الرَّاقص محمّد فؤاد: "الضرب على الوجه سهل، و"البوسة" صعبة"

الخميس 16 مايو 201901:23 م

فنّ غير مفهوم يحمل أفكاراً عميقة للنخبة المثقفة وليس للجمهور التقليدي،  هذا هو المفهوم الشائع عن عروض الرقص المعاصر، ولكن محمد فؤاد كسّر تلك الصورة النمطية.

يقدم الكريوغراف والراقص محمد فؤد " بدون خسائر"، عرض ممتع، ساخر، القاعة تضجّ بالضحك والاندهاش من تكنيك العرض، وقدرة الراقص على مفاجأة الجمهور بأفكار متلاحقة طوال مدة العرض، فضلاً عن حالة التفاعل مع الجمهور، التى تُحفِّز المشاهدين للمشاركة.


"بدون خسائر" عرض رقص فردي يكشف عن بعض التناقضات الكامنة في طريقة تقديم العروض الفنية، وعلاقتها بدور الفنَّان، الذي يتعامل مع العرض قبل تقديمه للجمهور بشكل عاطفي فردي ثمّ يتحول بعد ذلك ليصبح العرض عبارة عن سلعة تُقدَّم للاستهلاك الجماهيري.

قابلت "رصيف 22 "محمد فؤاد ، مصري مقيم في باريس، حصل على درجة الليسانس في المسرح من كلية الآداب 2006، وشارك في العديد من ورشات الرقص المعاصر، وانضم ل"برنامج ستوديو عماد الدين للرقص" بالتعاون مع مؤسسة " ديسنت" للرقص، وهو فنَّان أدائي، ومُصمِّم رقصات على هامش مشاركته بعرض" بدون خسائر" في الدورة الثامنة لمهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة (دي كاف)، ناقشنا معه مشهد الرقص المعاصر الإقليمي العربي والمحلي المصري، وعرضه الأخير.

بعد خروجي من العرض استمعت لهمس بعض الحضور وهو مندهش من عرض رقصٍ معاصرٍ كوميديٍّ وقائمٍ على التفاعل بين الراقص والجمهور.. وهو ما يناقشه "بدون خسائر" أيضاً عن تصوّرات الجمهور للفنّ.. لماذا يُنظر للفنّ المعاصر بأنه نخبوي وللمثقّفين فقط؟

هذا التصوّر موجود في أوروبا وليس في مصر فقط، المصريّون ينظّرون للفنّ المعاصر بأنه نخبوي، بعضهم يصفه بـ"مش تبعنا" لا يشبههم، وأنه فنّ "متلمّع بزيادة"، ويخاطب "ناس" معيّنة ونحن "ناس" نُشاهد التليفزيون. لا أنكر أنَّ هذه الصورة مأخوذة عن الرقص المعاصر، ولكني أُحاول بتحقيق هذا التفاعل مع عروضي أن تصبح "more Accessible " أكثر انفتاحاً وسهولةً في تلقّي المتفرج لها، ومن ملاحظتي لعملي باستمرار مع شباب في العشرينيات، أجد لديهم شغفاً ومعرفةً جيّدة بالرقص المعاصر، ليس كراقصين ولكن كمشاهدين أيضاً.

وفي رأيي أن الجيل الجديد من الشباب سيكون أكثر حُبّاً وقُرباً للفنّ المعاصر، ويذهب الآن لحضور ورشٍ وتدريبات خلال السنوات الخمس الأخيرة.

هل تعتقد أن ثورة يناير لعبت دوراً في فتح المجال أمام الفنون الأدائيّة، خاصّة مع مساحات الشارع لتقديم الرقص المعاصر مثل مهرجان "نسيم الرقص" وملتقى "لازم مسرح" بالإسكندريّة؟

إلى حدٍّ كبير، ما أحدثته ثورة يناير كان أشبه بسقوط حائط برلين، فالجماهير أصبح لديها رغبة في مشاهدة كلّ ما هو غير معروف أو مشهور، ولا يظهر على شاشات التلفزيون، وكأنهم "عايزين يشوفه اللي ماتشافش"، وهذه الحالة طالت كثيراً من الفنون، بدايةً من فرق "الأندرجراوند" التي اكتسبت حفلاتهم جماهيريّةً واسعةً بعد الثورة، والسينما المستقلّة، وأيضا الفنون الأدائيّة كالرقص المعاصر الذي أثار الفضول لدى المشاهد للتعرّف عليه واكتشافه.

ما رأيك في الأزمة التي أثارها مؤخّراً العرض المسرحي " يا كبير" السوري وظهور الفنان عارياً على المسرح؟

كمحمد فؤاد، ليس لدي أزمة أن يظهر راقصون عراة على المسرح، وأيّ فنّان لا ينبغي أن يكون لديه تحفّظ على ذلك، لذا لم أر مشكلة، ولكن في مصر الموقف سيكون مختلفاً، هناك فنّانون ليس لديهم مشكلة في تقديم راقصين عراة في عروضهم، ولكن لن يفعلوا ذلك.

علينا أن ننظر إلى العري في تاريخ الرقص، عندما ظهر في أوروبا بالسبعينيات والثمانينيات، كان تسجيلاً لموقفٍ سياسيٍّ وفنيٍّ قويّ جدّاً آنذاك ضدّ الكنيسة، ولكن الآن العروض التي تضمّ تصميماً عارياً للراقصين/ا ت يكون من منطلق "أنه شكل حلو فقط"، الكريوغراف في أوروبا الأن يلجأ للعري عندما لا يجد شيئاً جديداً يقدّمه، حيث يضع إضاءةً خافتةً وحركةً بطيئة مع موسيقى ليكوّن مشهداً قويّاً، لأن شكل الجلد نفسه على المسرح رائع، وفي رأيي لم يعد تقديم هذا النوع من العروض مؤثراً ومنتشراً، لقد فقد قوّته، لأن المواطنين في أوروبا يجلسون عراةً على البحر، ليس هناك جديد فيه.

وهل يمكن أن تلجأ لتصميم مشهد عري داخل عرض تقدمه؟

(يضحك) "نرقص الأوّل وبعدين نقلع" نحن نواجه تحديات في مسائل بسيطة مثل أن يمسك الولد والبنت يدي بعضهما في الرقص في مصر، مازلنا نتناقش حول ذلك، نأمل أن يأتي الجمهور أوّلاً لعروض رقصٍ معاصرٍ ثمّ نتحدّث عن العري.

بعد ظهور راقصة باليه مُحجّبة، هل توافق بانضمام راقصة مُحجّبة لعرضٍ من إخراجك؟

الراقص يجب أن يُجرَّد تماماً من أي هويّة قبل ظهوره على المسرح، طالما هذه الهويّة غير مقصودة في المحتوى الذي يناقشه العرض. لو هناك عرض يناقش فكرة ما ويتطلّب ظهور راقصةٍ ترتدي حجاباً، سأطلب من الراقصة ارتداءه، لأنني هنا أستخدمه لغرضٍ درامي فني. ولكن دون ذلك لا مكان للراقصة المحجّبة، لأنَّ الجسد يجب أن يكون محايداً، لا يحمل شعاراتٍ دينيّةً على خشبة المسرح.

ما حكاية عرضك الأخير "بدون خسائر"؟

العرض بدأ بالتفكير بتصميم لرقص بحت pure movement، وعملت على الرقصة بمفردي تمامًا بدون اللجوء للإنتاج أو الجهات المانحة، كنت اشعر بالضجر من هذه الجهات، ولدي أزمات مع طريقة وشروط منحهم للتمويل، واستمر تطويري للرقصة في إحدى الساحات المفتوحة في باريس للتدريب والرقص، ثمَّ بعد فترة فكرت في اللجوء للجهات المانحة ليس للمال ولكن لتوفير" Residency " مكان فقط للرقص، ولكن واجهت ذات المشكلات من التنميط في التعامل من هذه الجهات القائم على شروط معينة مثل "من أنت، من أين تأتي، لو أنت كراقص أو فنان عربي شرق أوسطي أو أفريقي، فهو يُجبرك على الاهتمام بموضوعات محددة للحديث عنها".

ولكن هذه الشروط لاتتوافر في "بدون خسائر" الذي تُعبّر فكرته عن أيّ فنَّان قادم من أي بلد بالعالم حتى لو كان أوروبي، ولكن لكونك عربي وكأنه "لازم تحضر قضايا منطقتك لتتحدث عنها"، لذا رفضت هذه الوصاية، ولم أحصل على أي دعم من هذه الجهات، إلى أن تواصل معي أحمد العطار مؤسس مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة"دي- كاف"، وسألني عن إمكانية مشاركتي في المهرجان، وآنذاك كان العرض تحت التطوير.

جهات مانحة إذا عرفت أنَّك شرق أوسطي أو أفريقي أو عربي تجبرك على الاهتمام بموضوعات محددة للحديث عنها..الراقص محمد فؤاد

 هل يطرح العرض تساؤلات وانتقادات لنظام الإنتاج الفنّي المستقلّ وتوجيهه للمبدع؟

في الحقيقة، هي انتقادات لنُظُم الإنتاج المستقلّ أو التجاري، كلاهما خاضعٌ لنفس دورة رأس المال، ولكن بأشكالٍ مختلفة، والنتيجة واحدة هي أن يتحوّل الفنّ لسلعةٍ تفقد قيمتها، لا يمكن أن نسأل كم سعر برج إيفيل أو غرنيكا بيكاسو.

"ثورة يناير أشبه بحائط برلين، الجماهير لديها رغبة في مشاهدة كل ما هو غير معروف أو مشهور..كأنهم عايزين يشوفوا اللي ما تشافش" الراقص محمد فؤاد

التسليع أصبح في توجيه المنح لإنتاج موضوعاتٍ معيّنة، الآن الجهات المموِّلة في أوروبا تدعم كلّ ماله علاقة بموضوع اللاجئين السورييّن، ولكن لو كنت أرغب في الحديث عن اللاجئين الفلسطينيين، يُرفض طلبي، لماذا؟ لأن "الموضة راحت على الفلسطينيين، الآن نحن في سوريا".


في أحد مشاهد العرض يقوم أحد أفراد الجمهور بصفعك على وجهك، والثاني يعطيك قبلة.. الرقابة لم تسمح بالقُبلة ولم يكتمل المشهد ولكن تسامحت مع العنف.. حدّثني عن ذلك؟

لست مهتمّاً بالرقيب الرسمي، لأني فاقد الأمل فيه، ولكن لنعترف أن الرقيب الحكومي ليس بمفرده بل أصبح هناك رقيب ذاتي ومجتمعي، الجمهور يتسامح مع مشاهد العنف والبلطجة ولكن يتحفّظ على القُبلة، فأصبح "الضرب على الوجه في مصر سهل والبوسة صعبة".

"الضرب على الوجه في مصر سهل والبوسة صعبة"

ما أهمية وجود مهرجان "دي كاف " كمساحةٍ فنيّةٍ متخصّصة في الفنون المعاصرة للفنّان والجمهور؟

"دي كاف" من المهرجانات الهامّة التي تتمتّع بإمكانياتٍ ماديّةٍ وإدارةٍ محترفة في التنظيم والبرمجة، وهذه الاحترافيّة جعلته يستمرّ لعامه الثامن وهذا لا يحدث كثيراً، وهو من المهرجانات القليلة التي تقدّم فعالياتها على مدار شهر، ليصبح فرصة جيّدة للجمهور لمشاهدة أعمالٍ فنيّةٍ كثيرة لفنّانين من دولٍ مختلفة، ومن ثمّ الاطلاع على تجارب فنيّةٍ متعدّدة.

ماذا عن مشروع "خلف 40" للرقص المعاصر الذي انطلق على هامش مهرجان (دي كاف)؟

"خلف 40" هي تعاونية للفنون الأدائيّة المعنيّة بإنتاج مشاريع وبرامج للفنون الأدائيّة، وما يتقاطع معها من وسائط فنيّة أخرى، هدفنا أنا وحكيم عبد النعيم كمؤسّسين له، هو إعادة النظر في ديناميكا القوّة بين المنتج والفنان، رفض الفكرة القائمة على أن المنتج هو المتحكّم في الموضوع ولا بديل عنه لأن بدونه لا يوجد فنّ؟! نحن نرفض هذه الشروط التي تحول الفنّ لسلعة، المموّل أو المنتج دوره إنتاج الفنون، ولكن الفنّ موجود بدونه. التعاونيّة تقوم على دعم الفنانين وتوفير سُبُلٍ لإنتاج مشروعاتهم، ولا نرفض الحصول على تمويل ولكن بشروطٍ واضحةٍ رافضةٍ للتدخّل في المحتوى الذي يرغب الفنّان في تقديمه، وتسعى التعاونيّة لتطوير مشهد الفنون الأدائيّة في مصر، من خلال مساعدة الفنّانين، بآلياتٍ مختلفةٍ وجهودٍ ذاتية حتى تقلّل من احتياج الفنان لـdoners المانحين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard