المأكولات اليهوديّة في الدول العربيّة وإيران... وأيضاً كيف تسرقها إسرائيل

الثلاثاء 14 مايو 201902:28 م
من المطبخ اليهودي العربي، طبق يسمّى الـ"كيتشري"، وبالعربيّة يُسمّى أيضًا "خيدجي"، وهو آكلة جنوب آسيوية، مكوّنة من الأرز والعدس والتوابل، وتشبه الكشري المصريّ.

من العراق: "كيتشري"

أو بالعربيّة تُسمى أيضًا "خيدجي"، وهي آكلة جنوب آسيوية، مكوّنة من الأرز والعدس والتوابل، وتشبه الكشري المصريّ.

المقادير:

أرز / عدس/ بصل /ثوم /زيت /صلصة طماطم (بندورة)/ ملح، فلفل، كمون، كركم/ ماء/ لبن/ سلطة خضروات

طريقة التحضير:

يُغسل الأرز والعدس جيدًا، مع الكثير من الماء. يُسخن الزيت في وعاء، يُضاف عليه البصل ويُبطخ بعض الدقائق، تُضاف فيما بعد صلصة الطماطم، البهارات والماء حتى الغليان.

يُضاف الأرز والعدس حتى الغليان من جديد، يُغطى الوعاء، نخفف النار ويُطبخ على مدار 20 دقيقة.

قبل التقديم، يُسخن الزيت في مقلاة، يُضاف الثوم والكمون ويُطبخ لمدة دقيقة. بعد الانتهاء، تُصب الخلطة على الأرز وتُخلط جميعها، وتقدّم مع اللبن (الزبادي) والسلطة.

من تونس: "المردومة"

المقادير:

طماطم (بندورة)/طماطم جافّة /زيت زيتون /فلفل أخضر /ثوم/ بهار أسمر، ملح، سكر

طريقة التحضير:

تُطبخ الطماطم على مهل، مغطاة بزيتون الزيتون. بإمكان وضع أنواع عديدة للطماطم، ألوان، أحجام وأشكال متنوعة، كما الطماطم الجافة. جميعها تُقطع إلى قطع صغيرة.

نضيف على الطماطم، الفلفل الأخضر المقطّع، وفصوص ثوم كاملة، منها المقطّع ومنها الكامل. تُخلط جميعها سويةً، نضيف بهار أسمر، ملح وسكر وزيت زيتون.

نضعها جميعاً في طنجرة على نار هادئة أو في الفرن طوال الليل، بعدها تضاف حبّات كراوية مطحونة.

من إيران: الـ گندی gondi

المقادير:

حمص حب/ أرز /ليمون جاف (ليمون فارسي)/ملح، فلفل، كركرم، هيل /مسحوق حمص /دجاج /بصل

طريقة التحضير:

للشوربة: نسلق حبّات الحمص التي تم وضعها في المياه طوال الليل، نضيف إليها الليمون الجاف (ليمون فارسي)، ملح، فلفل، كركم والقليل من الأرز.

كرات لحمة الـ گندی: ثلث بصل مبروش، ثلث صدر حبس أو دجاج مطحون، ثلث مسحوق الحمص. من غير المفضل أن تلتصق في اليد عندما مسكها، وإن التصقت، بإمكانكم/ن إضافة المزيد من البصل المبروش، وإذا كانت الخلطة سائلة قليلاً، عندها أضيفوا المزيد من مسحوق الحمص حتى تصل إلى وضعها الجيّد.

نضيف إلى الخليط الملح، الفلفل، الكركم والهيل. نرطب اليد، ونجهز الكرات بحجم طابة بينغ بونغ ونضعها في الشوربة. تكون الوجبة جاهزة بعد نصف ساعة على النار".

عندما ذهبت لتناول الشاورما في برلين، اكتشفت أنها تؤكل في بلاد الشام مع صلصة الثوم، وأنا شخصيّاً، كفلسطينيّة وُلدت في عكّا، لم أعرف أن الشاورما تُؤكل مع ثوميّة، لأننا في الداخل الفلسطينيّ نأكلها مع صلصة "عمبة" العراقيّة..

الاحتكار الاستعماري للطعام، لم يجرِ على الطعام الفلسطيني فقط - على الرغم من أن بُعده السياسي أشدّ خطورة - بل على مطبخ اليهود الذين أتوا من بلادٍ عربيّةٍ وإيران إلى فلسطين.

لا يطال مجهود  إسرائيل في محو هويّة الفلسطينيّين فقط، إنما يصل إلى اليهود الذين جاؤوا من البلاد العربيّة إليها إبّان تأسيسها، فكان عليهم أن يتركوا هويّتهم العربيّة في بيوتهم في بغداد والقاهرة ومراكش.

عندما انتقلتُ إلى برلين، وفي لحظات الحنين الأولى إلى الشاورما، أخذني أصدقاء يعرفون "أفضل" مطاعم الشاورما في المدينة، وأضع "أفضل" بين قوسيْن، لأن المسألة نسبيّةٌ. فبالنسبة إلي، كلّ شاورما العاصمة الألمانيّة هي محاولات لتقديم شاورما طيّبة، أنا التي ذقت شاورما حيفا، حيفا تحديداً وليس كلّ فلسطين.

المهمّ، عندما ذهبت لتناول الشاورما في برلين، ومع تكرار زياراتي للمطاعم الفلسطينيّة، السوريّة واللبنانيّة، اكتشفت أن الشاورما في بلاد الشام تُؤكل مع صلصة الثوم، أو ما يُسمى بالثوميّة، وأنا شخصيّاً، كفلسطينيّة وُلدت في عكّا، لم أعرف يوماً أن الشاورما تُؤكل مع ثوميّة، لأننا في الداخل الفلسطينيّ نأكلها مع صلصة "عمبة".

والعمبة أو العنبة هي مادةٌ سائلةٌ، طعمها حلو وحامض وحار، منتشرة الاستخدام في المطبخ العراقي وتُستخرج من فاكهة المانغا، ومنتشرة في الهند والخليج، وكانت قد وصلت إلى محلات الشاورما في حيفا ويافا وغيرها، مع اليهود العراقيّين الذين جاؤوا فلسطين بعد تأسيس دولة إسرائيل، فاختفت الثوميّة من الشاورما وحلّت مكانها العمبة، وهنا أتحدّث تحديداً عن أراضي الـ 48.

ومثل العمبة، مأكولاتٌ كثيرةٌ وروائحُ متنوّعة أتى بها اليهود الذين قَدِموا من الدول العربيّة إلى فلسطين، كانت نوافذ أطلّيت منها على أطعمةِ بغداد، جربا، الرباط، صنعاء وحتّى طهران، وهي أمكنة لا يمكنني أن أذهب إلى معظمها، بحكم أني أحمل جواز سفرٍ إسرائيليّ، كما مليون وثلاثمئة ألف فلسطينيّ في إسرائيل.

الإشكاليّة هنا، هي بأن العمبة، كمأكولاتٍ عربيّةٍ وشرقيّةٍ عديدة، تنسبها إسرائيل لنفسها، فالاحتكار الاستعماري للطعام، لم يجرِ على الطعام الفلسطيني فقط - على الرغم من أن بُعده السياسي أشدّ خطورة - بل على مطبخ اليهود الذين أتوا من بلادٍ عربيّةٍ إلى فلسطين.

يحملني الطعام دوماً إلى سؤال الهُويّة، هذا السؤال الذي وُلدتُ فيه كما أبناء وبنات شعبي، في ظلّ كيانٍ استعماريّ يعمل جاهداً منذ تأسيسه، على محو هذه الهويّة ومعالمها، ولا يطال مجهوده هذا هويّة الفلسطينيّين/ات، إنما يصل إلى اليهود الذين جاؤوا من البلاد العربيّة إلى إسرائيل إبّان تأسيسها، فكان عليهم أن يتركوا هويّتهم العربيّة في بيوتهم في بغداد والقاهرة ومراكش، "بأمرٍ" سياسيٍّ استعماري، ويتحوّلوا إلى كياناتٍ جديدةٍ تتشرّب هويّةً إسرائيليّةً كان قد رسم تفاصيلها، مؤسّسو الحركة الصهيونيّة الأوروبيّون، الذين تعاملوا مع الهويّة العربيّة أو المشرقيّة بكلّ تفاصيلها، كأنها دون المستوى.

فكيف تجسَّد ذلك في طعام اليهود الذين جاؤوا من البلاد العربيّة وإيران إلى إسرائيل؟ وكيف عملت إسرائيل على طمس هويّاتهم أيضاً، منها المتجسّدة بالطعام، ولماذا، بعد سنوات عديدة، نَسبت المأكولات لها؟

"يُسرق الطعام من الطرف المُستضعَف"

ينشر رفرم حدّاد، عبر حسابه في انستغرام صوراً لمأكولاتٍ عديدةٍ، جزء منها يعدّها بنفسه والآخر يلتقطها من مطاعم تونسيّة متنوّعة، حيث يعيش في العاصمة تونس منذ أربع سنوات. وُلد الكاتب والفنان رفرم حدّاد في تونس، وترعرع في القدس، من ثمّ عاش في أوروبا، وقبل أربع سنوات عاد إلى مسقط رأسه، تونس. "أنا من هنا، أرتاح هُنا أكثر"، يقول رفرم في حديثٍ خاص.

معه، كان لنا حديث عن تسييس الطعام وسرقته من قبل الكيان الاستعماريّ، عن هذا يقول رفرم: "عندما تنسب جهةٌ ما الطعام لها، بالتالي الطرف الآخر هو الأضعف. لا أحد ينسب السوشي الياباني له، هذا لا علاقة له إذا كنت مع إسرائيل أو ضدّها، ولكن مع السرقة هنالك محو لثقافةٍ أخرى. عندما تقول إن الشكشوكة إسرائيليّة، فأنت تمحو تونس، ليس فقط يهود تونس. هنالك أسئلة سياسيّة اليوم على المطبخ الفلسطينيّ، ولكن لا من أسئلة حول مطابخ اليهود العرب التي تتشابه مع الفلسطينيّين والشرقييّن، والأشكناز لا يتحدّثون عن اليهود الشرقيّين إنما عن الفلسطينيّين فقط، لأن في الحديث عن اليهود العرب هنالك مسٌّ بثقافتهم هم، وبالتالي، أنت تسرق طعامَ من هو بالنسبة لك غير مرئيّ".

يتابع رفرم حدّاد: "العالم العربي غير حاضر بالسياق الإسرائيليّ إلّا كماضٍ وذاكرة، عندما يزور اليهود تونس، يزورون جذورهم، لكن زيارة أوروبا هي للمتعة. الجذور هي في الخلف، غير معاصرة، كل شيء مات لحظة وصل اليهود إلى إسرائيل. وكلّ ما قد مات، يُمكن الاستحواذ عليه، مثل الشكشوكة. نحن نتحدّث عن يهودٍ عاشوا في تونس منذ آلاف السنين، الأكل غير سياسيّ إلا عندما يُسرق، هو متصل بمكان، عندما يُستخدم الأكل لمصالح سياسيّة، مثلما تفعل وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة واستثمارها الاقتصادي بذلك، ولذلك يجب أن يُسترجع بمحادثةٍ سياسيّة، على الرغم من أني لا أفضّل ذلك، لأن الطعام هو طعام، هو العائلة والشارع والبيت، وليس أداةً للاستخدام".

عملت إسرائيل لسنواتٍ على طمس الهُويّة العربيّة والشرقيّة لليهود القادمين من الدول العربيّة، والتعبير عنها في الفضاءات العامّة، لكن اليوم، تعمل إسرائيل على تحويل الطعام العربيّ والشرقيّ إلى "براند" خاصّ بها.

عملت إسرائيل لسنواتٍ على طمس الهُويّة العربيّة والشرقيّة لليهود القادمين من الدول العربيّة، والتعبير عنها في الفضاءات العامّة، لكن اليوم، تعمل إسرائيل على تحويل الطعام العربيّ والشرقيّ إلى "براند" خاصّ بها.

تفسيراً لهذا، يقول رفرم: "لأن الزيت أصبح موضةً في كلّ العالم، والناس فهمت أنه لا داعي للسفر إلى إيطاليا لتذوّق أكل المتوسط، فكلّ شيء موجود هُنا. من خلال الهسبارة، أي التوجيه المعنوي، تُرسل إسرائيل طبّاخين إلى العالم للحديث عن الأكل الإسرائيليّ، والذي هو خليط بين الفلسطيني والشرقي لليهود العرب، وجزءٌ من المسوِّقين لهذا الطعام هم يهودٌ عرب، لكن في هذا السياق هم لا يمثّلون أنفسهم وثقافاتهم إنما إسرائيل، لذلك فالموضوع مركّب. عندما يُقال عن وجبةٍ من العالم العربي بإنها تتبع المطبخ الإسرائيلي، هنا المشكلة، لأنها تتبع لمطبخٍ آخر وذاكرة شخصٍ آخر وروائح أخرى، المشكلة هي في محو ذاكرة الآخر الذي يُعامل بدرجةٍ أقلّ ويُعاني من السرديّة الإسرائيليّة الرسميّة. لو أردت أخذ طعام أحد، ونسبه لك، على الأقل عامله كإنسان".

"إيران هي الوطن وليس إسرائيل"

لا يمكنني الحديث عن المطبخ اليهودي العربي، بلا التطرّق إلى المطبخ اليهودي الفارسي، إلا أنه مقارنةً بمأكولات الدول العربيّة، لم يتسنَّ لي أن أتعرّف على المطبخ الفارسي وأنا في فلسطين، إلا أني تعرّفت إلى بعضٍ منه من خلال أصدقائي الإيرانيّين في برلين. ومع الإبحار في الروائح، البهارات، الموسيقى والأغاني التي تصل من هناك، ارتفع منسوب الشغف لزيارة بلاد الحلّاج.

خلال بحثي عن شخصيات لمحاورتها، وصلت إلى أورلي نوي، وهي صحافيّة، مترجمة أدب من الفارسيّة إلى العبريّة وناشطة سياسيّة، وُلدت في طهران عام 1970 وجاءت مع عائلتها إلى إسرائيل عام 1979، ومنذ ذلك الوقت وهي تعيش في القدس، متزوّجة ولها ابنتان.

عند بداية حديثنا، قالت أورلي: "المطبخ الفارسي مختلفٌ عما يُسمّى بالأكل الإسرائيليّ. المطبخ الإسرائيلي غير مثير ولا يُسْتَثْمَر فيه. الباستا الإسرائيليّة هي باستا مع "كيتشوب"، لا أعرف ما هو المطبخ الإسرائيلي، كلّ ما سمّيناه بالإسرائيلي سرقناه من أحدٍ آخر. المطبخ الفارسي هو مطبخ مع موروث ثقافي وتاريخي، وأكله ذو جماليّة".

تعتبر أورلي أن طهي المأكولات الفارسيّة هي عودة إلى هويّتها الإيرانيّة، كهويّةٍ دائمة التصميم وحاضرةٍ وجزءٍ من رحلتها. وتضيف: "الأكل الفارسي حاضرٌ أيام الجمعة عند المساء، وفي طقوس حيواتنا المتنوّعة، تلتفّ حوله العائلة. كما أن بناتي خضريات، وكان عليّ أن أغيّر بعض التفاصيل في المقادير كي يلائمهن. عندما يدخلن البيت وتفوح منه رائحة الطعام، تصبح هذه الرائحة بمثابة ختمٍ للذاكرة سيبقى معهن مدى الحياة، وهذه الرائحة مثل رائحة طفولتي في طهران، ستصبح رائحة طفولتهن أيضاً. إيران هي دائماً الوطن، وليس إسرائيل".

تشتري أورلي معظم البهارات الإيرانيّة من محلّات في القدس، عدا الزعفران الذي تُحضره من تركيا أو أوروبا، أي من المحلات التي تُحضر الزعفران مباشرة من إيران.

من المأكولات التي تواظب أورلي على تحضيرها هي الگندی gondi. عنها تقول: "قبل سنوات، دعوت أصدقاء إيرانيّين لتناول الگندی، ولم يعرفوا الطبق عندها، فاستوعبت أنه وجبة خاصّة باليهود، وكان الاكتشاف مثيراً، لأن الجالية اليهوديّة الإيرانيّة هي إيرانيّة جداً، ولم أكن أعرف بوجود مطبخٍ يهوديٍّ إيرانيّ، حاضرٍ بطقوسٍ معيّنة مثل الأعياد والحداد، عدا ذلك هو جزء من المطبخ الإيرانيّ العامّ".

"عندما وصلوا إسرائيل، كان عليهم أن ينسوا ثقافتهم"

من خلال حديثي مع رفرم حدّاد، تطرّق إلى كلاوديا رودن، وهي كاتبة بريطانيّة وأنثروبولجيّة ثقافيّة مختصّة بالطعام تحديداً، وقد عُرفت برصيدها من كتب حول المطبخ المتوسطيّ، حيث أصدرت الأوّل عام 1968. وُلدت كلاوديا عام 1936 في القاهرة، لعائلةٍ يهوديّةٍ من سوريا، ترعرعت في حيّ الزمالك، وفي عام 1953 ذهبت للدراسة في باريس ومن ثمّ لندن، إلى أن لجأت عائلتها فيما بعد من مصر إلى بريطانيا.

"أثناء الدراسة كنت أعيش مع أخوتي وطلاب آخرين، وكنا نطبخ، لكن الطبخ كان سيئاً، وعندما وصل أهلي وباقي الناس، فهمت بعد سنوات كثيرة أننا كنا نلتقي جميعنا، أهلي والأصدقاء الذين أصبحوا لاجئين مشتاقين لمصر، ولحيواتنا هناك والناس الذين تركناهم خلفنا، فكان الطعام بمثابة حنينٍ إلى الماضي"، تقول كلاوديا في حديث خاصّ. وتتابع: "ومع الوقت، عرفت أيضاً أن الناس كانوا يشاركون مقادير الطعام مع بعضهم البعض، من قبل، أي عندما كانوا في مصر، لم تشارك العائلة المقادير مع بعضها البعض، بسبب الغيرة، فكانت الأم تعلّم ابنتها وكنّتها فقط، لكن فجأة، أصبحت مشاركة مقادير الطعام لتذكير أنفسنا بمن نكون".

عاش اليهود في مصر ضمن الأحياء اليهوديّة، سواء في القاهرة أو الإسكندريّة، كما أن عائلات كثيرة وصلت إلى مصر نهاية القرن التاسع عشر، بعد فتح قناة السويس، وأصبحت مصر بمثابة مركز، ووصلت عائلات عديدة إليها، منهم اليهود في سوريا وتركيا، وثلاثة من أجداد كلاوديا رودن على سبيل المثال، رحلوا من سوريا إلى مصر. عن هذا تقول: "صُنع أبي في سوريا لكنه وُلد في مصر، الكثير وصلوا من سوريا للعيش في القاهرة وعاشوا في منطقة السكاكيني حديثة البناء آنذاك، وواصلوا حياتهم كسوريّين يهود".

عندما بدأت كلاوديا بتجميع مقادير الطعام، أرادت بدايةً أن يكون عن المطبخ في مصر، فقد تواصلت مع أصدقاء مسلمين في مصر، واكتشفت أن الكتاب الوحيد بالعربيّة عن المطبخ المصري، هو مترجم وتابع للجيش البريطاني، احتوى على مقادير المعكرونة مع الجبنة، القرنبيط مع الجبنة، وشعرتْ بأهمية أن يكون كتابٌ يحتوي على مقادير مطبخ الناس، لم تكن فكرة الكتاب الأوّل واضحة المعالم، لكنها أرادت فقط تجميع مقادير من الناس، لحفظ ذاكرتهم وتاريخهم من بلاد عديدة.

في إجابة عن السؤال أي موقف سياسي و/أو ثقافي يحمل الحضور المستدام للأكل في الحياة اليوميّة بالنسبة لليهود الذين قَدِموا من الدول العربيّة إلى إسرائيل، قالت: "عندما ترك اليهودُ العالمَ العربي، تزامن ذلك مع تأسيس دولة إسرائيل، عندها الكثير منهم كانوا فقراء، والآخرون استطاعوا العيش في أماكن أخرى بالرغم من أنهم خسروا أموالهم وممتلكاتهم. عندما وصلوا إسرائيل كان عليهم أن ينسوا ثقافتهم وأرادوهم أن يصبحوا إسرائيلييّن مع قيمٍ وثقافةٍ جديدة، ولذلك لعقودٍ طويلةٍ لم يفتتح عراقيٌّ مطعماً عراقياً، وعندما صدر كتابي الأوّل قبل 52 عاماً، وتمّ بيعه في إسرائيل باللغة الإنجليزيّة، أخبروني أنه لن يُشترى لأن لا أحد يريد أن يشتري معلومات عن مطبخ المتوسط، لأنهم رأوا فيها ثقافةً معادية، لكن بعدما تُرجم إلى العبريّة، نادوا عليه مطبخاً متوسطيّاً وليس شرقيّاً".

وتتابع كلاوديا: "اليهود الذين جاؤوا من دولٍ عربيّةٍ، مثل يهود مصر، جاؤوا من الأحياء الفقيرة، ووُضعوا في خيّمٍ في الصحراء، كانوا طبقةً عاملةً والحياة كانت صعبة، ولم يكن لديهم مساحة للطبخ، وبالتالي كان من الصعب عليهم طبخ مأكولاتهم، وعندما بدأ الطباخون الشباب في الجيش يتعلّمون كيف يطبخون، لم يعرفوا طبخ مأكولاتهم بشكل جيّد، لكن أعتقد أن في الثمانينيات عندما بدأ الطبّاخون الشباب بالسفر إلى المغرب وتركيا وتونس، وفهموا ماذا حاول أجدادهم الطبخ عندما وصلوا إسرائيل.. لأنهم لم يتذكّروا مأكولات أجدادهم، لأن الذاكرة تخبرك بمن أنت وبجذورك وهويتك، وهذا ما يحدث اليوم مع اللاجئين، السوريّين تحديداً، الأكل هو الشيء الوحيد الذي يستطيعون خلقه في البيئة الجديدة ويشاركونه مع المحيط، لأنهم لا يمكنهم الحديث بالعربيّة مع المحيط، والأكل هو البيت. وفي إسرائيل، كانت حياة اليهود من الدول العربيّة بالبداية صعبة في الخيام وكانوا فقراء، ولم تكن ثقافتهم موضع تقدير في إسرائيل، لكنهم واصلوا طبخ مأكولاتهم في البيت. كانت هنالك سياسة كاملة لمنع الناس من إحضار ثقافتها".

تروي كلاوديا امتداداً لذلك، أن في فترة ما، كانت المدارس في إسرائيل تطلب من الطلاب إحضار مأكولاتٍ من البيت، لكن الأطفال كانوا خجولين لوقتٍ طويلٍ من إحضار الطبيخ، وعندما سألوهم ماذا أحضروا، كانوا يجيبون: "ستيك وتشيبس"، لأنهم اعتقدوا أن هذه المأكولات محايدة مقارنةً بالكسكس مثلاً. وتتابع: "مع الوقت تغيّرت الأشياء، عندما بدأ الناس بالشعور بأن هذا الأكل جيّد ويجب تقديره، هذا يأتي بموازاة الطعام الذي أحضروه الروس والأوكرانيّون من بلادهم، كان قد نُسي في البداية، لأن الأكل يذكّر الناس بالماضي، وكان الخطاب العامّ بأننا اليوم لسنا بولنديّين ولا روس، يجب وضع كل شيء في الخلف وعلينا تغيير أسمائنا الأولى، بمعنى، ليست الثقافة الشرقيّة هي وحدها التي مُسحت".

بما يتعلّق بنسب إسرائيل المأكولات الفلسطينيّة إليها، قالت كلاوديا: "أتمنى أن يُباع الحمّص الفلسطينيّ في العالم، وأن يُباع الزيت الفلسطينيّ بدلاً من الإسرائيلي، لكني متأكّدة بضرورة تطوير صناعة الزيت الفلسطينيّ. على مستوى شخصي، الأكل بالنسبة لي هو اللقاء حول المائدة، يتواصل البشر من خلاله، يقرّب الطعامُ الناسَ من بعضهم البعض. في حالتي، تعاملت مع العالم الإسلاميّ، ووجدت بشراً يعرفوني، كلّي أمل أن يحلّ الأكل المشاكل الأكبر، وشخصيّاً، أريد أن يحصل الفلسطينيّون على حقوقهم أكثر من أيّ شيء آخر، والكثير من اليهود يريدون ذلك، متى سيحدث ذلك، لا نعلم.. الوضع حزين، لكني أتمنى ذلك".

في العودة إلى سؤال الهُوّية الذي يشغلني، من المهمّ التذكير أن العمبة ومثلها الكسكس والشكشوكة، تنتمي إلى حضارتي وهُويّتي، ليست العربيّة فقط، فالشكشوكة تتبع للمأكولات الأمازيغيّة في شمال أفريقيا، لكن بالإشارة إلى حضارتي وهُويّتي، أقصد المقموعة والمُضطَهَدَة من قبل الاستعمار، والعمبة، رغماً عن كلّ شيءّ، لن تنسى بغداد*.

هُويّة الطعام، رغم كل شيء

بالعودة إلى الشاورما والعمبة، أعرف تماماً أني غالباً لن أتفق سياسيّاً مع من أحضروها معهم إلى فلسطين، وأن مسألة قمعٍ ومن ثمّ احتكار الطعام واليهودي العربيّ/ الشرقيّ، كجزءٍ من طمس هويّة اليهود التي تعود أصولهم إلى البلاد العربيّة، هي آلية إسرائيل، لكنها بالمقابل، لم تُقاوَم آنذاك، واليوم، هنالك أفراد ومجموعات تعمل على استعادة الهويّة وتسميتها بما تنتمي إليه، بوصلتها أيضاً، في كثير منها، غير صهيونيّة.

وفي العودة إلى سؤال الهُوّية الذي يشغلني، من المهمّ التذكير أن العمبة ومثلها الكسكس والشكشوكة، تنتمي إلى حضارتي وهُويّتي، ليست العربيّة فقط، فالشكشوكة تتبع للمأكولات الأمازيغيّة في شمال أفريقيا، لكن بالإشارة إلى حضارتي وهُويّتي، أقصد المقموعة والمُضطَهَدَة من قبل الاستعمار، والعمبة، رغماً عن كلّ شيءّ، لن تنسى بغداد*.

*بالإشارة إلى فيلم "انسى بغداد" الوثائقي للمخرج العراقيّ السويسريّ سمير جمال الدين. يرصد الفيلم حياة كتّاب يهود عراقيّين يعيشون في إسرائيل، والعنصريّة التي يتعرّضون لها منذ هجرتهم إليها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard