اسمي هالة وهذه قصتي... رسالةٌ من بنغازي

الاثنين 13 مايو 201906:46 م

في ظلّ ما تعانيه ليبيا من حرب أهلية ومشاكل اجتماعية وجهوية، تبرز مشاكل أخرى على السطح لا يتحدث عنها أحد، فهي بالنسبة للجميع تابوه يُضاهي القتل والتشريد والاغتصاب، إذ يُمكن للكثير تقبّل وجود قاتل أو مغتصب ولكن لن يتقبلوا شخصاً مثلياً.

هنا، في هذه المساحة، حاولت الوصول إلى فتاة ذات ملامح وجه بارزة ونظرات غير قابلة للتفسير. حالما راسلتها وأبديت حسن إهتمامي بأمرها، طلبت مني التواصل معها عبر تطبيق تيليغرام.

وإن كانت جودة المكالمة في هذا التطبيق سيئة، وقد بقيت محاولة التواصل تتعثر بنا ليومين، استمررنا بالمحاولة لأن حساسيّة الموقف تفرض نفسها.

"لنجرّب مرة أخيرة!"، قالت لي، وهكذا كان حتى تمكنت من معرفة قصتها.

الاسم : هالة أحمد

العمر : 24 عاماً

الجنسية : ليبية أعيش في مدينة بنغازي

الدراسة : طالبة طب

الهوية الجنسية: مثلية

هالة (اسم مستعار)، هي شابة ليبية تعاني واقعاً يغصّ بالمشاكل، في دولة تُعتبر من الأسوأ عالمياً في حرية التعبير والمجاهرة بالحريات الشخصية، ووسط محيط عائلي واجتماعي لا يقبل المثليين عموماً، فكيف إذا كانوا ليبيين.

تمارس هالة العديد من النشاطات الثقافيّة اليومية في محاولة للترويح عن نفسها وسط بيئة الحروب والنزاعات، وتؤمن بأن الحب والجمال والفن هي المسلك الوحيد للمرور من أزمة البلاد الحالية. تقول: لا بد للجميع أن يقبل الآخر بكل ما فيه من مفاتن جميلة وقبيحة أيضاً- إن كانت هذه نظرته - لماذا يؤذي بعضنا بعضاً؟ لماذا لا نقبل باختلاف أجسادنا وملامحنا وفكرنا؟".

من هذا المنطلق بدأت هالة تسرد قصتها، وأنقلها هنا عن لسانها كما رغبت هي في التعبير عنها:

"استشعرت انجذابي تجاه الفتيات منذ الصغر. كنت شغوفة جداً بالقراءة عن طبائع الجسد وطبيعة ميول الأجناس البشرية بعضها إلى بعض - وكنت أميّز بشكل دقيق وكامل منذ العاشرة من عمري مواضيع الإيلاج الجنسي والعلاقات الحميمية بين الجنسين، وفوجئت وقتذاك أن هناك من يصف حالتي بأنها موجودة عالمياً وعبر التاريخ إذ غالباً ما خشيت أن تكون استثنائية وشاذة كما يقولون .

أولى علاقاتي كانت في سن المراهقة مع فتاة تكبرني بكثير. كان هناك انجذاب واضح بيننا بينما اقتصرت علاقتنا على تبادل الحديث.  

أنا أُدرك جيداً المرحلة التي أكون فيها سعيدة وراضية عن علاقتي بالآخر، كما تسعدني نشوة العقول وترابط الأفكار وانسجام العقليات أكثر من أي شيء آخر، ولذلك أذكر أن تلك العلاقة كانت أشبه بالتودّد والاسترخاء فقط. لم أكن أنا المبادرة ولم تكن هي أيضاً، حصل بيننا نوع من الكيمياء ساهم في وزن معادلتنا وإرشادنا إلى الطريق الذي نصبو إليه.

في عمر صغير يمكن للشخص التمييز بين من هو مؤذٍ له وبين من يحميه من كل قذارة الأرض، أنا شعرت بهذا الإحساس وكنا نتواصل أنا وهي بشكل حسي، أرقى من جميع العلاقات الأخرى القائمة على مصالح بشرية مباشرة وعينية.

اليوم، علاقاتي العامة مع الناس سواء في بنغازي أو طرابلس معظمها ضمن الأوساط النخبوية - كما يسمونها، وهي أوساط لا تطلق أحكاماً عبثية عنك من خلال مظهرك واهتماماتك أو خياراتك الفردية، وتُناقض ما أواجهه بشكل مستمر من لغة تحريضية كارهة للمثليين تبدأ من أقرب الناس لي (أختي) التي تكون في أوقات معينة أشبه بالصريحة الكارهة لا المحبة، مُعبّرة عن اشمئزازها وقرفها الدائمين من المثليين وطريقة عيشهم وأسلوب حياتهم.

"أنا مثلية، وهذا أمر يصف جزءاً مني ولكنه ليس الوحيد الذي يعرفه الناس عني ومني! فأنا، أولاً وأخيراً، إنسانة لها اهتمامات وعلاقات وقضايا تناصرها 

ختمت هالة رسالتها بقهقهة أخيرة وهي تتحدث كيف أن نيل حقوق المثليين وفق الدستور الليبي أمر يصعب حتى الحلم به فـ"ما بالك بتحقيقه". قالت: "أنا فقط أود السلام لا أكثر"

في الشارع، هناك المتنمرون الذين لا ينضبون. "هذا شكل بنت لا ولد"، قالها لي أحد المشاة في الشارع.

ورغم أن عائلتي تُعتبر محافظة فهي مسالمة. لم يعتدِ عليّ أحد بالضرب أو التعنيف، لكن أمي مثلاً تخاف المواجهة والتحدث عن الأمر بشكل مباشر، ولكنها تستشعر بشكل أو بآخر أنني لست في الصورة النمطية للفتاة المرجوة هنا في ليبيا. هذا ما حصل حين خلعت الحجاب بعد ارتدائه ست سنوات، ومع أنني هجرت الحجاب لم تكترث أمي لسؤالي عن الأمر مخافة سماع ما لا تحبذّه مسامعها.

وسط زخم من الأفكار المعاصرة أعيش في فقاعة صنعتها لنفسي: أنا إنسانة محايدة جداً، لا أحاول إبراز شخصيتي أو حتى إخفاءها! أنا مثلية، وهذا أمر يصف جزءاً مني ولكنه ليس الوحيد الذي يعرفه الناس عني ومني! فأنا أولاً وأخيراً إنسانة لها اهتمامات وعلاقات وقضايا تناصرها ونشاطات تمارسها، فليس من العدل أن يقول فلان هالة مثلية ويصمت لأن المثلية صفة جزئية وليست صفة كاملة لي.

أتصرف غالباً بشكل عادي مع الجميع ولكن الكيفية الدوغمائية التي يحكمون بي عليها هي ما تزعجني، فأنا جامعة الشخصية الذكورية والشخصية الأنثوية معاً - لأن الشخصية الرجولية وحدها لا تمثلني وكذلك الشخصية الأنثوية... هنا أنا أضع المكياج وأتحكم في قصّات شعري وفقاً لمزاجي العام لا أكثر. حتى ملابسي غالباً ما تكون كلاسيكية وجامعة لطبيعتي وذوقي الخاص أكثر من تأطيرها داخل إطار الجنس .

أما بالنسبة للدولة فهي تجرّم الممارسات الجنسية المتماثلة للطرفين- حيث تخشى الحب المكشوف والمرئي - رغم أن المثلية في ليبيا رائجة جداً ولكنها ليست بالعلن، فالعديد من الشباب يمارسون الجنس مع أقرانهم دون البوح بذلك.

"يا لوطي، يا شاذ، يا سحاقية…"، هذه شتائم تصلنا ونسمعها بشكل متكرر في الشارع وفي الأماكن العامة، ناهيك عن التهديدات بالقتل والتخلص منا بشكل دائم كوننا نهدّد "الأخلاق العامة"، رغم أننا من الفئات المسالمة في المجتمع، فأغلبنا هواة للفن والرسم والقراءة ولا نعمل على إثارة الضجة على مسرح السياسة أو في المجالات العامة التي هي محل تسابق وتطاحن في ليبيا الآن.

وكما سبق أن قلت فأنا شخص محايد فعلاً، يدافع عن حقوق الإنسان والمضطهدين على هذه الأرض وحتى الحيوان أدافع عنه بشدة. أتمنى أن تزول كل هذه القيود النمطية وأن يعيش كل فرد كما يود دون إلحاق الضرر بغيره".

ختمت هالة رسالتها بقهقهة أخيرة وهي تتحدث كيف أن نيل حقوق المثليين وفق الدستور الليبي أمر يصعب حتى الحلم به فـ"ما بالك بتحقيقه". قالت: "أنا فقط أود السلام لا أكثر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard