش أو نظرة استغراب في السويد، تخيلت رد الفعل لو كانت التجربة في مصر" شيماء البنا

أمَّا نور شراب، عاشت في باريس 5 سنوات، فتقول "وصلت لمدينة النور وأنا عمري 23 سنة، كنت مخطوبة وأدرس لنيل شهادة الماجستير في جامعةٍ فرنسيّةٍ، كنت أشعر وكأني أملك الشوارع كلها، لا أخشى من التعرّض للتحرّش، أو أن تهاجمني الكلاب الضالّة، وأكثر ما أثّر فيّ، عندما أنجبت أولادي، كنت أضمن أمانهم، وأنهم في مجتمعٍ يحترمهم، لا أخشى عليهم من حوادث الاختطاف، الأمر الذي خفّف عنّي الكثير من أعباء الأمومة، وحماني من هوس الخوف على أطفالي".

"كنت أشعر وكأني أملك الشوارع كلها، لا أخشى من التعرّض للتحرّش، أو أن تهاجمني الكلاب الضالّة"

"الرِّجَّالة بِتخاف مِنّي"

أمَّا ريهام جاب الله، تقترب من نهاية الثلاثينات وعاشت في دبي 11 عاماً، فقالت: "أكثر ما لفت انتباهي، أنَّه لو نظر لي رجل، ثم نظرتُ له، يخاف ويدير وجهه للناحية الأخرى، على عكس الشارع المصري، والذي كنتُ أشعر فيه أنَّ الرجال لسان حالها يقول –أيوة بابص وإن كان عاجبك- كذلك أن تعيشي وحدك هناك، لا يمكن أن تتعرَّضي لمضايقات أو خطر على أمنك أو حياتك، كان هذا كفيلٌ بجعل الحياة أفضل وأسهل".

"لو نظر لي رجل، ثم نظرتُ له، يخاف ويدير وجهه للناحية الأخرى، على عكس الشارع المصري"

وتتابع جاب الله لـ"رصيف 22": أحسستُ بالرّاحة، على أن أكون على طبيعتي، فلا أحد يحكم عليّ، ولا أحد يتدخَّل في حياتي، سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر، خاصَّة وأنَّني تقدّمت في السن وأرفض الزواج، مَّا يجعل هناك تساؤلات وانتقادات دائمة في أذهان من حولي في مصر".

نرمين أبو اليسر، 28 عاماً، انتقلت للعيش في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعوديّة منذ شهرين.

تقارن نيرمين حياتها في السعوديّة ببلدها، راصدة التعامل السعودي مع الأجنبيات: "بشكل شخصي، تعرّضت لأكثر من موقف، أشعرني بالفرق بين السعوديّة ومصر، فوقت الخطوبة من زوجي، كنَّا في مكة أنا ووالدي نؤدّي مناسك العمرة، فكنَّا أنا وخطيبي نخرج معاً وحدنا، ونظلّ حتى الفجر في الشارع نتمشى، وذات مرة كنَّا نجلس في صالة استقبال الفندق الذي أُقيم فيه، قرب الفجر، ووقعت حادثة سرقة".

وتتابع أبو اليسر لـ"رصيف 22": طلب مدير الفندق الشرطة، فجاؤوا وكان خطيبي موجوداً بالطبع، فطلبوا رؤية الهويات، وسألنا لماذا نحن جالسون في هذا الوقت، فقلت له إنه خطيبي، وأنني سأمكث 10 أيام فقط، في السعودية، وأننا نحاول تمضية أطول وقت سوية، وكان من بين أفراد الشرطة عقيداً، متفهماً للثقافة المصريّة ويعرف تقاليد الخطوبة، وأنها تتمّ بدون وثائق رسميّة، وما لفت انتباهي، أنه سألني عن والدي، فأخبرته أنه يصلّي في الحرم، فاكتفى بكلامي ولم يتعنّت معي، أو يطلب حضوره فوراً"

تتخيّل أبو اليسر لو كان الموقف في مصر، تقول: "لا أتخيل الوضع لو كنا تعرضنا لهذا الموقف في مصر، فالاحتمالات المتاحة، هي إما أنه سيتم مضايقتنا من كل من يمر علينا، سواء كان مدنيين أو أفراد الأمن، أو أنه سيتم توقيفنا بما يتعارض مع القانون الذي لا يمنع تواجد شخصين غير متزوجين في مكان عام، إلا أن تأخر الوقت سيكون حجة علينا وقتها". 

وتضيف نرمين أبو اليسر: "مواقف بسيطة وقد تبدو تافهة، ولكني شعرت فيها باحترام مساحتي الخاصّة، منها أننا كنا خارجين من البناية التي نسكن فيها أنا وزوجي يوماً، وجاري السعودي داخل، فوجدته رجع كلّ المسافة التي دخلها، ليترك لي مساحة كافية ومريحة أمرّ منها".

"احترام المهنة والخيانة خط أحمر"

أما رحاب فاروق، 38 عاماً، وهي مهاجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة منذ عامين، تقول: "أوّل ما لفت نظري، كان عدم وجود تمييزٍ أو وصمٍ أخلاقي خاص بالمهنة، فمثلاً العاملون في المطاعم أو المهن البسيطة بشكلٍ عام، قد لا يحتاجون إلى تغيير ملابس العمل، كذلك احترام العلاقات العاطفيّة، فرغم أن المجال مفتوح وهناك حرية كبيرة للعلاقات، ولكن فور وجود علاقة والتزام تجاه الطرف الآخر، فيعتبرون الخيانة خطاً أحمر".

وتتابع فاروق، لـ"رصيف 22"، كذلك لم أتعرّض لأي محاولة تصنيف ديني أو عرقي، بل إنني اكتشفت أن تلك الاعتبارات لا تتحكّم أبداً في الترقّي الوظيفي، ولكن بشكلٍ شخصي، كان أوّل موقف شعرت فيه بأن هناك فرقاً كبيراً بين وضعي كأنثى في أمريكا وبين وضعي في مصر، عندما ذهبت أنا وأطفالي يوماً ما، إلى إحدى البحيرات لأن طفلي يرغب في الصيد، وفشل في تشغيل صنّارته، فبحث عن أحدٍ يمكن أن يساعده، وبالفعل عرض عليه رجل في الأربعين من عمره المساعدة، ثم عرض على طفلي أن يستخدم صنّارته الخاصة به، وأعطاني عنوانه، وقال لي يمكنك إرجاع الصنّارة في أي وقت بعد أن تنتهوا".

وتوضّح رحاب فاروق: "اعتبرت الموقف برمّته مجازفةً كبيرةً، ولكنني وجدته انتهى ببساطة، وفعلاً انتهينا من الصيد، ثم مررت على منزله أعطيته الصنّارة، وألقيت التحية، وانصرفت، لا أتخيل كمَّ وحجمَ السخافات التي كنت سأتعرّض لها لو كان الموقف حدث في مصر".

"استبدلت بناطيلي الجينز بالفساتين"

أما إلهام عبدالعزيز، (اسم مستعار)، 30عاماً، مقيمة في قطر منذ عام، تحكي: "كنت في البداية أخاف من الخروج وحدي، ولكن بعد أسبوعين من قدومي، بدأت ألاحظ أنني في مجتمع أكثر أماناً، بل إنني لدي حرية حركةٍ وتنقلٍ أكبر، ولكن الموقف الذي شكّل لي ما يمكنني وصفه بـ"الصدمة"، كنت في نزهة بإحدى الحدائق، ودخلت الحمام العام، فوجئت بغرفةٍ تحمل علامةً إرشاديّة لأمٍّ تغيّر لطفلها على الباب، ففتحتها، لأجدها مجهّزة لهذا الغرض، وقتها كانت أوّل مرّة أرى شيئاً كهذا، فأنا كنت أعاني في مصر فقط لإيجاد حمّام عام مخصّص للسيدات، وأن يكون آدميّاً ونظيفاً، والآن أجد احتراماً لخصوصيات الأمهات في مواقف كتغيير الحفاضات أو الإرضاع".

وتتابع إلهام، لـ"رصيف 22"، "كانت تلك أوّل مرّة أقدر ألبس فستان وأخرج وأرجع مبسوطة"، موضّحةً، "رغم أنه أمر قد يبدو تافهاً، ولكني لم أستطع أن أرتدي فستانا في مصر أبداً، خاصّة أنني من الطبقة المتوسطة وأعيش في مناطق ليست فقيرة ولكنها ليست خاصة بالطبقات الثريّة أيضاً، لذلك كان خروجي بفستان أو جيب، يُعدّ ضرب من الخيال، فكانت تجربة جديدة تماماً عليّ، وهو ما جعلني أستبدل خزانتي بأكملها بالفساتين بدلاً من البنطال الجينز".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard