زيارة عالم شيعي تطلق سيل بياناتٍ استنكارية... ماذا يحدث في البحرين؟

الاثنين 13 مايو 201906:21 م

أتى شهر مايو على البحرين هذا العام محمّلاً بأحداث سياسية متسارعة. وبدأت الحكاية بزيارة مفاجئة لرئيس الوزراء البحريني خليفة بن سلمان آل خليفة، برفقة عدد من أبنائه وأحفاده، لأحد رموز المعارضة وأبرز علماء الشيعة في البحرين السيد عبد الله الغريفي في منزله في اليوم الأول من الشهر.

خلال الزيارة المذكورة، شدد آل خليفة على "أن المجتمع البحريني سيبقى أبد الدهر عصياً على كل محاولات الفرقة والانقسام"، وعلى "أهمية أن تتحد إرادة الجميع في تحمل المسؤوليات الوطنية تجاه الحفاظ على أمن واستقرار الوطن وصون وحدته ونسيجه الاجتماعي المتماسك"، حسبما نشرت وكالة أنباء البحرين الرسمية.

من جهته، استغل الغريفي الزيارة ليحمّل رئيس الوزراء رسالة إلى الملك مفادها "أن الشعب ينتظر منه مبادرة، كما هي مبادراته ونحن على أبواب الشهر الفضيل، لتدخل الفرحة على كل القلوب، ولتصمت دموع الأمهات وآهات الآباء ولتكف أكف الضراعة بالدعاء".

كما أشار الغريفي إلى أن اللقاء كان "فرصة جيدة للحديث عن هموم الناس الأمنية والسياسية والحقوقية والاقتصادية والمعيشية والدينية، وعن ما يعيشه بعض الناس في هذا الوطن من أبناء هذا الشعب من معاناة وحرمان وبؤس".

وتناول الحديث شأن السجناء والمعتقلين وقضايا الشعائر الدينية وبعض شكاوى الحسينيات و"مجموعة من قضايا تهم أبناء هذا الوطن"، بحسب الغريفي الذي أضاف: "وجدت صاحب السمو متفاعلاً كل التفاعل مع هذه القضايا والهموم، واعداً بالسعي الجاد لمعالجة الأوضاع، وتضميد كل الجراحات، وداعياً للوحدة والتقارب".

ردود الفعل الأولى

أثارت الزيارة ردود فعل، وخصوصاً من الشارع المعارض، وعلق سياسيون معارضون عليها، رغم أنهم كانوا غارقين في صمت عميق لما يزيد عن العام بسبب حلّ الجمعيات التي ينتمون إليها، وبسبب ملاحقة السلطة لمعارضين بسبب آرائهم.

فقال النائب السابق عن كتلة الوفاق المعارضة سيد جميل كاظم "إن البلد يعيش جموداً سياسياً وكساداً اقتصادياً وافتراقاً اجتماعياً ومحنة تحوطه غرق فيها الكبير والصغير والموالي والمعارض، وجاءت حركة السيد الغريفي لتحريك المياه الساكنة الداكنة لعل الله يحقق على يديه بعض ما يصبو إليه هذا الشعب الكريم".

وأكد كاظم أن "سماحة العلامة السيد الغريفي تاريخ ناصع وحاضر ناصح ومستقبل واعد وحراك يبتغي فيه وجه الله ومرضاته ومصالح شعبه وأمنه واستقراره وازدهاره فهذه المواقف المسؤولة ينبغي علينا مساندتها".

من جانبه، علق القيادي الوفاقي مجيد ميلاد بقوله: "كل البحرين تنتظر حلاً لمختلف الأزمات التي يعيشها المواطن، بدءاً بالشأن السياسي مروراً بالملف المعيشي وصولاً للوضع الديني، وخيراً يفعل مَنْ يسعى بجدٍ وإخلاص لذلك، ولعل العلامة ‫الغريفي من القلة الذين نجحوا في خرق حاجز سميك من التدابر والتنافر، ولعل الله تعالى أن يجري على يديه الخير للوطن كل الوطن".

بدوره، قال القيادي الوفاقي والنائب السابق سيد هادي الموسوي إن "سماحة العلامة السيد الغريفي يتحرك وفق ما تمليه عليه الموازين الشرعية وفي إطار المصلحة الوطنية، وما ذلك إلا ابتغاء وجهه تعالى، وليس له في تحركه ناقة ولا جمل، إلا أداء التكليف".

ويُشار إلى أن القيادي الوفاقي خليل المرزوق كان حاضراً خلال اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء بالغريفي.

في السياق نفسه، علّق عدد من النواب على الزيارة، ووصفها النائب محمود البحراني بأنها "تحمل في طياتها الكثير من الدلالات والمعاني العظيمة"، وقال: "نحن واثقون بأن هذه الزيارة الكريمة ستحمل في طياتها الكثير لأبناء هذا الوطن، وأن مثل هذه اللقاءات وفي ظل رحابة صدر سمو رئيس الوزراء تشكل محطة مهمة من محطات العمل الوطني، كما أنها قادرة على حلحلة الكثير من الملفات التي تهم شعب البحرين".

وتمنّت النائبة كلثم الحايكي "أن تكون هذه الزيارة منطلقاً لحلحلة جميع الملفات السياسية والاجتماعية والمعيشية والتي انعكست آثارها على المواطنين في السنوات الماضية".

بيانان متأخران

ولكن قبل أن تتوالى المزيد من ردود الأفعال على الزيارة، أصدر ديوان رئيس الوزراء تنويهاً جاء فيه "أن الزيارة التي قام بها سموه إلى سماحة السيد عبد الله الغريفي كانت رداً على زيارة السيد الغريفي لتعزية سموه كما أنها تأتي ضمن زيارات سموه للتواصل مع مختلف شرائح المجتمع".

وأشار التنويه إلى أن "السيد الغريفي رفع الشكر والتقدير لجلالة الملك وسمو رئيس الوزراء وسمو ولي العهد على الأمر السامي لجلالة الملك بتثبيت جنسية 551 محكوماً صدرت بحقهم أحكام بإسقاط الجنسية، وذلك للتوضيح".

وكان العاهل البحريني حمد بن عيسى آل خليفة قد ألغى في 21 أبريل أحكاماً بإسقاط جنسية 551 بحرينياً، وقرر تثبيتها، في مؤشر على تحوّل في سياسة متبعة منذ عام 2012، أسفرت عن إسقاط جنسية نحو ألف مواطن.

وضع التنويه المذكور الكثير من علامات التعجب والاستفهام حول هدفه، إذ يجرّد الزيارة من أيّة نية للتواصل مع أطراف المعارضة بهدف حلحلة الأزمة المستمرة منذ عام 2011 ويخالف ما تحدث عنه الغريفي من وعود "بالسعي الجاد لمعالجة الأوضاع".

وكان لافتاً أن ردة فعل الزعيم الشيعي المعارض الذي أسقطت السلطات البحرينية جنسيته عام 2016، وسمحت له بمغادرة البلاد العام الماضي، ويقضي معظم وقته في إيران حالياً، الشيخ عيسى قاسم، تأخرت أيضاً وجاءت في بيان أصدره بعد يومين من الزيارة قال فيه "إن الإصلاح حتى يثبت ويأمن من التقلبات السريعة والنكسات المتتالية العاجلة، لا بدّ أن يشمل ويركز على البعد السياسي والعلاقات السياسية بين الشعب والحكم".

وأشار قاسم في بيانه إلى أنه "لا ضمان لبقاء إصلاح، ولا جدية في الإصلاح، ولو بالمعنى النسبي، أقل من الأخذ بمتعارف اليوم في الأنظمة السياسية المسماة بالأنظمة الديمقراطية المتقدمة، والتي تجاهر الأنظمة الأخرى المتخلفة بنموذجيتها، هذا المتعارف الذي ينطلق في الأمر السياسي كله ومن أوله إلى آخره من رأي الشعب وإرادة الشعب وقرار الشعب".

واعتبر مراقبون أن بيان قاسم الذي أشاد في ختامه بالسيد الغريفي، ووصفه بـ"معلّم الإيمان، والرساليّة، والمحبة الإنسانية، والخُلُق النبيل"، جاء ليحدد أن المطالب لا تنتهي عند إطلاق سراح السجناء وتعديل الأوضاع المعيشية بل يجب أن ترتكز على أساس وضمانات لبقائها واستمراريتها.

بعد هذين الموقفين، شعر كثيرون بأن ما جرى انتهت آثاره. ولكن جدد التساؤلات حول ما يجري في أروقة السلطة البحرينية اتصال أجراه رئيس الوزراء الأقدم في العالم (يشغل المنصب منذ 50 عاماً)، في السادس من مايو، بأمير قطر تميم آل ثاني، الذي تقاطعه رسمياً البحرين والسعودية والإمارات ومصر، وتهنئته بحلول شهر رمضان، كما أعلنت وكالة الأنباء القطرية.

ماذا يحدث في البحرين؟ رئيس الوزراء يزور عالم الدين الشيعي عبد الله الغريفي ثم بعد أيام تُصدر وزارة الداخلية بياناً تتهمه فيه بالتعاطف مع الإرهاب... نواب يزورون رجل الدين نفسه فيصدر زملاء لهم بياناً يهاجم الزوّار ومستقبِلهم بعنف...
أمور غريبة تجري في البحرين منذ الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الوزراء البحريني خليفة بن سلمان آل خليفة، برفقة عدد من أبنائه وأحفاده، لأحد رموز المعارضة وأبرز علماء الشيعة في البحرين السيد عبد الله الغريفي

مجدداً، سارع ديوان رئيس الوزراء إلى إصدار بيان مقتضب ذكر أن "الاتصال بين سمو رئيس الوزراء وأمير قطر ارتكز فحواه على البعد الاجتماعي بتبادل التهاني بشهر رمضان فقط".

وتلا ذلك تصريح لوزير شؤون مجلس الوزراء أكد فيه أن الاتصال بين رئيس الوزراء وأمير قطر "لا يمثل الموقف الرسمي للبحرين ولا يؤثر على التزامها مع شقيقاتها"، السعودية والإمارات ومصر، حول تنفيذ قطر لما التزمت به في 2013 و2014 "وما تبعها من مطالب عادلة"، فاتحاً باباً كبيراً للتساؤل: مَن يمثل خليفة بن سلمان إذاً، إذا كان لا يمثل الموقف الرسمي للبحرين؟

وتكررت عبارة "التزام مملكة البحرين مع الأشقاء..." في بيانات متتالية بدءاً من تصريح ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة خلال استقباله كبار المسؤولين في المملكة بمناسبة بحلول شهر رمضان، ومروراً بتصريح لرئيسة مجلس النواب فوزية زينل.

الغريفي مرة أخرى

في الثامن من مايو، عاد الحديث عن مساعي الغريفي إلى السطح، عندما زار ستة نواب مجلس السيّد وطالبوا بـ"المزيد من المبادرات والخطوات الوطنية التي من شأنها حفظ أمن واستقرار مملكة البحرين، ورأب الصدع ولمّ الشمل، وإيجاد الحلول لمختلف الملفات والقضايا الملحة الطارئة في المشهد السياسي والاجتماعي والأمني البحريني".

وأشار النواب إلى أن الزيارات الأخوية المتبادلة والتواصل بين رئيس الوزراء والعلامة الغريفي، "أثلجت صدور كل الشعب البحريني لما التمسوه من خير وصلاح ومردود طيّب اجتماعياً وسياسياً، وألقت بالأثر المتفائل في الأنفس".

وثمّنوا "جهود الغريفي المتمثلة في فتح آفاق التعاون وتوطيد العلاقات مع القيادة السياسية في المملكة، والسعي يداً بيد نحو رسو البحرين وشعبها على بر الأمان"، مبدين استعدادهم لمد يد التعاون والتعاضد "نحو كل ما من شأنه النضج بمبادرات حقيقية يصبو إليها الجميع".

لم تمرّ هذه الزيارة وما صدر عنها مرور الكرام. في اليوم التالي، تفاجأ النواب الستة ببيان لزملاء لهم لم يذكروا أسماءهم، نشرته صحيفة "الأيام" ذاكرةً فقط أنهم "عدد كبير من النواب"، استنكروا فيه زيارة الغريفي واعتبروها إهانة للمجلس.

واتهم البيان المذكور الغريفي بأنه "لم يحرّك ساكناً ولم يستنكر صدور تصريحات ومواقف مسيئة لأمن واستقرار البحرين كان آخرها تصريحات مقتدى الصدر وتدخلاته السافرة في الشأن الداخلي البحريني"، وأنه "لم يعلن موقفه مما يقوم به حزب الله الإرهابي من أعمال إرهابية وتخريبية في البحرين"، وبأنه "لم يعترف قط بالمجلس المنتخب من شعب البحرين ولم يكن داعماً للعملية الانتخابية حيث لم يشارك قط في أية عملية انتخابية، ولم يتبرأ في يوم من ولاية الفقيه التي جلبت الشر للمملكة".

تعليقاً على هذا البيان، عادت النائبة كلثم الحايكي للحديث في المسألة وأبدت استغرابها الشديد من تهجم بعض النواب على زملائهم، مبدية رفضها التام لأيّة مصادرة لحق النواب في تواصلهم وانفتاحهم على الشخصيات الوطنية ورجال الدين من كل الأطياف، ومذكّرة بأن رئيس الوزراء زار الشخصية ذاتها "فهل ينطبق ما ذكره أصحاب البيان على زيارة سمو رئيس مجلس الوزراء لذات المجلس؟".

وكرّت سبحة البيانات التي كُتبت جميعها بنَفَس واحد وروح واحدة، واستنكرت زيارة النواب للغريفي.

فقد أصدرت جمعية الصحافيين البحرينية بياناً وصفت فيه زيارة النواب للغريفي بأنها "لا تتسق مع توجهات مملكة البحرين وسياساتها بتعزيز المواطنة والدفاع عن سيادة المملكة ضد كل مَن يريد النيل منها"، وعيّنت نفسها فيه ناطقةً باسم الناخبين حين أشارت إلى أن "نواب الشعب الذين زاروا الغريفي في مجلسه، لا يعبّرون عن آراء مَن انتخبوهم في هذا الموقف، حيث لم يكلّف الغريفي نفسه يوماً بالتعبير عن انتمائه وولائه للوطن الذي يعيش فيه، بل إنه لم يعترف بمجلس النواب الذي زاره أعضاؤه"، خاتمة بيانها بمطالبة الزائرين باعتذار.

وتلت ذلك بيانات مشابهة في الصياغة والمصطلحات أصدرتها كتلة الأصالة السلفية وجمعية تجمع الوحدة الموالية للسلطة، ومجلس الشورى الذي يعيّن أعضاءه الملك ويتشارك بالتساوي في التشريع مع مجلس النواب، بالإضافة إلى مقالات كتّاب أعمدة في عدد من الصحف البحرينية استنكرت الزيارة واتهمت الغريفي بالعمالة للخارج.

وأتت مفاجأة أخرى في 11 مايو، عندما أصدرت وزارة الداخلية بياناً اتهمت فيه الغريفي بأنه "يسعى إلى استغلال الانفتاح الذي نعيش، ومرحلة الإصلاح التي ننعم بها ونسعد، وذلك من خلال مواقف وتصريحات وبيانات، ابتعدت عن المسؤولية الوطنية، وامتدت لعدة سنوات من محاولات التأزيم الأمني، في وقت كانت الجهود الأمنية تبذل من أجل استعادة السكينة والاستقرار الاجتماعي"، وقالت فيه أيضاً إنه "لم يُصدر إدانة للأعمال الإرهابية، بل عكس تعاطفاً وقبولاً لها".

صراع أجنحة؟

يطرح مراقبون فرضية صراع بين أجنحة الحكم داخل العائلة الحاكمة بدأ يطفو على السطح، ويعتبرون أن الجناح المعادي لرئيس الوزراء في السلطة يسعى إلى تحجيمه وتحجيم مبادراته والتبرؤ منها علناً.

هل سيتطور هذا الصراع أكثر خلال الأيام المقبلة؟ أم أن الغرض من كل هذا التصعيد هو إيصال رسالة إلى خليفة بن سلمان بألا يخالف المسار الذي يرسمه الديوان الملكي؟ وكيف سيكون موقفه؟ الأيام المقبلة ستكشف ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard