لماذا لجأ اليهود رجالاً ونساء وكهنة للإسلام

السبت 11 مايو 201907:07 م

"قِيلَ لِي إنك قد عقدت عقد زواج ابنتك أمام قاضٍ شَرْعي مُسْلِمٍ... لا أستطيع تصديق ذلك!"، هكذا كتب يهودي مصري عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، يدعى سلومون بن إيليا، إلى صديقه اليهودي، بحسب رسالة عُثر عليها ضمن وثائق جنيزة القاهريّة.

وثائق جنيزة هي عبارة عن مخطوطاتٍ، أوراق أو كتب، لا يجوز لليهود التفريط فيها، خاصّة لو كتب عليها اسم الله، أو احتوت على نصٍّ مقدّسٍ، أو كان بها ما يهمّ اليهود عموماً، وبناءً على ذلك كان اليهود يحتفظون بها داخل معابدهم، في غرفةٍ معزولةٍ تسمّى "جنيزة - Genizah "، أو ما يمكن أن نسمّيها "غرفة الدفن" داخل الكنيس أو المعبد.

تُعتبر "جنيزة القاهرة" أهمّ مجموعات وثائق جنيزة في العالم، وقد انتقل أغلبها إلى أوروبا، من كنيس بن عزرا بمنطقة الفسطاط في القاهرة، وهو من أقدم المعابد اليهوديّة في العالم، وعُثر به على ما يقرب من 200 ألف وثيقة.

ضمن الوثائق عُثر على رسائل وأوراق تعود للفترة من 950م: 1250م، تحتوي على معلومات تكشف جوانب عديدة من الحياة اليوميّة لليهود، ومنها الرسالة التي عرضناها أعلى هذه السطور، ولوحظ من فحص الوثائق، أن اليهود تأثروا كثيراً بمحيطهم الإسلامي، وخاصّة فيما يتعلّق بوضع المرأة اليهوديّة، والعلاقات بين المرأة والرجل.

حيث وُجد أن اليهود (خاصّة النساء) كانوا يلجؤون إلى قوانين الزواج والطلاق والمواريث الإسلاميّة، بما يخالف شريعتهم، كما وُجد أن السلطة الإسلاميّة كانت تتدخّل في عمل القضاء اليهودي، حتى ولو خالف التدخّلُ شريعةَ اليهود، بحسب دراسة بعنوان " A Look at Medieval Egyptian Jewry: Challenges and Coping Mechanisms as Reflected in the Cairo Genizah Documents"، للباحثة بمعهد ششتر للدراسات اليهوديّة Renee Levine Melammed.

كيف ولماذا استعان اليهود بالمحاكم والقضاة الشرعيّين الإسلاميّين في تلك الفترة، في أحوالهم الشخصيّة؟ ولماذا كانوا يذهبون إليها بأنفسهم ويعتبرونها ملاذاً لهم فيما يتعلّق بقضايا تخصّ المرأة؟ هذا ما سنجيب عنه من خلال قصصٍ واقعيّةٍ حياتيّة نقلتها وثائق جنيزة وتناولتها Renee Levine Melammed في دراستها.

وجدت دراسات جديدة أنّ اليهود (خاصّة النساء) كانوا يلجؤون إلى قوانين الزواج والطلاق والمواريث الإسلاميّة، بما يخالف شريعتهم، كما وُجد أن السلطة الإسلاميّة كانت تتدخّل في عمل القضاء اليهودي، حتى ولو خالف التدخّلُ شريعةَ اليهود

"قِيلَ لِي إنك قد عقدت عقد زواج ابنتك أمام قاضٍ شَرْعي مُسْلِمٍ... لا أستطيع تصديق ذلك!"، هكذا كتب يهودي مصري عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، يدعى سلومون بن إيليا، إلى صديقه اليهودي

تخبرنا وثائق الجنيزة أنّ أفراد الجالية اليهودية في مصر العصور الوسطى، نساء ورجالاً (وكهنة)، لجؤوا إلى محاكم إسلامية، وبعضهم اختار الأحكام الإسلامية رغم تعارضها مع سننهم، لمرونتها في الزواج والطلاق والميراث والحبّ! 

تعدّد الزوجات والزواج المشروط

قبل الخوض فيما يتعلّق بالقوانين والمحاكم الإسلاميّة، توضّح Renee أن الرجال اليهود كانوا يقلّدون الثقافة الإسلاميّة فيما يتعلّق بعلاقاتهن بالنساء، حيث أباح الرجل اليهودي لنفسه تعدّد الزوجات، أو الحصول على خليلة، أو إدارة علاقاتٍ جنسيّةً مع جارية أو خادمة، أو عقد زواجٍ مؤقّت.

والمعلوم أن الزواج المؤقّت مباح في بعض المذاهب الإسلاميّة، وكذلك ممارسة الجنس مع الجواري، أما تعدّد الزوجات فهو أمر ترفضه أغلب الآراء في اليهوديّة، ولم توافق عليه رئاسة الطائفة اليهوديّة في مصر إلا عام 1100م، بحسب الدراسة.

وقريبا أُثير جدل ديني في إسرائيل حول مشروعية تعدّد الزوجات في اليهوديّة، وهو أمر تجرّمه إسرائيل، ولكن بعض الآراء الدينيّة اليهوديّة ترى أنه جائز.

بسبب تأثّر الرجال من اليهود بثقافة الرجال من المسلمين، استُحدث في عقود الزواج وقتها (1100م) في عهد رئيس الطائفة Nagid Mevorach، إباحة أن تشترط الزوجة على زوجها ألّا يتزوّج من أخرى، وإذا لم يحترم رغبتها وأراد الزواج فلديها الحقّ في طلب الطلاق منه دون شرط منه، مع أخذ مستحقّاتها من المهور والنفقة وخلافه.

ويتبيّن من وثائق جنيزة أن مشاكل كثيرة نشبت بين أزواج وزوجات، بسبب رغبة المرأة التطليق بعد أن تزوّج زوجها من أخرى، مع رفض الرجل التطليق كي لا يدفع مستحقّات الزوجة الراغبة في الطلاق.

الإسلام ينصف اليهوديّات في الميراث

في الشريعة اليهوديّة إذا مات رجل وترك ولداً وبنتاً فالبنت لا ترث شيئاً طالما أن هناك ذكراً، ولكن في الشريعة الإسلاميّة يرث الولد والبنت معاً، وفقاً لقاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيّين".

كان أمام اليهود حلّ من اثنين في المواريث، إما اللجوء إلى قاضٍ مسلمٍ فيتمُّ التوريث وفقاً للشريعة الإسلاميّة، وهنا تُنْصَف الزوجة وبناتها، وهو ما كان يحدث في أحيان كثيرة، أو اللجوء إلى النظام اليهودي، الذي يقوم على توريث الأولاد من الذكور أولاً، فإن لم يكن هناك ذكور تقسم التركة على البنات بالتساوي.

ويبدو أن نظام التوريث الإسلامي انعكس على عقلية اليهود، حتى أنهم طبّقوه من أنفسهم في الوصايا التي يكتبونها لما بعد مماتهم، لإعفاء الورثة من اللجوء للقضاء، فمن وثائق جنيزة ترصد الباحثة وصيّةً لامرأة كتبتها عام 1100م، وقسّمت فيها ثروتها بمقدار 50 دينار لأختها و100 دينار لأخيها "للذكر مثل حظِّ الأنثيين".

وهذه الواقعة ليست فرديّة، فالعديد من الأفراد اختاروا ترتيب أمور الميراث في حياتهم كي لا يدخلوا أبناءهم وبناتهن في تعقيدات بين النظامين اليهودي والإسلامي، فقسموا التركة من خلال وصايا موثّقة أو من خلال توزيعها في صيغة هدايا في حياتهم، تقول Renee.

قضايا الزواج والطلاق.. المصلحة أهمّ من الدين

تسرد الباحثة مجموعة وقائع، وُثّقت في جنيزة، تُبيّن أن تفضيل المصلحة الشخصيّة على حساب الدين اليهودي أو الانتماء إلى الطائفة، كان سلوكاً متبعاً من بعض النساء، بل والرجال أحياناً، من أجل الاستفادة من القوانين الإسلاميّة، فكانت المحاكم الإسلاميّة بمثابة محاكم استئناف لليهود، يلجؤون إليها إذا ما فشلوا في نيل ما يريدون أمام المحاكم اليهوديّة، حيث كانت كلمتها نافذة، بصرف النظر عن موافقة المحكمة اليهوديّة من عدمها، بحسب الدراسة.

وتسرد الوثائق مجموعةً من القصص، منها طلبٌ مُقدّمٌ إلى رئيس الطائفة اليهوديّة موسى بن ميمون (تـ 1204)، فيه تشكو فتاة يتيمة من أنها كانت مخطوبة لشاب وبعد شهرين من الخطبة، ظهر أحد أقاربها وقال لها إنه أخذ مكتوباً من والدها منذ 4 سنوات، ينصُّ على موافقته على خطبة الفتاة له.

أصيبت الفتاة المخطوبة بذهول هي وأمها وعائلتها، فماذا يفعلون أمام هذا الادّعاء، وهي مخطوبة لشاب تحبّه وتريد الزواج منه.

أرسلت الفتاة خالها إلى قاض يهودي للحصول على أمر بالانفصال من هذا الشاب المدّعي خطبتها منذ 4 سنوات، لتتمكّن من الزواج من الشخص الذي اختارته وتريده، فلم يوافق.

هنا قرّرت الفتاة اللجوء لقاضٍ مسلم، فقرّر إرسال 10 أفراد عدول إلى المحكمة اليهوديّة مع تعليمات بحلّ مشكلة الفتاة وتحريرها من الخطبة المزعومة، فتمّ لها ذلك.

وشكا العريس المُدّعِي بأنه أُجبر على فسخ الخطبة وأن ذلك يُبطل الإجراء، ولكن موسى بن ميمون رفض طلبه، وقضى بأن الفتاة حرّة ولها الحقّ في الارتباط بمن تريد.

وعملية الزواج في اليهوديّة تتمّ على مرحلتين: الأولى تشبه الخطبة، وتسمى كيدوشين أو إيروسين، ولكن خلالها يُحظّر على المرأة الارتباط بأي رجل آخر غير خطيبها، وإذا أرادت تركه لابد من حلِّ الرباط بينهما في محرّر رسمي، يشبه الطلاق في الإسلام، أما المرحلة الثانية من الزواج فهي مرحلة الارتباط الكامل والعيش في بيت واحد.

قصة أخرى من جنيزة مفادها، أنه في عام 1032م تقدّمت امرأة يهوديّة من قرية تسمى "صهرجت" إلى قاضٍ مسلمٍ تطلب الطلاق من زوجها، وتُبيّن الوثائق أن القاضي المسلم طلّقها وقضى لها بنفقةٍ شهريّةٍ من طليقها، كما يتبيّن أن طليقها وافق، وكان قد دفع لها بالفعل نفقة 3 أشهر.

ويبدو أن لجوء المرأة إلى قاض مسلم سببه عدم وجود قاض يهودي في هذه المنطقة، وهذا الأمر تسبّب في تعرّض المرأة لتهديدات من مجتمعها اليهودي بسبب لجوئها لقاض مسلم، ما اضطرّها إلى الذهاب إلى الفسطاط، حيث مقرّ كنيس بن عزرا والمحكمة اليهوديّة (حي مصر القديمة بالقاهرة الآن)، لتعلن أن ذهابها للقاضي المسلم لم يكن فكرتها وحدها، وإنما كان بالاتفاق مع زوجها الذي تطلّقت منه.

ارتدادٌ عن اليهوديّة.. حين لجأ كاهن للإسلام من أجل امرأة

مسألة لجوء اليهود إلى محاكم إسلاميّة من أجل الزواج أو الطلاق وصلت حدّ الارتداد عن اليهوديّة، ومن ذلك حكاية وثّقتها رسالة وصلت إلى موسى ابن ميمون، تتعلّق بقضية امرأةٍ يهوديّةٍ اعتنقت الإسلام، وُصفت في الرسالة بـ"المجرمة"، تطلب مستحقّاتها من طليقها.

المرأة التي ارتدّت عن اليهوديّة طلبت من القاضي المسلم أن تستردَّ مهرها باعتبارها مطلّقة من زوجها اليهودي، وفقاً للشريعة الإسلاميّة، وفي الوقت نفسه لا تسمح الشريعة اليهوديّة بإعطاء المرتدّين عنها هذا الحق.

وتوضّح الرسالة أن القاضي المسلم طلب من قيادات الطائفة اليهوديّة إمداده بمعلومات وشهادات حول المرأة وشكواها، ليحكم في حقها.

كان قادة اليهود خائفين من إحداث أزمة مع القاضي المسلم برفضهم الإدلاء بالشهادة، فرفعوا الأمر لزعيمهم ابن ميمون، الذي لم يكن قلقاً وتعامل مع الأمر بثبات، وطلب منهم أن يرفضوا الإدلاء بالشهادة ولا يتعاونوا في هذا الأمر بأي شكل، وليردّوا على القاضي المسلم بأنهم لا يملكون أي معلومات حول الأمر.

قصّة أخرى تبيّن أن المسألة وصلت إلى حد الكهنة أنفسهم، حيث قرّر كاهن يدعى "أبوالعزار بن نضر"، أن يتزوّج من امرأةٍ مطلّقةٍ تدعى "حسنات بنت إيفين إلاله"، وهو أمر غير جائز في اليهوديّة التي "تحرّم زواج الكهنة من مطلقات".

فما كان من الكاهن إلا أن تحايل على الأمر وعقد زواجه على معشوقته المطلّقة أمام قاضٍ شرعيٍّ مسلم.

القاضي المسلم لم يكترث بأمر كهانة الرجل، فعقد الزواج، ولكن الأمر حين وصل إلى موسى بن ميمون غضب بشدة، واعتبر الزوجين عاهرين، وأمر اليهود بمنع التعامل معهما، وطردهما من الجالية اليهوديّة.

الحكومة الفاطميّة تتدخّل لدى القضاء اليهودي

اليهوديّات كنّ أحياناً يلجأن للمحاكم اليهوديّة والإسلاميّة معاً في نفس الوقت، في قضايا تختلف عن الزواج والطلاق، ويبدو أن الحكومة نفسها كانت تتدخّل في عمل المحاكم اليهوديّة، إن أرادت، بحسب ما تبين الوثائق.

وترصد Renee في دراستها، من واقع شكوى تلقّاها زعيم الطائفة اليهوديّة Nagid Mevorach، حوالي عام 1100م، رفعتها أرملة من الإسكندرية تدعى جليلة بنت إبراهيم، توفي زوجها باروخ بن ساسون، الذي كان يعمل تاجراً، وتتهم جليلة شركاءه بخداعها وأطفالها (ثلاث فتيات وصبي واحد)، لنهب حصّة زوجها التجاريّة معهم.

وتوضّح أن زوجها توفي وهو مسافر إلى إحدى القرى المصريّة لأغراضٍ تجاريّة، ورغم أنها حاولت التغلّب على الموقف بمفردها، للحصول على أموال زوجها، فلم تستطع، فرفعت دعواها إلى قاض يهودي في الإسكندرية، وكذلك إلى قاض مسلم فلم ينصفاها.

اتهمت جليلة القاضيان (المسلم واليهودي) بالظلم، وتلقي الرشاوى من شركاء زوجها الميت، واتجهت إلى والي الإسكندريّة الذي كان متعاطفاً معها، فقرّر عدم إسقاط ادّعائها، وأرسلها إلى سلطة يهوديّة أعلى، إلى رئيس الطائفة نفسه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard