حين اغتُصبتُ وأنا فتى في الحادية عشرة من عمري

السبت 11 مايو 201904:36 م
Read in English

لم أتوقّع يوماً أن أكتب عن هذه الحادثة. ليس لأني لا أجرؤ، لكن لأن الأمر أشبه بقفزٍ في الهواء، لا تُعرف مصائره. كنت صغيراً كي أفهم ما حدث فعلاً، أو كيف حدث بهذه العجالة المتباطئة. مستقطعاً عمري وسنواتي كأني تركت خلفي شخصاً آخر لم يبق من أثره شيئاً. شخصاً ممزّقاً، مرميّاً بمفرده على ناصية طريق، لا يقترب من جثّته أحد.

صغيراً كنت، كي أحمل ذنب أحدهم كأنه ذنبي، ويتحوّل قلبي الصغير إلى غابة خوف

هذه الحادثة لعمق أثرها، حوّلتني إلى شخصٍ حزين رغم امتلاكي شدّة الفرح والمرح آنذاك، إلّا أن هذا الحدث الجلل في حياتي الشخصيّة، جعل طيفاً خبيئاً في جسمي يحلو له الانطواء والعزلة، ويشعر، حتى بعد مضي كلّ هذه السنوات، أنه لا يملك، على أقل تقدير، ثقةً بهذا العالم. فقد ثقته به في اللحظة التي تحوّل فيها إلى ضحيّة قتلٍ عمد، معنويّة ونفسيّة، على يد إنسان يكبره بخمس سنوات. أنا في الحادية عشرة من عمري وهو في السادس عشرة.

كأن اغتصابي هو ذنبي

صغيراً كنت، كي أحمل ذنب أحدهم كأنه ذنبي، ويتحوّل قلبي الصغير إلى غابة خوف، تتجوّل فيها كلّ الهلوسات والهواجس والسيناريوهات الآثمة، كردّ فعلٍ لحمايته وحمايتي. كنت أفكّر أني مذنب، لأتركه ينتهكني من دون مقاومةٍ عظمى أو صراخٍ شديد. لكن هذا الاحتمال لم يكن في الواقع ممكناً حتى، كان مستحيلاً عليّ أن أهرب. كنت تحت يديه وهو الجلّاد. تحت جسده كي أكون دقيقاً. ماسكاً بقبضتيه يديَّ النحيلتين، يغرقهما في إسفنجة الفراش، تاركاً قضيبه يسرح في بدني ومن ثم يتدفّق ماؤه بداخلي، حتى حين أعطاني صابونة كي أنظّف فيها الدم القليل الذي خرج من تمزّقات جوفي، لم يخرج ماؤه مني. استحال إلى مادةٍ مسمومةٍ في جسمي.

وعلى الرغم من كلّ ما تعلّمته في سنواتي الثلاثين، لم أتعلّم القفز فوق هذه الحادثة أو لنقل تجاوزها، مثل جدارٍ هائل العلو تخاف أن يهبط على جسمك الهشِّ ويُسقط ما بقي منك. وكأنك متّ في تلك اللحظة وما راكمته هو فقط ذيول هذا الحطام. تجرجره خلفك وتنتبه كلّ حين أن الجثّة التي تشدّها إليك من ماضيك لم تمت. أنها جثّة حية تذكّرك كم أنت ناجٍ وكم أنت جميل بما أصبحت عليه. كم أنت قوي كي تتعلّم المضي قدماً ولا تقتل نفسك.

الغفران هو النكران

يقال إن لكلّ منا حروبه الشخصيّة وفجوة يتسرّب منها الألم كشبحٍ ليلي ينام في فراشنا ويؤرّقنا، ويقال إن لكلّ طفل وطفلة، حكاية صغيرة لا تُنسى، سرّ يُقال إنه علامة فارقة في حياتهم/ن لاحقاً. وها هي حادثة اغتصابي في ليلة صيفيّة على سطحٍ قروي، علامة بائسة في ذاكرتي. قلت لعشر سنوات متتالية إن الغفران هو "داعمة" لأتجاوزها. لكن الغفران لا حلّ فيه سوى النكران وكأن شيئاً لم يكن. تلك الأصابع الجلفة التي أمسكتني والجسم الصلد والقضيب المتوحّش الذي دخلني، كأنها تفاصيل ليست لي. حينها ومنذ عام فقط قرّرت ألا أغفر بل أن أشفى، وتعاملت مع اغتصابي بشكل آخر. وضعته أمامي كحكاية عليّ فهمها ونبشها وإعادة تركيب تفاصيلها كي أشفى منها وكي لا تأكلني، وأتذكّرها كلّما احتسيت الكحول أو تعاطيت المخدّرات. أتذكّرها وأبكي، أحضن فيها الطفل الذي عشته يوماً ومات باكراً.

يومها بقي الطفل هناك لم يتحرّك، هامداً كجثّة، لم يعرف الطريق ولم تعرفه، وتُهتُ.

أن أحكي اسمه بصوتٍ عالٍ

لا تزال هذه الحادثة ماثلة في ذاكرتي لا تتزحزح. أتذكّرها بعد مرور 19 عاماً كغبشٍ يأتي من بعيد، فيلمٍ سينمائي لا تجزم واقعيّته وتمازجه بخيال لا تملك صفاته الحيّة. تقول إنه كابوس تريد الخروج منه أو غرفة مظلمة، تشبه الغرفة التي اقتادني إليها مُغتصبي. لفترة طويلة لم أتمكّن من قول اسمه، وحين لجأت إلى معالِجتي النفسيّة في العام 2012 وتحدّثنا عنه كنت أتجاهل اسمه. شخص وهمي لا دليل على وجوده ولا إثبات محسوس. علّمتني معالجتي أن أتلو اسمه وأكرّره بيني وبين نفسي. قفزت هنا فوق النكران، أتحتُ لهذا الإنسان، ولا أحبّ أن أقول وحشاً (لأننا في النهاية كلّنا مشاريع وحوش، ولسنا من صنف الملائكة)، أتحتُ له أن يكون معرّفاً في ذاكرتي/نكراني باسم علم، باسمه الحقيقي، ولم أعد أقول هو المجهول، وتعلّمت أن أضيف له مواصفاته: وجه كاحل بني البشرة، عينان خضراوتان، يدان جافيتان من عمل البراري، نظرة ثاقبة وغاضبة وفم يتلعثم بالكلام، فيعوّضه باللطم والعنف، هكذا كان حينها في ذكرياتي عنه، كان يؤدي حركات نيكه في جسمي كأنه يؤدّي النيك لأوّل مرة. يجرّبه في جسمي الذي لم يعرف الرغبة إلا تهويمات صغيرة كاللعب والمداعبة في خيالٍ ضيّق، كان ينيكني كجيفةٍ نتنة.

نحن لسنا ضحايا، نحن نجونا من القتل العمد

أتذكّره حين أخذني بيده إلى السطح. صوته الضخم لفتى في السادس عشرة، ويدان صلبتان لم أستطع الفرار منهما. امتلكني كأني فريسته. يومها بقي الطفل هناك لم يتحرّك، هامداً كجثّة، لم يعرف الطريق ولم تعرفه، وتُهتُ. كنت ذاك الطفل المكبّل بيدي مغتصبي، الإنسان أو الوحش، لا يهمّ، لم يعد مهمّاً اليوم، أن أصفه كما فعلت لأيام كثيرة، مانعاً نفسي من الانتحار، متذكّراً القسوة التي عانيتها والألم الذي تشقّق من جلدي الطري، وسقط كنقاط ماءٍ على السجّادة في تلك الليلة التي تنمحي تفاصيلها وتُستعاد، كل مرّة، كأسطورة حياتي.

حوّلتني هذه الحادثة إلى شخصٍ حزين رغم امتلاكي شدّة الفرح آنذاك، إلّا أن هذا الحدث الجلل في حياتي، جعل طيفاً خبيئاً في جسمي يحلو له الانطواء والعزلة، ويشعر، حتى بعد مضي كلّ هذه السنوات، أنه لا يملك، على أقل تقدير، ثقةً بهذا العالم. 

كأنك متّ في تلك اللحظة وما راكمته هو فقط ذيول هذا الحطام. تجرجره خلفك وتنتبه كلّ حين أن الجثّة التي تشدّها إليك من ماضيك لم تمت. أنها جثّة حية تذكّرك كم أنت ناجٍ وكم أنت جميل بما أصبحت عليه. 
عشت منهوباً بأيدي رجالٍ لا يعرفون الرحمة... وكنت أفكّر أن هذا ما أستحقّه، ولا أستحقّ الحبّ، بل الاحتقار والاستخدام كآلةٍ أوتوماتيكيّة تُرمى فيها مُتع الآخرين وحليب أجسامهم السقيمة وزفراتهم الشجعة.

تعلّمت أني أستحق الحبّ

يُقال إن الأطفال الذين يُغتصبون يعيشون انقطاعاً عن الذكرى الأليمة، يقتطعونها كما يُقتطع اللحم النيء، ويضعونها في خزينةٍ باردة، كي تُنسى إلى حين. ويُقال إن الاغتصاب يجعلنا نترك أجسامنا شبه مجّانية لأيدي الآخرين، ولا نعرف المتعة إلّا منقوصة. كلّ هذا عشته. عشت منهوباً بأيدي رجالٍ لا يعرفون الرحمة... ينيكون بلا حبّ، وكنت أفكّر أن هذا ما أستحقّه، ولا أستحقّ الحبّ، بل الاحتقار والاستخدام كآلةٍ أوتوماتيكيّة تُرمى فيها مُتع الآخرين وحليب أجسامهم السقيمة وزفراتهم الشجعة.

تعلّمت لاحقاً أني أستحقّ الحبّ وأستحقّ أن أتعامل مع جسمي باحترام وألفة المحبّين.

لكن، تعلّمت لاحقاً أني أستحقّ الحبّ وأستحقّ أن أتعامل مع جسمي باحترام وألفة المحبّين. فساعدتني القراءة ثم "يوتيوب" الذي أتاح لي أن أسمع قصص الآخرين من الناجين مثلي، وساعدني العلاج النفسي.

نحن لسنا ضحايا، نحن نجونا من القتل العمد. نجونا بذواتٍ أخرى لا تشبه الجثث التي نجرجرها خلفنا، ذواتٍ تعلم اليوم أنها ستكافح وستجاهر يوماً وستوجّه أصابعها إلى هؤلاء، الذين لا متهمين سواهم.

ملاحظة:
المقال نُشر باسم مُستعار، كآليّةٍ لمواصلة حماية نفسي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard