المجاهرة بالإفطار ممنوعة في بلد الثورة... تونسيون: الصيام "موش بالسيف"

الأربعاء 15 مايو 201905:02 م

ككل عام، ومع حلول شهر رمضان، يُثار جدل في تونس حول أوضاع الفئة التي تطالب بما تعتبره حقاً لها وحرية فردية في الإفطار العلني وفي فتح المقاهي والمطاعم خلال النهار، في وقت تعارض فيه فئة أخرى هذا الاتجاه وتطالب بوضع حد له.

الناشط الحقوقي والسياسي والمدون وجدي محواشي (32 سنة) هو أحد أبناء الفئة الأولى. يؤمن بأن الحرية يجب أن تكون مكفولة للمسلم وغير المسلم، هو الذي اختار عن قناعة ألا يصوم شهر رمضان باعتباره ليس مؤمناً، ويتخذ الحب والإنسانية ديناً له، كما يقول.

خلال رمضان الماضي، شارك محواشي في وقفة احتجاجية نظمتها "جمعية المفكرين الأحرار"، وشرب قارورة مياه في العلن، للمطالبة بحقه في الإفطار والمجاهرة به، كما بث حركته مباشرة على فيسبوك، فانتشرت بسرعة البرق.

"تحريض ممنهج"

يؤكد محواشي لرصيف22 تعرّضه بعد انتشار مقطع الفيديو إلى "عملية تحريض ممنهجة" وتهديدات بالقتل، من بينها توعّد أحد أبناء حيّه له بالضرب، عدا تلقيه مقاطع فيديو عن عمليات ذبح أشخاص أرسلها له "تكفيريون" هددوه بالتصفية، وكان الأسوأ أن شخصاً اعترض طريقه في أحد شوارع تونس العاصمة وهاجمه وكاد أن يصيبه بسكين.

طلب الشاب من السلطات الأمنية في منطقته حمايته وقدّم شكاوي وعرض عليها كل التهديدات التي تلقّاها، لكنها لم تأخذ في البداية أقواله على محمل الجد. ولكن بعد نشره نداء استغاثة وتدخل جمعيات حقوقية في القضية، اهتمت وزارة الداخلية بالمسألة وأعلمته أنه ضمن قائمة أسماء مهددة بالقتل في تونس.

"عندما أسير في حيي أسمع كل أنواع السب والشتم من قبيل ‘يا كافر’، ‘يا ملحد’. أقلّل من تحركاتي وأقضي كامل يومي في العاصمة، وعند العودة تُقلّني سيارة أجرة حتى باب المنزل. ليس من السهل أن تكون غير صائم في بلاد كتونس"، يقول.

"منشور مزالي"

يضع المحواشي إصبعه على سبب التضييف على حريات المفطرين، وينتقد منشوراً صدر عام 1981 ويقضي بغلق المقاهي والمطاعم خلال رمضان، كما ينتقد "بعض فصول المجلة الجزائية المتخلفة والتي لا تتلاءم مع روح الدستور الذي ينص على حرية الضمير والمعتقد"، داعياً إلى ضرورة إلغاء هذه النصوص لأنها تمسّ بالحريات الشخصية.

وخلال توليه رئاسة الحكومة التونسية، بين عامي 1980 و1986، أصدر محمد مزالي المنشور المذكور، وهو عبارة عن وثيقة إدارية تنظم مسألة فتح المقاهي والمطاعم خلال رمضان، ولكن رئيس الجمهورية آنذاك الحبيب بورقيبة ألغاه بعد فترة قصيرة من إصداره، ليعيد نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي العمل به، منذ تولي بن علي الحكم سنة 1987.

ممارسات قمعية

خلال السنوات الماضية، تعرّض عدد من المفطرين لممارسات قمعية، مثل اقتحام أعوان وزارة الداخلية المقاهي والمطاعم المفتوحة خلال نهارات رمضان، حتى التي قامت بحجب واجهاتها. وكانت الممارسات ذاتها تُرتكب في السنوات الأخيرة من حكم بن علي، بحسب المديرة التنفيذية لـ"جمعية تفعيل الحق في الاختلاف" سلوى غريسة.

"بدأت هذه التجاوزات تتكثف بحق المفطرين منذ اندلاع الثورة وصعود حركة النهضة إلى الحكم، وتتواصل لغاية اليوم، وبلغت ما بين 30 و50 حالة في كامل محافظات تونس، وشملت اعتداءات على غير الصائمين وعلى مقاهٍ ومطاعم مفتوحة"، تؤكد غريسة لرصيف22.

دفعت هذه الممارسات بـ"الائتلاف المدني من أجل الحريات الفردية" إلى مطالبة السلطات التونسية بإلغاء منشور 1981 واحترام أحكام دستور دستور 27 يناير 2014 المتعلقة بالحقوق والحريات.

ويضم الائتلاف المذكور 17 منظمة وجمعية مدافعة عن الحقوق والحريات الفردية والعامة، كالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات.

وطالب الائتلاف في رسالة مفتوحة وجهها بتاريخ الثالث من مايو الجاري إلى رئيسي الحكومة والجمهورية والبرلمان ووزيري الداخلية والعدل، "بمراجعة القوانين القمعية بما في ذلك المجلة الجزائية من أجل تكييفها مع الدستور الجديد في ما يتعلق بضمان الحقوق والحريات الفردية والعامة".

"فصل فضفاض"

تتمثل الفقرات القانونية التي ينتقدها الحقوقيون في الفصل 226 مكرر من المجلة الجزائية (القانون الجزائي) الذي يصفه رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان جمال مسلم بـ"الفضفاض والعمومي" في حديثه عن الاعتداء على الأخلاق العامة، متسائلاً: "ما علاقة الإفطار بالأخلاق والآداب؟".

وينص الفصل المذكور على أنه "يعاقَب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية (غرامة) قدرها ألف دينار كل مَن يعتدي علناً على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة بالإشارة أو القول أو يعمد علناً إلى مضايقة الغير بوجه يخلّ بالحياء".

ويبيّن مسلّم لرصيف22 أن منشور 1981 غير موجود كنسخة ورقية ويقول إنهم طالبوا وزارة الداخلية بإطلاعهم عليه لكنهم لم يتلقوا أيّ توضيح بهذا الخصوص.

"من حق أي شخص أن يفطر أو أن يفتح أو يغلق المقاهي والمطاعم خلال نهار رمضان، وليس من حق المجتمع أن يفرض على الفرد ما يجب أن يفعله وما لا يجب أن يفعله"... تونسيون يطالبون بحقهم في المجاهرة بالإفطار
في تونس، تفرض السلطة قيوداً على غير الصائمين، وتقتحم مقاهي ومطاعم تفتح أبوابها في نهارات رمضان، ما يثير استياء بعض التونسيين الذين يطالبون بتفعيل نص الدستور على "حرية الضمير" ويقولون إن "الصيام موش بالسيف"

بدوره، أكد الناشط الحقوقي وعضو الجمعية التونسية للحريات الفردية وحيد الفرشيشي أن جمعيته طالبت وزارة الداخلية بمدها بنسخة من المناشير التي تنظم فتح وغلق المقاهي والمطاعم خلال رمضان دون أن تستجيب لذلك، وأنها رفعت دعوى في نوفمبر الماضي أمام هيئة النفاذ إلى المعلومة وهي في انتظار فصل الهيئة في النزاع مع الوزارة.

"ظهور خطاب الكراهية"

في رسالته، أشار الائتلاف إلى أنه لاحظ في السنوات الماضية "العديد من الهجمات والانتهاكات التي ارتُكبت ضد الحريات الفردية من جانب السلطات العامة أو الجماعات أو الأفراد الذين أعلنوا أنفسهم حماة للدين والأخلاق، في سياق الإفلات التام من العقاب"، ولاحظ، مع اقتراب رمضان، "ظهور خطاب الكراهية ضد التنوع الديني في تونس وتزايد التهديدات لحريات الضمير والدين والرأي والتعبير".

ويشرح مسلّم أن الائتلاف لجأ في العامين الماضيين إلى وزارة الداخلية لإلغاء منشور 1981، "في حال وُجد"، كما قام بتدخلات لحماية المفطرين من الاعتداءات على غرار إجراء لقاءات مع السلطات وإرسال مراسلات بهذا الشأن وعقد ندوات صحافية للمطالبة برفع القيود عن الحريات الفردية، دون تلقي إجابات واضحة من المسؤولين.

"موش بالسيف"

عام 2017، أطلقت جمعية المفكرين الأحرار، بمشاركة مجموعة من ناشطي المجتمع المدني، حملة "موش بالسيف"، إثر إيقاف أربعة شباب من محافظة بنزرت كانوا يدخنون سجائر، وذلك بتهمة الاعتداء على الأخلاق الحميدة والمجاهرة بالإفطار.

اختارت الجمعية شعار "موش بالسيف" للتعبير عن رفضها لفرض الصوم على الأفراد، بحسب الكاتبة العامة للجمعية والناشطة الحقوقية رحمة الصيد.

رافق إطلاق الحملة تنظيم وقفات احتجاجية، كانت الأولى في 11 يونيو 2017 أمام مقر وزارة السياحة في تونس العاصمة وكان عدد المشتركين فيها متواضعاً واقتصر على العشرات، فيما ارتفع ليناهز المئة العام الماضي خلال وقفة ثانية يوم 28 مايو تنقل المشاركون فيها من أمام مقر الوزارة إلى ساحة حقوق الإنسان للمطالبة بإلغاء منشور 1981 وتفعيل حرية الضمير وتكريس علمانية ومدنية الدولة، وفق المصدر نفسه.

أقلية وشرذمة

"تمكنّت حملتنا من إيصال أصوات أشخاص يخافون الحديث في هذه المسألة ويمارسون معتقداتهم سراً ومن رفع مطالبهم الخاصة بحقهم في الإفطار والمجاهرة به. وفي المقابل، تعرّضنا لتشويه كوصفنا بالأقلية والشرذمة والعاصين واختزال المسألة من قبل الإعلام في نقطة المجاهرة بالإفطار فقط والتغافل عن النقطة الأساسية وهي المطالبة باحترام الحريات الفردية"، تؤكد لرصيف22.

وأعلنت المتحدثة عن عقد ندوة صحافية خلال الأيام القليلة القادمة للحديث مجدداً عن المنشور المذكور التي اعتبرته مخالفاً لما نص عليه الفصل السادس من الدستور من أن "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية".

وانتقدت الصيد رد وزير الداخلية السابق لطفي براهم على سؤال كتابي توجهت له به النائبة هاجر بالشيخ أحمد في 10 أكتوبر 2017 حول أسباب عدم إلغاء منشور 1981، والذي قال فيه "إن التجاهر بفتح المقاهي وعدم ضبط شروط لفتحها يمكن أن يسبب استفزازاً لمشاعر العديد من المواطنين الصائمين وهو ما يمكن أن يؤدي إلى ردود فعل عنيفة تؤثر على الأمن العام".

وأكدت الصيد أن الوزارة "تلجأ إلى ذريعة أن فتح المقاهي والمطاعم يعكّر صفو الأمن العام في تونس حتى تقوم بغلقها وتمارس إجراءاتها التعسفية".

وفي جديد الانتهاكات، استنكرت جمعية المفكرين الأحرار في بيان لها يوم 12 مايو الجاري "قيام قوات الأمن بمحافظتي بن عروس ونابل بمداهمة المقاهي المفتوحة نهاراً والاعتداء بالعنف على الرواد وغلقها بالقوة".

ودعت "كل المعنيين بقضايا حرية الضمير والحريات الفردية وحق الاختلاف والتنوّع داخل الفضاء العام إلى التنسيق ودراسة الأشكال المناسبة للرد على الانتهاكات والتضييقات الحاصلة".

"استفزاز لمشاعر المسلمين"

دعوات الحقوقيين إلى احترام حرية غير الصائمين وإلى فتح المقاهي والمطاعم خلال نهارات رمضان قوبلت باستهجان فئة كبيرة من المجتمع التونسي التي تطبق هذه الشعيرة الدينية باعتبارها من فرائض الدين الإسلامي.

يؤكد الشيخ الزيتوني منير الكمنتر أن الإفطار والمجاهرة به معصية وأن الدين الإسلامي حاسم في هذه المسألة، ويقول: "بإمكان غير الصائم أن يفطر في بيته أو مكتبه أو حمامه ولا دخل لأحد به وباختياره، ولكن المجاهرة لا تجوز في الشارع لأنه فضاء عمومي وعلى المفطر احترام مبادئ هذا الفضاء".

ويضيف الكمنتر لرصيف22 أنه ليست هنالك حاجة للمجاهرة بما أن لغير الصائم الحرية الكاملة في محيطه الداخلي، و"لكن حريته تتوقف عند بداية حرية الآخرين في الأماكن العامة".

ويشدد الكمنتر على أن المجاهرة والمطالبة بفتح المقاهي والمطاعم "استفزاز لمشاعر المسلمين الذين يمثلون الغالبية في تونس ولمقدساتهم"، وعلى الدولة "الضرب بيد من حديد في مثل هذه الممارسات باعتبارها راعية للدين على معنى ما نص عليه الفصل السادس من الدستور من أن الدولة تلتزم بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها".

ويضيف أن الدعوات إلى فتح المقاهي والمطاعم خلال رمضان لا تندرج في إطار الحريات الفردية وإنما هي "دعوات مشبوهة لإثارة الفتنة وإفساد وتفتيت المجتمع في تونس وعلى الدولة التصدي لها".

وتجدر الإشارة إلى أن المقاهي والمطاعم الموجودة في المناطق السياحية تفتح أبوابها خلال نهارات رمضان، بهدف إنجاح الموسم السياحي في البلاد، بحسب تصريح لوزير السياحة روني الطرابلسي.

في المقابل، يرفض عضو المجلس التونسي للعلمانية أمين الصيفي أي تقييد للحريات مهما كان سببها وحتى وإنْ كان مبنياً على أساس ديني، و"على الدولة أن تقف على نفس المسافة من كل الأشخاص والأديان بقطع النظر عن كل اختلافاتهم".

ويضيف لرصيف22 أنه من حق أي شخص أن يفطر أو أن يفتح أو يغلق المقاهي والمطاعم خلال نهار رمضان، وليس من حق المجتمع أن يفرض على الفرد ما يجب أن يفعله وما لا يجب أن يفعله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard