لُغزُ ترجمة الإمام موسى الصدر روايةً نسويةً إيرانية

الاثنين 13 مايو 201912:30 م

“قُرع الباب، كانت الشمس توشك على المغيب، فتحته، وإذ بأحد أجمل رجال العالم يقف أمامي، عيناه رماديتان واسعتان، وسيمٌ جداً يرتدي عباءة رجل دين فخمة، عريض المنكبين، قلت له: لا يحق لك أن تكون بهذا الجمال! ضحك. وقال: هل جلال هنا؟ قلت نعم تفضل، ودخل بيتنا”.

بكلمات ممزوجة بالغزل، تصف الأديبة الإيرانية سيمين دانشور لقاءها الأول بالإمام المغيب موسى الصدر في حوار خاص لمجلة "كوهران الفصلية" [1] عام 2007، كانت الأديبة في عمر الـ 86 حين باحت بإحدى ذكريات شبابها وهي ترثي صديقها الشاعر الإيراني نيما يوشيج وتتحدث عن غيرته من الإمام الصدر. تقول: "لقد كان نيما يزورنا دائماً وكان في ضيافتنا يوم زارنا الإمام موسى، ذهلتُ من جمال الصدر لقد كان وسيماً جداً وعيناي تنظران إليه باستمرار ولم أعر نيما اهتماماً كما هي العادة فشعر بالغيظ، وكتب ذلك في مذكراته”.

عاشت الروائية الإيرانية سيمين دانشور ما بين عامي 1921 و 2012، درست في جامعة طهران وعملت في حقل الأدب والثقافة وتزوجت من الأديب الإيراني الشهير جلال آل أحمد، كانت سيمين ظاهرة نسوية مميزة في إيران فكتبت أول رواية بقلم أنثوي "سووشون" عام 1969 لتضع حجر أساس الأدب النسوي الإيراني ولتصبح بعدها روايتها إحدى أشهر الروايات الإيرانية المعاصرة، ترجمت هذه الرواية إلى عدة لغات، لكن المفاجأة التي كشفت عنها سيمين قبل 5 سنوات من وفاتها أن الإمام موسى الصدر ترجم هذه الرواية إلى العربية بعد سنوات من نشرها في إيران.

عن المرأة والحرية

عام 1969 نشرت النسخة الأولى لرواية "سووشون" لتحمل وجهاً جديداً عن المرأة الإيرانية، تغوص الرواية في تفاصيل الجنوب الإيراني إبان الحرب العالمية الثانية في السنوات التي كانت تلتهم بريطانيا الجذع الجنوبي لإيران. تروي الرواية قصة بطلة تتمرد على المجتمع والظلم وتمضي بشجاعة في طريق الحرية. أعيدت طباعة هذه الرواية عشرات المرات وكانت موضوع دراسات أدبية بلغات مختلفة كأنموذج جديد عن صورة المرأة والمقاومة في إيران في تلك الفترة.

في العام نفسه الذي رأت فيه رواية "سووشون" الضوء كان الإمام موسى الصدر قد انتخب رئيساً للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان وكانت حياته السياسية زاخرة بالأحداث. كان الإمام الصدر قد وصل إلى لبنان قبل عشرة سنوات تاركاً طهران وأصدقاء له هناك ليدخل معترك السياسة في بلده الأم، لكنه بقي يزور طهران التي تخرج من جامعتها قبل سنوات كأول طالب مُعمّم حمل شهادتها من كلية الحقوق.

يؤكد أبناء إخوة الكاتب جلال آل أحمد زيارة الإمام موسى الصدر إلى منزله، يقول ابن اخت جلال "محمد حسين دانايي" في فيلم وثائقي سجلته مؤسسة الإمام موسى الصدر الثقافية البحثية في طهران، "كنا في منزل خالي جلال وقرع الباب وفتحت سيمين لرجل يسأل عن منزل آل أحمد، فقالت له سيمين من أنت؟ لابد أنك أحد الأئمة أو ابن إمام..الناس العاديون ليسوا بهذا الجمال" يضحك دانايي، ويكمل "عرّفه خالي للجميع كناشط سياسي ورجل دين لبناني..كان الإمام موسى الصدر".

عام 1969 نُشرت رواية "سووشون"  بقلم الإيرانية سيمين دانشور لتحمل وجهاً جديداً عن المرأة الإيرانية. كانت الأديبة في عمر الـ 86 حين باحت بأن الإمام موسى الصدر ترجم روايتها إلى العربية. رحلة العودة إلى تلك الأسرار وكيف التقت سيمين بالإمام "الوسيم" مثلما تصفه.

الوجه الأدبي للإمام الصدر

لا يوضح الفيلم الوثائقي سبب زيارة الإمام موسى الصدر لمنزل جلال آل أحمد لكن المؤكد أن الإمام كان على تواصل مع شخصيات ثقافية واجتماعية في طهران، تحدث بعضهم في مفكرات لاحقاً عن لقاءات جمعتهم بمؤسس حركة أمل، منهم الشاعر نيما يوشيج، كما يؤكد الباحث الدكتور عبد الإله الجوهري في كتابه "تقنيات التعبير والأسلوب الإقناعي في كتابات الإمام السيد موسى الصدر"، الصادر عن دار المحجة البيضاء 2013، وجود أشعار فارسية وعربية ضمن الآثار التي تركها الإمام بعضها منشور بالفارسية ومتداول يحمل عنوان "شعاع القمر" وهو غزل في زوجته السيدة بروين خليلي محفوظ بخط يد الإمام في مكتب آية الله سيد مرتضى مستجابي، أما القصائد العربية فحسب الباحث الجوهري لم يعثر عليها بسبب ضياع بعض الوثائق أثناء الحرب الأهلية في لبنان.

رحلة البحث عن رواية "سووشون" بقلم الإمام الصدر

تقول سيمين دانشور في اللقاء نفسه مع مجلة "كوهران" الفصلية إن "الإمام موسى الصدر بقي في منزلنا أربعة أيام ثم دعانا إلى قُم فذهبنا إلى منزلهم، لقد ترجم أيضاً سووشون إلى العربية”. يقف الصحفي محمد عظيمي عند هذه المعلومة ويعيد السؤال "هل ترجم الإمام موسى الصدر الرواية بالفعل؟" تؤكد سيمين ذلك "نعم، وأحضر لنا ترجمتها".

لم يكن لهذا الخبر القصير وقع خاص لو لم يكن مرتبطاً باسم الإمام موسى الصدر الذي جمع في شخصيته اللبنانية والإيرانية الثقافتين العربية والفارسية وتمكن من تشكيل تيار سياسي حاز شعبية استمرت أكثر بعد اختفائه في ليبيا في أغسطس/ آب 1978، لم يسلط الباحثون العرب الضوء على الجانب الفارسي من شخصية الإمام الصدر لأسباب سياسية، لكن الرجل الذي ولد وتعلم في إيران وأتقن لغتها حمل هواجسها السياسية والأدبية والاجتماعية وربما اهتمامه بنقل رواية سيمين دانشور إلى العربية يأتي ضمن رؤيته الفكرية الخاصة عن المرأة والحريات.

خبر ترجمة الإمام الصدر الرواية لم يحظَ كذلك باهتمام الصحافة العربية فنفي حوراء الصدر ابنة الإمام معرفة العائلة بوجود هذه الترجمة الأدبية جعل مصيرها أشبه بمصير مترجمها: مغيبة لا أثر لها.

تواصل "رصيف 22" مع جهات ثقافية من حركة أمل في لبنان ومع مؤسسة حفظ آثار الإمام موسى الصدر بحثاً عن بقايا لهذه الراوية لكن لا أجوبة واضحة ولا معلومات عنها، ربما أيضاً لا اهتمام بهذا الجانب الأدبي من شخصية القائد السياسي.



في منزل سيمين وجلال

"هل هذا هو الباب الرئيسي للمنزل؟" أسأل المسؤول عن منزل "سيمين وجلال" الذي تحول إلى متحف يؤمه الزوار منذ ربيع عام 2018، يجيب “نعم”. إذاً هنا وقف الإمام قارعاً الباب حاملاً معه ترجمته الأدبية، ليقدمها للزوجين الأديبين. أنعطف يميناً وأدخلُ غرفة الاستقبال أبحث في آثار الزمن على المكان عن خطوات الرجل الوسيم، ربما جلس هنا على الأريكة الخضراء وربما استقبلوه في حديقة المنزل الجميلة. في الخلف هناك مكتبة أبحث في أسماء العناوين لا أثر لكتاب باللغة العربية، يبدو المنزل خالياً بعض الشيء ربما يعود السبب في ذلك لخلافات بين الورثة تحدثت عنها الصحافة في وقت سابق، لكن المكان لا يزهو بأثاثه فقط بل بذكريات جيل من مثقفي طهران يمكن لك أنت الزائر أن تفتقدها.



ربما تظهر الأيام القادمة النسخة العربية “المغيبة” التي ترجمها الإمام المغيّب، وربما ستبقى مثله تماماً مخفية للأبد، لكن المؤكد أن العثور على ترجمة أهم أثر أدبي مطلع السبعينات في إيران بقلم عربي أتقن الثقافة الفارسية بمهارة، سيُثري المكتبة الأدبية الفارسية باللغة العربية ويكشف عن جانب خفي من اهتمام الإمام المغيب موسى الصدر.

------------------------------------------------------------------

[1] الصفحة 34 من العدد الخاص 13-14 عام 2007 الصادر تحت عنوان "نيما يوشيج".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard