الموسيقى تفسد الشعب

السبت 18 مايو 201902:05 ص


تستعرض هذه المقالة نماذج من التاريخ، قامت فيها الحضارات، والثقافات، والسلطات بقمع فنِّ الموسيقى.

تختلف أشكال القمع الممارسة على الفنّ الموسيقي بين المحطة والأخرى، فيتجلّى القمع بدرجاتٍ متفاوتة: من التحريم، إلى المنع، إلى تقييد بعض الأنواع الموسيقيّة، أو محاربة التجديد الموسيقي إلى ما سنراه من فرض بعض السلطات لمعايير جماليّة وأسلوبيّة موسيقيّة محدّدة في أنظمتها وعلى مجتمعاتها.

اعتقد أفلاطون أنّ في قدرة الموسيقى على التلوّن والتبدل، خطراً يُجبر الدولة على التعديل والتغيير في القوانين، ليس أفلاطون وحده من رفض الموسيقى بسبب قدرتها على التأثير، هنا نماذج من التاريخ عن مواجهة السلطات لفنّ الموسيقى.

ميّز كونفوشيوس بين الأنواع الموسيقيّة الأربعة التي عرفتها الحضارة الصينيّة، التشنج والسونج والواي والتشي، ولكنه اعتبرها كلها حسيّة، تُفسد أخلاق الشعب، فاستُبعدت الموسيقى من الطقوس الدينيّة. التخوف من تأثير الموسيقى كان سبباً في محاربتها وتحريمها، هنا أمثلة من التاريخ عنها. 

في القرن السادس عشر، انتشرت الحركة البروتستانتيّة الدينيّة، وحظرت فنّ الموسيقى، لأنها اعتبرته إرثاً كاثوليكيّاً. وحطم المتطرّفون البروتستانت آلات الأورغن في الكنائس، بعد أن منعوا أداء القدّاس

قمع التجديد الموسيقي: الفراعنة - مصر

يبيّن الناقد (فوزي كريم) في مقاله (الموسيقى وقمع السلطة، جريدة الفنون، 2002)، بأن محاربة التجديد الموسيقي في العديد من الحضارات، كان يتمّ بناءً على أسسٍ دينيّة وفلسفيّة. وعند التطرّق إلى قمع الموسيقى في الحضارة الفرعونيّة، يستشهد بما كتب الفيلسوف الإغريقي (فيثاغورث) عن دور كبار الكهنة الفراعنة في قمع أيّ تجديدٍ يبتكره أساطين العزف. كان من رأي رجال الدين الفراعنة أن التغيير الفنّي مصطنعٌ، وأنه بالتالي خطرٌ على الحياة الروحيّة والماديّة للأمّة الفرعونيّة، وبالتالي فقد استعمل الكهنة سلطتهم الدينيّة لمنع التجديد والابتكار الموسيقي.

الموسيقى تفسد الشعب: كونفوشيوس - الصين

وبينما يلقّب البعضُ الحكيمَ الصيني كونفوشيوس بفيلسوف الموسيقى، إلا أن المختصّ (جوليوس بوتنوي) في كتابه (الفيلسوف وفنّ الموسيقى، 2004)، قد بيّن أن كونفوشيوس قد ميّز بين الأنواع الموسيقيّة الأربعة التي عرفتها الحضارة الصينيّة، التشنج والسونج والواي والتشي، ومنح كلاً منها خواصّ وصفات، ولكنه اعتبر أن الأنواع الأربعة حسيّة وهي تُفسد أخلاق الشعب، فاستُبعدت الموسيقى من الطقوس الدينيّة.

معاقبة التطوير الموسيقي: إسبارطة - اليونان

في الكتاب ذاته، يبيّن (بوتنوي) أن فلسفة الموسيقى التي كانت سائدة في حضارة إسبارطة، حظرت أيّ خروجٍ عن القواعد القديمة للموسيقى، وشدّدت العقوبات على الموسيقييّن المجدّدين. كتب المؤرّخ (بلورتاك) عن إسبارطة: (لقد كانوا يحترمون موسيقاهم القديمة، في جدّيتها وبساطتها، إلى حدِّ أنهم لم يسمحوا بأيّ انحرافٍ عن القواعد السائدة ومقاييسها، حتى أن مجلس القضاء الأعلى، وبناءً على شكوى تلقّاها، قد أوقع عقوبة شديدة على ترباندر، وهو موسيقي ذائع الشهرة والصيت، عُرف بمهارته الفائقة وبراعته في العزف على الصنج، كان يُبدي للتراث أعظم التبجيل، فحرمه من صنجه، وزاد من قسوة العقوبة بأن عرض الصنج على الجماهير لكي تصبَّ عليها جام غضبها، فعلّقها بمسمار أمامهم. كلّ ذلك لأنه أضاف إلى آلةٍ موسيقيّةٍ وتراً واحداً يزيد على العدد المقرّر.

كانت أفضل الموسيقا عندهم أكثرها جدّية وبساطة، وأقربها إلى الطبيعة ومن أجل هذا السبب ذاته، استلّ أحد قضاة إسبارطة سكيناً قطع به أوتار صنج تيموثيوس، لأنه عددها تجاوز السبعة.

الموسيقى خطر على القوانين: أثينا – اليونان.

يبيّن الكاتب (فوزي كريم) أن الفيلسوف الإغريقي (أفلاطون)، في كتابه (الجمهوريّة، 380 ق.م)، حاول تخيّل اليوتيوبيا ووضع القواعد والأسس الأساسيّة للمجتمع الفاضل والحكم الرشيد، فأبدى كلّ الحذر والريبة من فنِّ الموسيقى، واعتبره خطراً في تأثيره على أمن الدولة، لأن (أفلاطون) اعتقد أن في قدرة الموسيقى على التلوّن والتبدل، خطراً يُجبر الدولة على التعديل والتغيير في القوانين. لذلك ركّز على ضرورة مراقبة التجديد الموسيقي، فنصح الحكام الأثينييّن: (أن تظلّ الموسيقى والرياضة البدنيّة على صورتها الأصليّة، دون إدخال تجديداتٍ عليها)

كان (أفلاطون) معجباً بفلسفة الموسيقى في إسبارطة، والتي ذكرنا أنها كانت تحظر أيّ خروج على القواعد القديمة للموسيقى، وتشدّد العقوبات التي تنزلها بالموسيقيين المجدّدين.

اعتقد أفلاطون أن القوى التي تمارسها الموسيقى على النفس البشريّة، هي قوى غير مأمونة، شبّهها بقوى السحر، وانتقد انتشار الآلات، وخصوصاً المزمار الذي رأى فيها آلةً تمتلك القدرة على الغواية. خشي (أفلاطون) من الموسيقى الناعمة التي تخدّر برأيه أعصاب المواطنيين العاديين، فيتقاعسون عن الدفاع عن أثينا، وطلب من المؤلّفين والعازفين أن تكون المعزوفات والمؤلفات الموسيقيّة ذات طبيعةٍ بسيطةٍ، ومنعهم من استعمال الإيقاعات المعقّدة أو القوالب الموسيقيّة المختلطة.

رفض البوليفونيّة المُدنسة: الكنيسة المسيحيّة

يركّز (جوليوس برتنوي) على مجمّع (لاوديسيا Laodicea) الذي أنشأته الكنيسة في أواسط القرن الرابع، والذي اختصّ بالرقابة الصارمة على المسائل الدينيّة والفنيّة. كانت المهمّة الأساسيّة لهذا المجمّع، هي محو آثار الفكر الموسيقي الإغريقي التي كانت فنون الكنيسة متأثّرة بها، وطبّق مجمّع (لاوديسيا) أيضاً رقابةً صارمةً على النصوص الواردة في الشعائر والصلوات، وحظر كلّ النصوص غير المستمدة من التوراة والإنجيل، حُظرت الأناشيد الدينيّة لأن أشعارها ليست مأخوذة من نصوص الكتاب المقدّس.

أما (فوزي كريم) فقد ركّز على تأثيرات البابا جريجوريس في القرن السادس الميلادي، حين منع أي تزيين شكلي في فنّ الكنيسة، وحارب كلّ موسيقى ذات طابع حسّي، لأنه كان يعتقد أن الفنّ لا يستقيم في ذاته، بل هو مرافق للنصِّ المقدّس، ولذا استبعد العلم والفنّ من التعليم الديني، وأعاد إلحاق الموسيقى بالرياضيات.

في القرون الوسطى تابع اللاهوت المسيحي محاربة التجديد الموسيقي، وفي عصر النهضة، وقفت الكنيسة في وجه أبرع ابتكارات الموسيقى الأوربيّة، وهو نظام البوليفوني Polyphony، وهو نظام ثنائي النغم الموسيقي. لاقى نظام تعدّد الأصوات هذا قمعاً عنيفاً من قبل الكنيسة في عصر النهضة التي ادّعت أن نظام البوليفوني يُربك الإيمان المسيحي.

في القرن السادس عشر، انتشرت الحركة البروتستانتيّة الدينيّة، وحظرت فنّ الموسيقى، لأنها اعتبرته إرثاً كاثوليكيّاً. وحطم المتطرّفون البروتستانت آلات الأورغن في الكنائس، بعد أن منعوا أداء القدّاس، كان ذلك في عهد المنظّر البروتستانتي كالفان (توفي عام 1564). وفي القرن السابع عشر، حدث الشيء نفسه في انكلترا في عهد المتطهّرين Puritans الذين أغلقوا المسارح تحت ذريعة أن الموسيقى قادرة على تدنيس النفوس وتشجيع الخطيئة.

محو التراث السلتي: إنكلترا، إيرلندا، اسكوتلندا

في مقاله (تاريخ الرحلة الطويلة للموسيقى السلتيّة، 1999، مجلّة الثقافة العالميّة)، يتابع الكاتب (جاك إيروان) تجربة القمع التاريخيّة التي تعرّضت لها الثقافة والموسيقى السلتيّة على يد السلطات الإنكليزيّة.

في القرن السابع عشر، وحين انتصر الإنكليز في إيرلندا سعوا للقضاء على كلّ أشكال الموسيقى والشعر السلتي القديم، فعملت السلطة الإنجليزيّة على منع الموسيقى والأغاني السلتيّة، بمحاولةٍ لمحو ثقافة الشعب وتراثه الذي يمكن له الانتقال والعيش عبر الموسيقى، حتى كادت أن تختفي كامل الآلات السلتيّة وتندثر الأنواع الغنائيّة السلتيّة.

وفي اسكتلندا تمّ اتباع الأسلوب نفسه، فبعد أن قمعت السلطاتُ الإنجليزيّة بضراوةٍ انتفاضةَ جماعة ستيورات عام 1745 م في كولودن، أرفقت الانتصار العسكري بالقمع الثقافي، فمنعت الآلات والأغاني الإسكتلنديّة. وللتعويض عن الآلات الممنوعة استعمل الصوت البشري، ولتجاوز الحظر الذي يطال الأغاني شرع الأسكتلنديّون بإنشاد وغناء كلماتٍ مجرّدةٍ من المعاني.

خلال القرن التاسع عشر، عانت الموسيقى السلتيّة من سلطتين، سلطة الحكم الإنجليزي وسلطة الكنائس الأسكتلنديّة التي حرمت جميع الأدوات الموسيقيّة الدنيويّة. كادت الثقافة السلتيّة أن تفقد كامل تراثها الموسيقي من شدّة القمع والرقابة الإنجليزيّة والكنسيّة في تعاونهما.

يذكر (جاك إيروان) أن القيثارة السلتيّة بقيت الآلة الوحيدة التي تقاوم بوجودها حتى نهاية القرن الثامن عشر، وذلك بفضل جهود عازف القيثارة والمؤلّف الكفيف (تورلوغ أوكارولان) الذي ترك عملاً موسيقيّاً مهمّاً يضمّ مئتي قطعةٍ موسيقيّةٍ سلتيّة، قبل أن تنطفأ شعلة التراث السلتي لطوال قرنٍ كامل، ولن تعود للحضور حتى القرن الثامن عشر والتاسع عشر، حين عاد استلهام التراث الموسيقي ورقصة الريل التراثيّة السلتيّة.

أما النوع الموسيقي السلتي الوحيد الذي حُفظ من النسيان، فهو يدعى موسيقى "اليوبيرشت " وهي تعرف بأنها: " موسيقى السلتيين الكلاسيكيّة، نشأت في مجينة سماي ونجت من القمع، وهي شبيهة بموسيقى الريغا الهنديّة، وعمادها لحن متغيّر يتميّز بطوله أو ببطئه حول موضوعٍ واحد، لأنه بعد اقتلاع السلتيين من أراضيهم في الكولودن، هُجِّروا إلى استراليا والولايات المتحدة وكندا، وقد ساهم هؤلاء الجنود والمزارعون المنفيّون، في حفظ ونشر تراثهم الموسيقي من كندا إلى الهند، وكلّه حسب مقال (جاك إيروان) (تاريخ الرحلة الطويلة للموسيقى السلتيّة).

عبر التاريخ، نرى أن الفكر الفلسفي، الديني، والسياسي، كلّهم مارسوا السلطة في قمع الفنّ الموسيقي، وتباينت علاقتهم مع الموسيقى بين التحريم والمنع إلى محاولات السيطرة، وفرض الأساليب والذائقة الموسيقيّة التي تناسب غاياتهم وأهدافهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard