السلطة في مواجهة الموسيقى: من "عبادة الشيطان" إلى تمجيد مزايا "القائد"

الأربعاء 22 مايو 201903:26 م

تستعرض هذه المقالة نماذج من التاريخ، قامت فيها الحضارات، الثقافات، السلطات بقمع فنِّ الموسيقى. تختلف أشكال القمع الممارسة على الفنّ الموسيقي بين المحطة والأخرى، فيتجلّى القمع بدرجاتٍ متفاوتة: من التحريم، إلى المنع، إلى تقييد بعض الأنواع الموسيقيّة، أو محاربة التجديد الموسيقي إلى ما سنراه من فرض بعض السلطات لمعايير جماليّة وأسلوبيّة موسيقيّة محدّدة في أنظمتها وعلى مجتمعاتها.

فرض المعايير الجماليّة: القرن العشرين

في مقاله (الموسيقى والحرب العالميّة الأولى، 2014، الميوزيك البريطانيّة)، يبيّن الكاتب (إيفان هيوبيت) بأن اندلاع الحرب العالميّة الأولى دفع البريطانييّن إلى منع موسيقى المؤلّفين الألمان لكن سرعان ما تراجع البريطانيّون عن هذا القرار. في رسالة وجّهها إلى صديقٍ في فيينا، وصف برنارد شو كيف أحجم الناس عن ارتياد الحفلات الموسيقيّة مع قرار المنع، وما هي إلا أسابيع حتى عادت موسيقى بيتهوفن وفاغنر وريتشارد شتراوس لتُعزف في بريطانيا مجدّداً.

الفنّ المُعادي للشعب: الاتحاد السوفيتي

تتناول الكاتبة (زينة العظمة) في مقالها المعنون (الموسيقى كأداة سياسية، 2004، الحياة الموسيقيّة)، حال الموسيقى في روسيا مع الانتقال إلى الحكم الشيوعي بعد ثورة العام 1917. تبيّن أنه وفي البداية لم يتأثّر الكثير من الموسيقييّن من حكم النظام الشيوعي، لكن في العام 1948، أسّس الحزب الشيوعي (نقابة الموسيقييّن السوفييت)، التي مارست سلطةً مطلقةً طيلة سنوات الحقبة السوفييتيّة، فلم يعد يحقّ لأيّ موسيقي أن يمارس نشاطه الفنّي ما لم يكن عضواً في هذه النقابة، وما لم يكن ملتزماً بشروط واقعيّتها الاشتراكيّة.

في العام نفسه صدر بيان من الحزب الشيوعي بعنوان (الفنّ المُعادي للشعب)، ومن بعدها، ورغم إيمانهم العميق بالاشتراكيّة السوفييتيّة، بدأ المؤلّفون الموسيقيّون من أمثال سيرجي بروكوفييف، وديمتري شتوستاكوفيتش يواجهون صعوباتٍ مهنيةً شديدة، ولأجل الهروب من الالتزام الفنّي السياسي الذي فرضته البلشفيّة، هاجر عدد من الموسيقيين السوفييت إلى أوربا وأميركا، كما هو حال المؤلّف الموسيقي (إيغور سترافنسكي 1882 – 1971)، كذلك تمثّل حياة المؤلف الموسيقي البارز ديمتيري شوستاكوفيتش (1906- 1975) التقلّبات في العلاقة بين السلطة البلشفيّة والفنون، والقمع الذي تعرّض له واحد من أهمّ المجدّدين في الموسيقى السمفونيّة الأوربيّة في القرن العشرين.

التعبيريّة التجريديّة في وجه الواقعيّة: الحرب العالميّة الثانيّة

وفي إطار فرض السلطة للقيم الجماليّة على الفنون تتابع الكاتبة العظمة تجربة فرض وكالة الاستخبارات الأمريكيّة، في العام 1946، وبعد انتهاء الحرب العالميّة الثانيّة، القيم الجماليّة للتيار الذي أُطلق عليه "التعبيريّة التجريديّة" Abstract expressionism. موّلت وكالة الاستخبارات الأمريكيّة هذا التيّار الفنّي، وكان ذلك لأهدافٍ سياسيّة، منها: محاولة تحويل مركز الحداثة من باريس إلى نيويورك، ولمواجهة البروباغندا الإعلاميّة للاتحاد السوفييتي الذي كان يروّج للفنّ الواقعي أو التمثيلي.

رأت وكالة الاستخبارات الأمريكيّة أن تيّار "التعبيريّة التجريديّة" مناسبٌ لمشاريعها، لأنه تيّار لا يصطدم مع القيم الدينيّة، ذلك أن التعبيريّة التجريديّة آمنت بالنظريّة المتسامية عن الفنّ، واعتبرت أن تمثيل الجسد الإنساني الحسّي منافٍ للتقوى والفضيلة، فقدّمت التعبيريّة التجريديّة اتجاهاً فنيّاً جديداً وغير متعارضٍ مع الدين بنفس الوقت.

الأنظمة الشموليّة: إيطاليا، إسبانيا

في حكم موسوليني في إيطاليا 1922 – 1942، تمّ أيضاً قمع للموسيقيين، وأشهرهم قائد الأوركسترا توسكانيني، الذي ترك إيطاليا إثر الهجوم الذي تعرّض له لرفضه عزف (نشيد الفاشيّة). وفي اسبانيا مع صعود حكم فرانشيسكو فرانكو في الثلاثينيات، أُجبر الكثير من الموسيقييّن الإسبان على مغادرة البلاد، حتى أولئك الذين ساندوا الحكومة الجمهوريّة، أشهرهم الموسيقار (مانويل دو فالا)، ورغم أنه كاثوليكي محافظ، وبعد أن بقي في إسبانيا لبعض الوقت، اضطرّ لمغادرتها نهائياً بعد مقتل صديقه الشاعر البارز (فريدريك غارسيا لوركا 1898 - 1936).

في التسعينيات كانت موسيقى " الروك Rock " قد أنتجت العديد من الأنواع المتفرّعة عنه كـ"الهارد روك"، "الديث ميتال"، و"الباسيكاداليك روك"، لكن العديد من الأنظمة العربيّة منعت هذه الأنواع الموسيقيّة التي وصفتها بحاملة للفكر الشيطاني، وحصلت حملات اعتقال لمتذوقي هذه الموسيقى في التسعينيات في سورية وفي غيرها من البلدان العربيّة، تحت تهمة "عبادة الشيطان"

عن أشكال القمع الممارسة على الفنّ الموسيقي في فترة حكومة الجنرالات في اليونان، الحكم النازي وفي حكم موسيليني وحزب البعث وأنظمة التشدد الديني

الموسيقى المنحطّة: الحكم النازي

في مقاله (حول الموسيقى في ألمانيا النازية، 2014، معازف)، يكتب (رامي أبادير)، عن عمليات تطهير الأوركسترات السيمفونيّة من اليهود و"الأجناس الأدنى"، وحظرت أعمال من يملكون أصولاً يهوديّة ويعتبرون اليوم من كبار المؤلفين الموسيقييّن في تلك المرحلة التاريخيّة، منهم مالر ومندلسون وفايل وشونبرج وفرانز شريكر، بالإضافة إلى طرد الموسيقييّن والنقّاد الذين لا يعترفون بالجماليات النازيّة.

فالحكم النازي اهتمّ بتغيير المعايير الجماليّة الفنيّة، وفرض الذائقة الموسيقيّة على المجتمع. كانت رؤية النازيّة للموسيقى الجيّدة تتمثّل في الرجوع إلى العصر الرومانسي والأعمال الفخمة والتي تتسم بالنغميّة، فأحبوا أعمال ريتشارد شتراوس ومؤلفات باخ، والموسيقى الرومانتيكيّة عند بيتهوفن وشومان وهانز فيتزنر وريتشارد فاجنر الذي كان بدوره يكنّ عداءً لليهود ما أثار إعجاب هتلر.

في تلك الفترة ابتكر المؤلّف الموسيقي الألماني آرنولد شونبرج نظام موسيقي اعتبر طليعيّاً، واكتسب أهميةً مفصليّةً في تاريخ الموسيقى، وهو النظام الاثني عشري أو اللالحنيّة، لكن النظام النازي حارب أيّ موسيقى تتخلّى عن التناغم الهارموني، وحظر موسيقى الجاز باعتبارها "موسيقى أمريكيّة ترجع أصولها للجنس الإفريقي".

كما دشّن النظام النازي "الغرفة الثقافيّة" للإشراف على الفنون، أسّس أيضاً "الغرفة الموسيقيّة" من أجل احتواء الموسيقى، والتي تولّى مهامها لفترةٍ قصيرةٍ ريتشارد شتراوس ثم عُزل من منصبه بسبب تمسّكه بأحد أصدقائه اليهود العاملين معه بالأوركسترا.

يركّز الكاتب (رامي أبادير) في مقاله، على المعرض الذي أقيم في ميونيخ في العام 1938، حيث قُدّمت أنواع من الموسيقى الطليعيّة والتجريبيّة تحت مسمّى "الموسيقى المنحطّة"، أما " الموسيقى اللائقة أو الجيّدة " فقد وضع أوصافها وزير الإعلام (جوزيف جوبلز)، هي الموسيقى النغميّة، البسيطة، التي يسهل على المستمع تقبّلها، وتعود به إلى الأصول الفلكلوريّة التي تنهض بالأمّة الألمانية. بجانب الموسيقى الكلاسيكيّة كَثُرت المارشات العسكريّة والموسيقى الخفيفة لتشتيت الجماهير أو تسليتهم ورفع روحهم المعنويّة، وانتشرت الأعمال القوميّة التي أُلفت خصيصاً لحفلات الحزب والمناسبات العامّة، حسبما يذكر الكاتب (أبادير).

الموسيقى المؤدلجة: اليونان، سوريّة

وبالعودة إلى مقال الكاتب (فوزي كريم) (الموسيقى وقمع السلطة)، نصل إلى حكومة الجنرالات التي حكمت اليونان في ستينيات القرن الماضي، ومارست القمع على الموسيقيين. كان الموسيقي الطليعي المجدد إيانيس كسيناس (1922 - 2001) معارضاً عنيداً للسلطة العسكريّة، فقد إحدى عينيه في المظاهرات، وهرب من وطنه بعد أن صدر بحقّه حكم الإعدام، ولم يعد حتى وفاته. وكذلك عكست موسيقى زميله ثيودوراكس (1925) معارضته للقمع الحاصل في البلاد، وسُجن هو الآخر ثلاث سنوات، ثم أطلق سراحه، وأبعد عن وطنه.


 إيانيس كسيناس

في كتابه (لغة الثورة، 2018، دار ممدوح عدوان) يوضّح الباحث (إيلاف بدر الدين) الجهود التي أولاها الحزب الحاكم في سورية حزب البعث، لفرض أنواعٍ معيّنة من الأناشيد والأغاني، وبالتالي فرض نوعٍ من الذائقة الجماليّة الموسيقيّة على المجتمع. وفي مقالها بعنوان (حين قالت لي معلّمتي أن حافظ الأسد كما الله لا يموت، 2013)، كتبت الصحفيّة السوريّة ضحى حسن عن موضوعة الشعارات المفروضة على كامل طلاب المدارس، والتي تتماهى مع إيديولوجيا وأفكار الحزب الحاكم، وتمجّد في شخصية ومزايا الرئيس القائد.

التحريم الموسيقي: أنظمة التشدّد الديني

بين عامي 1996 – 2001، خضعت العاصمة الأفغانية كابول، لحكم حركة طالبان، وقد تمّ تدمير كل الأمكنة الموسيقيّة في المدينة ذات التراث الفنّي العريق، كما تمّ تدمير مبنى التلفزيون الوطني، قاعات المسارح، ومبنى الراديو الرسمي. فالتأويل المتشدّد لنصوص إسلاميّة جعل سلطة طالبان تمنع الموسيقى عن الشعب الأفغاني، وقد خضع بثّ التلفزيون "الداعر" حسب تعبير الحركة، إلى عقوباتٍ ورقابةٍ مشدّدة، أشرطة الكاسيت تمّ إتلافها في كلّ الأسواق، والآلات الموسيقيّة أيضاً كانت عرضة للملاحقة، للتحطيم، والحرق، ولذلك وجد الموسيقيّون أنفسهم أمام حتمية الصمت أو حتمية المنفى.

في التسعينيات كانت موسيقى " الروك Rock " قد أنتجت العديد من الأنواع المتفرّعة عنه، أهمها: الهارد روك، الديث ميتال، والباسيكاداليك روك، لكن العديد من الأنظمة العربيّة منعت هذه الأنواع الموسيقيّة التي وصفتها بحاملة للفكر الشيطاني، وحصلت حملات اعتقال لمتذوقي هذه الموسيقى في التسعينيات في سورية وفي غيرها من البلدان العربيّة، تحت تهمة "عبادة الشيطان".

في العام 2014، تمكّن تنظيم الدولة الإسلامي داعش من السيطرة على مساحاتٍ واسعةٍ من العراق وسورية، وفرض نظامه السياسي، والإيديولوجي الديني على العديد من المدن الهامّة في تلك المنطقة، أوّلها كانت عاصمته، مدينة الرقة السوريّة. ما إن تمكّن تنظيم الدولة الإسلاميّة داعش من السيطرة على المدينة حتى أصدر والي الرقة بياناً نُشر على القنوات الإعلاميّة، والمنابر الإلكترونيّة، وجوامع المدينة، ينصّ على: (منع بيع أقراص الغناء وآلات الموسيقى وتشغيل الأغاني في السيّارات والحافلات والمحلات وجميع الاماكن)، وكان ذلك بحججٍ مشابهةٍ ومتماثلةٍ مع أيّ سلطةٍ شموليّة، حيث علّل فقهاء التنظيم هذا القرار بكون: (المعازف والغناء حرام في الإسلام، لأنها تُلهي عن ذكر الله وعن القرآن، وهي فتنة ومفسدة للقلب).

عبر التاريخ، هكذا نرى أن الفكر الفلسفي، والفكر الديني، والفكر السياسي، كلهم مارسوا السلطة في قمع الفنّ الموسيقي. وتباينت علاقتهم مع الموسيقى بين التحريم والمنع إلى محاولات السيطرة، وفرض الأساليب والذائقة الموسيقيّة التي تناسب غاياتهم وأهدافهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard