مسيرة العودة السنويّة: تحتفل إسرائيل بتأسيسها ونعود نحن إلى قرانا الفلسطينيّة المهجّرة لنتذكّر النكبة

الاثنين 13 مايو 201903:03 م

منذ كنت في الرابعة عشرة من عمري وأنا أشارك في مسيرة العودة، في ذكرى النكبة الفلسطينيّة حسب التاريخ العبريّ. واليوم، ومنذ خمس سنوات، تشارك معي ومع زوجي وسام، ابنتنا البِكْر، نيل. المشاركة في مسيرة العودة هي عبارةٌ عن الإصرار على عودتنا بشكلٍ حقيقي يوماً ما، ولذلك يهمّني جدّاً أن نتواجد في المسيرة و"نعود" كلّ عام.

قصص النكبة والتهجير هي جزء أساسي من حياتي

أوّلاً: لأنه بالنسبة لنا يوم مقدّس، له معنى وأهمية خاصّة، ربما لأنه الحدث الوطني الوحيد الذي يتكرّر كلّ عام، ويجمعنا كفلسطينييّن في الأراضي المحتلّة عام 48، في مكانٍ واحد، نحاول أن نتخيّل العودة، ونُحيي أحداثاً وتفاصيل كثيرة نعيشها منذ 71 عاماً في ظلّ النكبة المستمرّة. ثانياً: كي تثبّت ابنتي نيل في ذهنها أهمية هذا اليوم في فهم قضيتنا، وفي معنى حقّ تقرير المصير، وأننا أصحاب حقٍّ في أرضنا وبلادنا التي سُلبت منا. سنتذكّر وسنذّكر دائماً بتهجيرنا وتشريدنا، وسنبقى ننتظر العودة وتحرير فلسطين.

قصصنا التي صقلت هويّتنا

قصص النكبة والتهجير هي جزء أساسي من حياتي. جدّتي، أم أمي، كانت تبلغ من العمر 8 سنوات في العامّ 1948، وكانت تروي لي دائماً عن احتلال اللدِّ، وقصّة تهجيرها هي وأمّها وأخوتها من اللدِّ إلى مخيّم الأمعري في رام الله، حيث مشوا الطريق كلّها على الأقدام، حملت أختها الصغيرة طوال الطريق، وكانت تحدّثني عن تفاصيل تعيشها وتتذكّرها طفلة. عن الحديث بأنها سمعت في حينه أنهم يقولون إن أبيها استشهد، وكيف تعاملت مع الموضوع، وعن صعوبة كلّ ما مرّوا به. بعد حين اكتشفت أنه لم يستشهد، وبعد سنتين من النكبة نجحوا في العودة إلى اللدِّ، لكن ليس إلى بيتهم الذي طُردوا منه.

صقلت مأساة التهجير وشكّلت هويتي، وعزّزت حبّي لفلسطين بكلّ ما تحمل الكلمة من معنى، طبعاً إضافةً لأشياء وأحداث كثيرة عايشتها بما يتعلّق في النكبة والاحتلال. عند وفاة جدّتي قبل 7 سنوات تقريباً، ورثت عنها مفتاح بيت طفولتها الذي هُجّرت منه ولم تعد إليه أبداً.. يهمني أن تصقل ذات القصص والتفاصيل والروايات هويّة ابنتي، نيل أيضًا، المهجّر جدها من معلول، وهي قرية مهجّرة تقع في قضاء الناصرة، كان جدّ نيل يبلغ من العمر 3 سنوات إبّان النكبة، وتمّ تهجيره وعائلته وكلّ أهالي قرية معلول إلى يافة الناصرة، ولم يعودوا إليها حتى اليوم.

المسيرة يجب أن تحيينا نحن أيضاً، لا القرى فقط، أي نُحيي إيماننا بالعودة وبأننا عائدون وعائدات بالفعل.

تقول نيل دائماً أنها فخورة لأنها من معلول، وتشرح أن جيش الاحتلال احتلّ معلول، لكنها يوماً ما ستعود إليها. لم يصعب عليّ أن أشرح لابنتي عن النكبة، فرويت لها ما مرّ به جدها وهو في سنّها تقريباً، وأنه خسر بيته وأرضه وكلّ شيء، وتقبّلت الأمور وفهمتها أكثر مما توقّعت، بل في كلّ فرصة مناسبة للحديث عن معلول تروي هي القصّة بتفاصيلها. وفي كلّ مرّة نذهب إلى يافة الناصرة، تصرّ نيل على الدخول لمعلول، لتشمّ رائحتها وتتفقّدها، هكذا علّمها وسام، زوجي. وكانت قرية معلول إحدى القرى التي استضاف مسيرة العودة، كان ذلك في العام 2001.

العودة إلى قرية خبيزة

بالعودة إلى مسيرة العودة، فقد أُقيمت هذا العام مسيرة العودة الـ 22، على أراضي قرية خبيزة المهجّرة، قضاء حيفا، تبعد عن مدينة أم الفحم مسافة 15 كلم، بجانبها قرى مهجّرة عديدة، منها الكفرين، السنديانة وأم الشوف. بلغ عدد سكّان القرية في العام 1948، 340 شخصاً. اعتاش سكان خبيزة من الزراعة، وكانوا يملكون ما يقارب 2,828 دونماً. أتوقّع أن المساحة التي أُقيمت عليها مسيرة العودة لا تعادل حتى 1%.

كما في كلّ عام، نصل القرية التي تُقام بها المسيرة، وأعدادنا تصل عشرات الآلاف، وتعجّ المسيرة بأطفالنا فرحين، بينما نحن نعيش الفرح والألم في آنٍ واحد. ورغم الوجع، أشعر أن هذه المسيرة هي أملنا في لقائنا مع بعضنا البعض، ومواصلة الإصرار على المبادئ، ولقاؤنا فيه من إحياء هذه القرى من جديد، بالعائلات والأطفال وكبار السنّ والفتيان، الأصوات والهتافات وأحاديث الناس، كأن القرية تتنفّس من جديد.

المشاركة في مسيرة العودة بالنسبة لي هي واجب، أقل ما يمكن أن نقدّمه لأنفسنا، لأطفالنا، ولقضيتنا، التي بعد قليل ستفقد الجيل الذي عاش النكبة ليرويها لنا، وسنبقى نحن، لنرويها لكلّ من حولنا، بشكلٍ خاص أطفالنا. فالمشاركة مسؤوليّة، تمشي يداً بيدٍ مع تفاصيل كثيرة تصبُّ في نقل الرواية إلى الجيل الجديد، لكن لمسيرة العودة معنى آخر، تلتفّ حول القرب أكثر من القرى المهجّرة، زيارتها، الحديث عنها، الالتقاء بأهلها اللاجئين في وطنهن، زيارة ولمس ما تبقى منها، من مقابر، مساجد، كنائس، قلاع وغيرها.

إن أهمية أن يتواجد الجيل الصغير في مسيرة العودة، مربوط بأهمية خلق جيلٍ جديدٍ قويٍّ وجريء، مطلع على ما مرّ به أجداده، وكل ما تفعله إسرائيل من محو لهويّتنا، وكلّ ما يعرّفنا كفلسطينيّات وفلسطينيّين في هذه البلاد، كأننا طوال الوقت بحاجةٍ لجيلٍ قويٍّ وجريء، يعرف حقوقه، ومن قام ويقوم بسلبها وانتهاكها، وكيف يمكن أن تُستردَّ.

يهمني أن تصقل ذات القصص والذاكرة هويّة ابنتي، المهجّر جدها من  قرية معلول الفلسطينيّة. كان جدّها يبلغ من العمر 3 سنوات إبّان النكبة، وتمّ تهجيره وعائلته منها، ولم يعودوا إليها حتى اليوم.

مسيرة العودة هي أملنا في لقائنا مع بعضنا البعض، بما فيه من إحياء للقرى المهجّرة من جديد، بالعائلات والأطفال وكبار السنّ، الأصوات والهتافات وأحاديث الناس، كأن القرية تتنفّس من جديد.

إن أهمية أن يتواجد الجيل الصغير في مسيرة العودة، مربوط بأهمية خلق جيلٍ جديدٍ قويٍّ وجريء، مطلع على ما مرّ به أجداده، وكل ما تفعله إسرائيل من محو لهويّتنا، جيل يعرف حقوقه، ومن قام ويقوم بسلبها وانتهاكها، وكيف يمكن أن تُستردَّ.

برنامج مسيرة العودة السنويّ

يضمّ عادةً برنامج المسيرة مسارَ مشي إلى حين وصول موقع الحدث المركزي، والذي هو عبارة عن خيمٍ منصوبةٍ، وداخل كلٍّ منها تقام فعالية مختلفة، وفي المركز منصّة الخطابات. وفي السابق لم يكن شيء غير منصّة الخطابات. دائماً هناك مجموعات تهتف وهي تمشي المسار إلى حين وصولها موقع المنصّة. كما أن سنوياً، هنالك مواضيع يتمّ التطرّق إليها، متعلّقة بحياة ونضال الفلسطينيّات. على سبيل المثال، قبل عاميْن وفي مسيرة العودة إلى قرية الكابري، كان الأسرى والأسيرات يخوضون آنذاك إضراباً عن الطعام، فتمحورت المسيرة حول معركة الأمعاء الخاوية ومطالبها، دعماً لأسرانا وأسيراتنا في سجون الاحتلال.

أمّا مسيرة هذا العام، فتمحورت حول "صفقة القرن" وعن رفضنا لهذه الصفقات والإملاءات وأجندات المستعمر ومن يتعاون معه، بالإضافة إلى فقراتٍ فنيّة، منها الموسيقيّة، وقراءات شعريّة وعرض دبكة. وتميّزت مسيرة هذا العام بحضور الأسير المحرّر، أمير مخول، الذي عاد إلينا قبل بضعة أيام بعد أن قضى 9 سنوات في سجون الاحتلال. ومن الجدير ذكره، أن القائمين والقائمات على مسيرة العودة، يحاولون تجديد البرنامج كلّ عام، واستضافة فعاليات متنوّعة، وذلك نابع من أهمية تطوّر المسيرة ومضمونها وضمان وجود أكبر عددٍ ممكنٍ من المشاركين والمشاركات، كما أن جمعية الدفاع عن حقوق المهجّرين، القائمة على المسيرة، كلّ أعضائها يتطوّعون من أجل إحياء هذا اليوم.

النقد من أجل الأمل

من هنا، يحملني هذا إلى السؤال كيف يمكن تحسين مسيرة العودة؟ سؤال يصبّ بتوسيع المشاركة، وأن المسيرة يجب أن تحيينا نحن أيضاً، لا القرى فقط، أي نُحيي إيماننا بالعودة وبأننا عائدون وعائدات بالفعل. يهمّني جدّاً أن تبقى وتدوم مسيرة العودة، ويهمّني أن أواصل حضورها، كما إعادة الأمل لمن خاب أمله من المسيرة أو من فعاليات مشابهة. يهمّني أن يفهم أطفالنا أهميتها، ورمزيّة هذا اليوم الذي يُعيدنا كلّ مرّة لما حصل عام 1948، وأن يبقى حقّ العودة نابضاً في كلّ منا. ولذلك، ربما علينا أن نفكّر بصوتٍ عالٍ، بالآليات التي نتبعها، ولربما نقد نضالنا في سعينا للحرية، لعلنا نخلق روحاً نضالية جديدة، خاصّة في ظلّ ما نعيشه من أحداث في فلسطين ومحيطها.

أمّا ابنتي نيل، فهي تنتظر أن تُقام مسيرة العودة في قرية بيسان المهجّرة، من شدّة حبها لها، كما ونتمنى وننتظر، لا مسيرات العودة فقط، بل أن نعمّر قرانا من جديد، يوماً ما.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard