رصدوا عادات غريبة وبحثوا عن أماكن ذكرتها التوراة... الجولان بعيون رحالة غربيين

الخميس 16 مايو 201905:29 م

في يونيو 1802، حزم الرحالة الألماني أولريخ ياسبر سيتزن حقائبه وانطلق في رحلة استكشافية، ساعياً إلى عبور إفريقيا من الشرق إلى الغرب خلال ثلاث سنوات، والتعرف على مختلف جوانب الحياة في القارة التي كانت مجهولة نوعاً ما حينذاك.

ورغم تخرج سيتزن من كلية الطبّ في جامعة غوتنغن عام 1789، قرر ألا يعمل في هذه المهنة، لأن اهتماماته كانت منصَبّة على العلوم الطبيعة، وعلوم النبات والمعادن والزراعة والاقتصاد السياسي، ما دفعه للقيام برحلات استكشافية مرّ خلالها بهضبة الجولان السورية.

يذكر مؤلف كتاب "استكشاف الجولان 1805-1880، مغامرون وجواسيس وقساوسة" تيسير خلف لرصيف22 أن سيتزن كان أحد الرحالة والمغامرين الغربيين الذين وفدوا إلى بلدان المشرق العربي عقب خروج الحملة الفرنسية من المنطقة عام 1801، وهي حملة أيقظت أحلام الأوروبيين بالعودة إلى "البلاد المقدسة" بعد الحروب الصليبية.

وبحسب خلف، تنكر هؤلاء الرحالة بأزياء أهل البلاد، وانتحلوا أسماء عربية وتحدثوا لهجات محلية أقرب إلى الركاكة، ولكنها لم تُثِر الكثير من الشكوك.

وتباينت أهداف الرحلات التي وفدت إلى الجولان باختلاف الرحالة، فمنهم مَن كانوا مغامرين ومنهم جواسيس سعوا لمعرفة أحوال هذه المنطقة المرشحة للاستعمار بعد حملة نابليون بونابرت، ومنهم رجال دين بروتستانت كان هدفهم الأول والأخير إثبات صحة الجغرافيا التوراتية وإثبات مزاعم عن حق اليهود في الاستيطان فيها.

وكان منهم أيضاً مهندسون وضباط عسكريون مهّدوا الطريق بشكل أو بآخر أمام الاستعمار الغربي للمنطقة العربية، ثم أمام الاستيطان الصهيوني في الأراضي المقدسة لاحقاً، ومنهم مَن غلب على رحلاتهم الطابع السياحي الديني، بحسب خلف.

سيتزن... عادات النصيريين وقبائل الجولان

وصل سيتزن إلى حلب مع نهاية عام 1803، وبقي فيها 15 شهراً، وتعلّم العربية كتابة وتحدثاً، ثم طاف في أرجاء سوريا وفلسطين، وصحاري بلاد العرب. وفي مطلع عام 1805 عاد إلى دمشق، وبدأ رحلة إلى جبل الشيخ (حرمون)، ومنابع نهر الأردن وسائر مناطق الجولان منتحلاً شخصية طبيب يُدعى موسى الحكيم، يذكر خلف في كتابه.

دوّن سيتزن مشاهداته في تقارير ومفكرات ورسائل، لكنه لم يتمكن من نشرها بسبب مقتله في اليمن عام 1811، فتولى جمعها ونشرها البروفيسور فريدريك كروزة في برلين عام 1854 في أربعة مجلدات بعنوان "السفر عبر فلسطين وفينيقيا والأردن ومصر السفلى".

وكان أهم ما لاحظه سيتزن خلال إقامته في الجولان وجود ثلاث قرى جميع سكانها من النصيريين (العلويين) المزارعين، هي "عين فيت"، و"عين الغجر" و"الزعورة"، وجذب انتباهه بعض عاداتهم الاجتماعية، مثل "عدم أكلهم لحم حيوان إلا إذا كان صحيح الأوصاف بدون أية علة ظاهرة، كأثر جرح أو حرق، أو كان قرنه مكسوراً"، وعدم أكلهم أيضاً "لحم البقرة أو أنثى الغنم والماعز، ولا الثيران التي يحرثون بها الأرض".

كذلك، أفرد سيتزن مساحة مهمة للحديث عن عادات البدو وتقاليدهم ومنهم بدو الجولان، وعن قوانين قضاء العرف والعادة هناك، ولكنه بدأ بفكرة مغلوطة إذ يقول إن "السرقة تُعتبر عند البدو من الفنون الضرورية التي يجب أن يتعلمها الأطفال منذ الرضاعة. فهم يقولون شيلو، ومعناها خذه، اضربه".

وذكر سيتزن أن قوانين البدو هي أعراف متوارثة، فإذا خدش أحدهم الآخر، مثلاً، ولو أثناء المزاح ونزفت من الخدش بضعة قطرات من الدم، فعليه أن يظهر أمام الشيخ وأن يقدّم للمجروح خروفاً، وإذا قتل أحدهم كلب الآخر، يُعلَّق الكلب من قضيبه حتى يلمس أنفه الأرض وعلى القاتل أن يغطيه كلياً بالقمح أو الشعير.

وإذا جرح أحدهم الآخر أو ضربه فمات، حتى لو خلال سنة، على القاتل أن يموت، وفي حالة قبول أهل القتيل بذلك، عليه أن يفتدي القتيل بمبلغ وهو عادة 50 جملاً إضافة إلى جمل سريع (ذلول) وبندقية وحصان وعبد، وإذا لم يملك العدد الكافي من الجمال فعليه أن يدفع ثمانية قروش عن كل جمل ناقص.

وكان أغرب ما رواه سيتزن أنه "إذا قُبض على أحد من عشيرة أخرى وهو يسرق فيحق للذي قبض عليه أن يأخذه إلى خيمته، يحفر فيها حفرة عميقة كالقبر، يضع فيها السارق مربوط اليدين والرجلين، ويغطي الحفرة بعصيّ ويضع فوقها أثاث الخيمة كالسرير أو القمح، ويتم إطعامه للمدة اللازمة حتى يسمع أحد أقربائه بما حصل ويأتي بالمال الكافي لشرائه. وقد يستغرق ذلك شهراً أو شهرين، وقد يصل إلى نصف سنة أو سنة كاملة".

إربي ومنغلر... أهداف استعمارية

في سياق شهية الرحالة والمغامرين الأجانب للقدوم إلى المنطقة، قام ضابطان من البحرية البريطانية هما تشارلز ليونارد إربي وجيمس منغلز برحلة استكشافية للأراضي المقدسة وضفتي الأردن والجولان، وهما في طريقهما إلى مصر والنوبة.

وبحسب خلف، بدأت رحلة الضابطين في أغسطس 1816، واستمرت أربع سنوات، وبعد عودتهما إلى إنكلترا مباشرة، تم إقناعهما بنشر مختارات من الرسائل التي بعثا بها إلى ذويهما أثناء غيابهما. وبالفعل صدرت هذه الرسائل عام 1823 في لندن تحت عنوان "رحلات في مصر ونوبيا وسوريا وآسيا الصغرى - 1817 و1818".

وسُجل لهما في سجل الرحالة والمستكشفين الغربيين قصب السبق في اكتشاف بحيرة فيالا (بحيرة مسعدة) التي يرد ذكرها في كتاب المؤرخ اليهودي فلافيوس جوسيفوس (37-100)، والذي فسّر في مؤلفاته التاريخ والآثار وفقاً للرؤية التوراتية، كما زارا بانياس وسهل الحولة والحمة في جنوب هضبة الجولان.

ويلاحظ خلف في نصوص إربي ومنغلز حول الجولان حضوراً كبيراً للمؤرخ اليهودي جوزيفوس، وغياباً شبه تام لأيّة معلومات عن السكان والأحوال الاجتماعية، باستثناء ينابيع الحمة، بحيث بدا وكأنهما يطوفان في أرض خالية من أهلها.

وبرأيه، يعبّر هذا الموقف "الاستعلائي"، بشكل واضح، عن الغاية الحقيقية التي قادتهما إلى هذه البلاد، فلم يكن هدفهما استكشاف تاريخ وآثار "الأراضي المقدسة" والاطلاع على أحوال أهلها، بقدر ما كان البحث عن طريق تجاري يمرّ في وادي الأردن والبحر الميت ويعزز الهيمنة الاستعمارية الإنكليزية على البلدان والطرق الذاهبة إلى الهند.

وتجلى ذلك الأمر في زيارتهما لبحيرة فيالا (مسعدة) وحديثهما عن قلعة الصبيبة المجاورة، والتي يسميانها قلعه السراسين، وهي تسمية قديمة للعرب والمسلمين كان يستخدمها البيزنطيون والصليبيون.

سيلاه ميريل... معارضة الاستيطان

خلافاً لكتابات رجال الدين المتحمسين لإعادة اليهود إلى فلسطين كشرط لتحقيق المجيء الثاني للمسيح وبداية العصر الألفي السعيد، كان سيلاه ميريل، نتيجة معايشته الوثيقة للواقع عندما عمل بين عامي 1882 و1886 قنصلاً في سفارة الولايات المتحدة في القدس، من أشد المعارضين للاستيطان اليهودي الذي بدأ بالانتشار في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.

تباينت أهداف الرحّالة الذين كتبوا عن الجولان، فمنهم المغامرون أو الجواسيس، ومنهم رجال دين بروتستانت كان هدفهم الأول والأخير إثبات صحة الجغرافيا التوراتية وإثبات مزاعم عن حق اليهود في الاستيطان فيها
جذبت عادات العلويين في الجولان انتباه الرحالة الألماني أولريخ ياسبر سيتزن، فكتب عن "عدم أكلهم لحم حيوان إلا إذا كان صحيح الأوصاف بدون أية علة ظاهرة، كأثر جرح أو حرق، أو كان قرنه مكسوراً"...

روى خلف أن الجمعية الأمريكية لاستكشاف فلسطين عيّنت ميريل في أكتوبر 1874 عالم آثار لديها، فأبحر من نيويورك في يونيو 1875، ووصل إلى بيروت التي كانت مقراً للبعثات التبشيرية في سوريا، وخلال عامين قام بأربع رحلات مختلفة دوّن يوميات اثنتين منها في كتابه "شرقي الأردن".

وترسخت قناعات ميريل بعبثية الاستيطان اليهودي في فلسطين، والأراضي الواقعة إلى الشرق من نهر الأردن بما فيها الجولان، بعد أن عمل قنصلاً أميركياً في القدس. فقبل ذلك، أي أثناء أعماله الاستكشافية في منطقة جنوب الجولان في مارس 1876، لم يُخفِ تطلعه لتوطين شعب "متحضر" في هذه الأراضي وكتب: "إذا ما خضعت سوريا يوماً لحكومة صالحة وقطنها شعب ذكي متحضر، فإن هذه الينابيع (الحمة) سوف تصبح دون ريب، واحداً من أروع المنتجعات المائية في البلاد كلها".

ولكن، بعد 15 عاماً من ذلك، صار واحداً من أشد المعارضين لمذكرة ويليام يوجين بلاكستون، العضو الفعال في الكنيسة التدبيرية، والتي يعتبرها كثيرون أول وثيقة صهيونية تدعو إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، عام 1891، أي قبل كتاب تيودور هيرتزل "دولة اليهود" والمؤتمر الصهيوني الأول بسنوات.

وبحسب خلف، لم يكن ميريل يريد أن تقوم دولة لليهود في جنوب سوريا، والتي بدأ الغرب يفكر فيها منذ حملة نابليون، بسبب جو عدم الاستقرار واحتمالات نشوء صراع دموي طاحن بين اليهود والعرب من جهة، أو بين اليهود أنفسهم من جهة أخرى، لكنه لم يكن يرفض الفكرة بحد ذاتها، وهو ما يمكن تلمسه من خلال نصوصه المتعلقة بجنوب الجولان التي تضمنها كتابه "شرقي الأردن".

فقد كان شأنه شأن رجال دين بروتستانت أمريكيين في ذلك الزمن، أسيراً للفهم التوراتي للتاريخ، وبالتالي فإن الأماكن التي كرس جهده للبحث عنها هي تلك الواردة في الكتاب المقدس، والتلمود، وكتب المؤرخ اليهودي جوزيفوس المعروف بمبالغاته، وانحازت إلى الفهم الكتابي للتاريخ.

فمثلاً، ركز ميريل على منطقتي "الحمة" و"فيق" لأنه اعتبرهما مسرحاً لوقائع تاريخية كبرى في التاريخ اليهودي المزعوم، الذي يستمد مادته من الكتاب المقدس بشكل رئيسي، وفي نفس الوقت تجاهل كماً كبيراً من النقوش العربية التي مرّ عليها مرور الكرام، بحسب خلف.

لورانس أوليفانت... توطين يهود أوروبا الشرقية

كان الرحالة البريطاني لورانس أوليفانت أكثر تأثيراً وتنظيماً في هدفه، رغم فشله في تحقيقه. عام 1879، قام برحلة إلى ولاية سوريا العثمانية، وجال في الجولان ومنطقة شرق الأردن ووضع كتابه "أرض جلعاد" الذي شرح فيه مشروعه الرامي إلى توطين اليهود في فلسطين والجولان وشرق الأردن، ذكر خلف.

وبفعل أفكاره البروتستانتية المغرقة في تطرفها، سعى أوليفانت إلى تقريب موعد القيامة عبر إعادة اليهود إلى الأراضي المقدسة الواقعة على جانبي وادي الأردن حسب الفهم التوراتي، ولذلك حاول في مقدمة كتابه أن يبرر هذا الأمر منطقياً بعرض مجموعة احتمالات تستقر على اليهود وحدهم.

فحسب مشروعه الاستيطاني الذي يهدف إلى النهوض بواقع السلطنة العثمانية، وتخليصها من عثراتها، اقترح تأسيس شركة مساهمة لإقامة مستوطنة أو مستوطنات في مناطق مختلفة من فلسطين والجولان وشرق الأردن، وتحدث عن أهمية جلب مستوطنين غربيين مسيحيين إلى هذه المستوطنات، ولكنه اعتبر أن الأوروبيين يرفضون فكرة أن يصبحوا رعايا تحت حكم السلاطين العثمانيين.

ثم اقترح توطين المسلمين الذين أخرجوا من ديارهم في بلغاريا ورومانيا ومعظمهم من الشراكسة المهجرين سابقاً من شمال القوقاز في هذه المناطق، لكنه شكك في رغبة الدول الأوروبية بتمويل مثل هذا المشروع الذي يخص المسلمين وحدهم.

ولذلك فالحل السحري الذي اقترحه هو اليهود، وخصوصاً يهود أوروبا الشرقية الذين يعانون من اضطهاد يجعلهم برأيه يفضّلون العيش تحت حكم العثمانيين من أن يبقوا تحت حكم الدول التي يعيشون فيها، نظراً للرعاية التي يسبغها السلاطين العثمانيين على رعاياهم اليهود، والموثقة بفرمان للسلطان عبد المجيد عام 1840.

لكن أفكار الاستيطان جوبهت بمعارضة شديدة من السلطان عبد الحميد الثاني، ما حال دون تنفيذها على أرض الواقع.

وخلال جولته في الجولان، اختار أوليفانت مجموعتين من الأهالي للتوقف عندهما ومراقبة حياتهما وهم العلويين، والشراكسة الذين كانوا منهمكين ببناء قراهم التي منحتهم إياها السلطنة العثمانية، مثل المنصورة والقنيطرة والصرمان (العدنانية) وغيرها.

ويبدو أن أوليفانت أراد أن يرى كيف يمكن لطائفة دينية أو أقلية قومية أن تعيش وتتأقلم مع وسط مختلف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard