ملائكة في خدمة الحرب: صناع الصورة في منتجات حربها البصرية

الجمعة 17 مايو 201903:25 م

عُرض فيلم "فعل القتل" عام 2012 مصوّراً رحلة العمّ أنور، لإعادة أداء حياته النضاليّة -وهو الجزّار الذي شارك في تطهيرٍ عرقي راح ضحيّته مليون شخص في إندونيسيا- أمام عدسة الكاميرا وخلفها، منذ بداية ظهور الفكرة وحتى انتهاء الفيلم.

الفيلم المصوّر على طراز أفلام الغرب الأوسط في الولايات المتحدة، يدفع أنور في نهايته للتشكيك بأخلاقيّة ما قام به، خصوصاً بعد أن أعاد أداء عددٍ من المشاهد شديدة القسوة، استمع في أحدها إلى ممثلٍ يلعب شخصيّة ضحيةٍ، يحدّثنا وأنور عن والده الذي راح ضحية لهذه المجزرة، وهو يجهش بالبكاء، وفي مشهدٍ آخر لم يستطع أنور إيقاف ممثلةٍ طفلةٍ عن البكاء بعد انتهاء تصوير مشهد تدمير أحد القرى وحرقها لتصبح رماداً.

 "في الحرب جميع الأطراف تكذب لدعم وجهة نظرها"

استخدام الديكتاتوريّات لصنّاع الصورة كأداةٍ في صورتها، سينتج حتماً أبطالاً لأساطير شعبية عن الحرب، بدأنا نرى نسخاً منها تنضج بهدوءٍ شديدٍ في سوريا

التوبة التي تظهر جليةً في نهاية الفيلم، تشكّل نموذجاً يكاد يصبح نمطيّاً في السينما التي تتناول صنّاع الصورة، نموذجاً يجعل من فرض الصورة الإنسانويّة على صانعها، ضمن صراع بينه وبين عدوّه أو ضحيّته، مساحةً تنتصر فيه الصورة للنبل مرّةً تلو الأخرى، ولا يقتصر هذا الصراع على السينما الموجّهة للنخبة في أمريكا وأوروبا، بل يشمل أفلام هوليوود المُهيمنة على صندوق التذاكر الأمريكي، مقدّماً أسماء كبيرة في الصناعة السينمائية كفيلم "ترمبو" الصادر عام 2015 عن الكاتب دالتون ترمبو.



وُضع اسمه على القائمة السوداء في الخمسينيات ليكتب إثرها العديد من الأفلام التي حازت على جائزة الأوسكار بعدها بأسماء وهمّية، إذ يطرح الفيلم صراعاً بين صنّاع الصورة (ترمبو-هوليوود) انتصرت فيه الصورة على الصورة، بمعزلٍ عن كلّ ما يدور سياسيّاً في الولايات المتحدة حينها.

يحضر هذا النموذج في السينما العربيّة في أكثر من مناسبة، ربما آخرها كان فيلم "آخر أيام المدينة" الذي عُرض عام 2016 في مصر، والذي يتناول أربعة من "صنّاع الصورة" يتقاطعون في شغفهم بتصوير ما يتمنّون تصويره ولا يستطيعون، وينتصرون بالصورة للحياة، متغلّبين على كلّ أشكال الموت والدمار ومنزّهين عن الخطيئة مهما امتلأت حياتهم بالعثرات، ومهما شهدوه من مواقف.

لم تغب هالة صنّاع الصورة وأهمية ظهورهم عن الدكتاتوريّات المحليّة، ولعل تحليل هذا الظهور في سوريا اليوم يوضّح إلى حدٍّ كبير استخدامه كأداةٍ مازالت في بداية تطوّرها لإضفاء الصدق، إذ نرى أفلاماً اكتسبت نزاهتها من صنّاعها، وقدمت كبروباغندا وظّفها النظام السوريّ أو معارضوه، ويعود ذلك إلى زمنٍ أبعد بكثير من بدء الثورة السوريّة، إذ تلمع أسماء كعمر أميرلاي، البطل الذي لم يظهر في فيلمه "طوفان في بلاد البعث" لكننا نسمع صوته ونتلمّس في الفيلم رحلة صناعته لوثائقيٍّ عن إنجازات حزب البعث في الشرق السوري، عاكساً ضمنها كافة المشاكل البنيويّة التي يواجهها الحزب في مأسسته الهشّة للدولة على حساب توطيد النفوذ في تلك الجغرافيا.

قد يكون استخدام عمر أميرلاي لهذه الأداة مميّزاً ضمن تاريخ الصورة السوريّة، إذ شهدت سينما سوريا بعد عام 2011 العديد من المحاولات لتسليح هذه الهالة في سياقات أخرى، من "إكسودس" (Exodus) الوثائقي من ثلاثة أجزاء الذي يصوّر رحلة صانع الصورة عبر مسارات التهريب، وصولاً إلى مخيمات كاليه، وبعدها العبور إلى بريطانيا، ووصولاً إلى "شوارعنا احتفال الحريّة" الذي أضحى، بدقائقه الأربعة والعشرين، أداةً لتخليد مخرجه باسل شحادة الذي سقط ضحيةً لإحدى غارات النظام السوري على حمص، قبل أن يكتمل الفيلم نفسه.

تحالف النظام السوري الذي يدير "مكنة" بروباغندا شديدة التعقيد والتداخل، دأب على الدوام على صناعة أبطال جُدد من إعلامييه، فرغم تأخّره عن معارضيه سينمائياً، إلا أنه لم يغفل عن أهميه صانع الصورة يوماً، كأداةٍ يمكن استثمارها في بناء صورته بحدّ ذاتها، ولعل أوضح تأكيد على إمكانيات صانع الصورة يأتي من أحد محاضرات المؤتمر الإعلامي الدولي لمواجهة الإرهاب التكفيري عام 2015 لمسؤول العلاقات الإعلاميّة في حزب الله، وأقتبس: "...عندما يكون مصوّر الاعلام الحربي موجوداً في العملية العسكريّة وحده ليس له أي شريك ... أنت الوحيد الذي تملك المعلومة، تملك الصورة، تملك الخبر، أنت الوحيد، فلا تضيّعها، ينبغي أن تستفيد منها بعد دراستها وتقييمها، لا يوجد وسائل إعلام أخرى تسبقك إلى الخبر، ولا يوجد وسائل إعلام أخرى صوّرت مثل هذا الخبر، ولا يوجد وسائل أعلام أخرى لديها هذه الميزة."

التكريس الكبير للإعلام الحربي أداةً في مواجهة من يصرّ النظام على تسميتهم في خطابه بالتكفيريين، يعني تفضيله الصورة على وسائل التوثيق الأخرى التي تصبّ حكماً في مصلحته، وأبرز أشكال هذه الوسائل هي الوثائقيّات التي فضّل تأجيلها لحساب تأطير المعارك الجارية تأطيراً حيّاً، لكن نزاهة صانعي الصورة، وخصوصاً المسرح، كانت حاضرةً بقوّة في الأفلام الروائيّة القليلة التي موّلتها المؤسسة العامّة للسينما، ففي" فيلم رجل وثلاثة أيام" يظهر صانع الصورة المخرج المسرحي مارّاً برحلة تنقّله من كونه مخرجاً ذا فراغٍ نموذجي في الشخصية إلى صانع صورةٍ عميقٍ، يداخل بين الواقعية والأداء، بمجرّد أن صارت له قضية ترتبط ارتباطاً صريحاً بالجيش العربي السوري، إثر محاولته نقل تابوت جندي في هذا الجيش على مدى ثلاثة أيام.


الاستخدام الأبرز لأداة صانع الصورة في سينما سوريا المعاصرة قد يكون فيلم رجل الثورة لنجدة أنزور، المخرج والمنتج الذي عرض فيلمه بُعيد تقلّده مقعده في مجلس الشعب السوري بقليل، وأنجز تصوير الفيلم كاملاً خلال أسبوعين، وهو خيار ينسجم وتوجّه النظام السوري لتشويه صورة الإعلام الذي يتهمه بجرائم ضد الإنسانيّة.



استخدم المخرج إنكليزيّة سيف الدين سبيعي والكثير من معلومات الويكيبيديا والسرديات التي يروّج لها النظام، مُقدِّماً الفيلم باللغة الإنكليزيّة، ليصف دور أحد الصحفيين الأجانب الجشعين للشهرة، في الإخلال بالحياة التي فوجئ بسيرها الطبيعي في الداخل السوري، لينسّق مع تنظيمٍ إرهابي هجمةً كيميائيّةً على أحد القرى البريئة في هذا الداخل.

الفيلم الذي يقدّم المعارضة السوريّة بصورة مجاهدي طالبان النموذجيّة، يدأب على رسم صورةٍ أكثر ظلاماً للداخل السوري الخاضع للتنظيمات المعارضة من نظيره في مناطق سيطرة النظام، ويسعى بأساليب شديدة المباشرة للتأكيد على رواية استخدام هؤلاء التكفيريين للسلاح الكيماوي لتحقيق مكاسب إعلاميّة، إلى جانب التذكير بالتدخّل الأجنبي في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في كلّ فرصةٍ سانحة، بدءاً من لغة الصحفي، مروراً بلوحة السيارة التي نقلت السلاح الكيماوي، والتي يبدو في الفيلم أنها سيارة تركيّة متهالكة، حتى صناديق الورق المقوّى التي حملت السلاح الكيماوي، والتي كتب عليها بالإنكليزيّة Dangerous Chemicals "مواد كيميائية خطيرة" مع رمز الجمجمة والعظام المتصالبة في مثلث أصفر، بل أن الكتابة على عبوات الأسلحة الكيماويّة كانت باللغة التركيّة.

المفاجئ هو أن نجدة أنزور نفسه لم يذهب نفسه حدّ إظهار صانع صورةٍ شرير بالكامل، إذ واجهت تلك الشخصية الإعلاميّة التي وقفت طوال الفيلم وراء مجزرة وصفت بالقيامة السورية في أحد سطور الفيلم، واجهت نصفها الخير في المرآة بعد انقضاء المجزرة، الإرهابيّون أيضاً أصابهم شيء من الندم والحزن، ليبتعد الفيلم في نهايته عن غرضه المقصود مُربِكاً المشاهد، لولا رسالة نصيّة تتحدّث عن أثر "تمثيليات" كهذه على المجتمع الدولي، وتضحية الإرهابيين التي يتطلّبها إنجاز أثر كهذا بآلاف أرواح المدنيين.

يقول سيف سبيعي في هذا الفيلم "في الحرب جميع الأطراف تكذب لدعم وجهة نظرها"، وتأتي المقولة بعيد اقتباسه لعبارة من المسرحي اليوناني إسخيلوس: "في الحرب تكون الحقيقة أول الضحايا"، هذه المقولة التي تبّرر للإعلامي الأجنبي تحريضه على استخدام السلاح الكيميائي في الفيلم يمكن لها نفسها أن تبرّر فيلماً كرجل الثورة، أو كرجل وثلاثة أيام، أو حتى كالفيلم الذي دأب الجزّار أنور على إنجازه في فيلم "فعل القتل"، ورغم بشاعة ما نراه.

إلا أن استخدام الديكتاتوريّات لصنّاع الصورة كأداةٍ في صورتها، سينتج حتماً أبطالاً لأساطير شعبية عن الحرب، بدأنا نرى نسخاً منها تنضج بهدوءٍ شديدٍ في إعلام النظام السوري، تتمثّل بمراسليه الحربيين من الشبان اليافعين، والذين باتت أسماؤهم معروفةً في الشارع السوري، وبالجيل الجديد من المخرجين وصنّاع الصورة الذين يضعون جهودهم تحت تصرف "مكنة" البروباغندا السوريّة.

ومع العزلة التي تعيشها مناطق سيطرة النظام سواء بفرض من النظام لإجراءات يدعوها بالاستثنائيّة لمواجهة الحرب، أو بالحصار المُطبق المفروض على مناطق النظام من الخارج، لن يهمّ عدد محاولات النظام لإنتاج بطلٍ شعبي بمقياس "غوار" أو "أبو عنتر" من صنّاع الصورة، فوفرة الوقت وغياب الاحتجاجات بداعي التصدّي للآخر الذي يريد اغتيال الجميع على الدوام، يعنيان بالضرورة، أن بطلاً كهذا سيولد لا محالة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard