إنه نوم هادئ وعميق يا مريم! حين تستيقظين سيكون الجميعُ بانتظارك

الجمعة 10 مايو 201904:07 م

كنتُ أسمع صوتَ صديقتي تقول: لن أذهب من هنا حتى تفتحي عينيك! تُحدّثُ الشخصَ الذي عرفتُ شيئاً فشيئاً أنه الطبيب، عن ليالي الفرح وأطباق الأكل المتنوعة في بيتي، وتريدني أن أعود إليها. تقول لي: "افتحي عينيكِ كي أذهبَ للجميع وأقول لهم إنك فتحتِهما. ستوقّع (عطيةُ) كتابَها الليلة، وسيكون الكلّ هناك؛ الجميع منتظرون أن أحمل لهم البشارةَ!". وتُكرّر: "أنتِ تستطيعين يا مريم!".

رفعتُ ثوبي لترى الجرحَ الكبيرَ والطريَّ في بطني. نظرتْ إليه بحبّ وقالت: "كم هو جميل!".

سبقتْها أصواتُ صديقاتٍ أخرياتٍ كنّ يأتين واحدة تلو الأخرى، كلُّ واحدة منهن تذكّرني بنفسِها، وتلتمسني أن أفتحَ عينيّ. أجمع كلَّ طاقتي كلّ مرة كي لا أخذلهنّ، ولم أستطع. كنتُ أسمع أصواتهنّ القادمة من العدم إلى سمعي، أحاول أن أتذكّرهنّ وأتساءل كلّ مرة: من أين أتينَ إلى هذا العراء الذي ممدّدة أنا فيه على سريرٍ وحيد؟ هذا كلّ ما كنتُ أشعر به: أنني في عراءٍ فسيح ولا شيء هناك سوى بعض الأشجار وسريري الأبيض في وسط المكان.

سألتْ: "ألمْ تعدينا أن نذهب سويةً إلى بيروت؟" ابتسمتُ بعينين مغمضّتين وقالت: "أنا فداء لكِ! هل ترى يا دكتور أنها تبتسم؟ افتحي عينيك أيضاً. لن أذهب حتى إن اضطررتُ أن أبقى هنا إلى يوم غد.". يوم غد؟! أيّ ساعة من اليوم الآن؟ تساءلتُ ومرّ السؤالُ لعدم استطاعتي على التركيز. كنتُ تذكّرتُها جيّداً وحاولتُ فقط أن أجمع كلّ قواي لأفتح الأبوابَ الثقيلة الملتصقة ببعضها بعضاً في تينك الحفرتين اللتين كانتا عينيّ. كنتُ أقول لنفسي: "يا للعنة, افتحيهما! افتحيهما من أجلها فقط.". قواي التي كنتُ أحاول أن أجمعها، طائرةً في البعيد كانت، وكنتُ مكبّلة هناك، عليّ أن أصطادها وأسخّرها لتساعدَ عينيّ أن ينفتحا.

قالت صديقتي للطبيب: "إنها تحرّكهما. لا تعرف كم هي تحبّنا وتحبّ الحياة!" فسمعتُ صوتَه الجادَّ والهادئ: "إذاً فلتفتحْ عينيها!"، وفتحتُهما. كان واقفاً قبالتي، وهي إلى جانبي الأيمن واقفة، وخلفهما شبّاك غرفة يتسلل منه ضوء ضئيل.

لا أتذكّر من اللحظات التي تَلتْ تلك اللحظةِ سوى وجه صديقتي الودود المليء بالسرور، وابتسامة الطبيب الذي يؤيّد لصديقتي ما تحدّثه عن صفاتي بحبٍّ وحماس.

فتحتُ عينيَّ بعد خمسة أيام من الغيبوبة والعملية التي إن لم تكن تُجرى لي بعد يومين كنتُ سأفقد الحياة. المهلة كانت أسبوعاً واحداً فقط كي يجدوا لي كبداً يحلُّ مكان كبدي التالف فجأة ودون أيّ إنذار، وفي اليوم الخامس وُجد الكبد، وكانت لي الحياة. كان الأطبّاء قالوا لصديقاتي إنها يجب أن تفتح عينيها اليوم، وإلا... لم أعرفْ بعد ماذا كان سيحدث!

كنتُ أسمع صوتَ صديقتي تقول: لن أذهب من هنا حتى تفتحي عينيك! تُحدّثُ الشخصَ الذي عرفتُ شيئاً فشيئاً أنه الطبيب، عن ليالي الفرح وأطباق الأكل المتنوعة في بيتي، وتريدني أن أعود إليها.

عرفتُ في ما بعد بأنني في لحظاتٍ أخرى وبعد العملية فتحتُ عينيّ لبضع لحظات وأغمضتُهما ثانية. لا أتذكّر أنني حرّكتُ لساني لأوّل مرّة، وقلتُ للمرّضات بالعربية بأنني أريد ماءً ولم يفهمن؛ أتذكّر فقط أنني كنتُ أشعر بصحراء متشقّقة أرضُها من شدة الحرارة والجفاف في حلقي وحنجرتي، وأصوات أقدامٍ آتية وذاهبة من حولي، وأنا أتمنى وأقول ليتهم يعرفون بأنني عطشى؛ ليتني أعرف أين أنا؛ ليتني أستطيع أن أتكلّم قليلاً.

كيف تحدّثتُ عند تلك اللحظة الأولى ثمّ ذهب مني النُّطق، ولم يعُدْ إلا بعد أيام؟ كيف رأيتُ صديقيّ المقرّبيْن في لحظة أولى، واقفيْن أمامي يسألان: "هل لنا أن نقبّلَها؟" ويسمعان: "لا"؟؛ كيف رأيتُ في لحظة أخرى بعضَ الرّجال الذين تبيّن بعد ذلك أنهم أطباء؟ وكيف رأيتُ وجهَ زوجي السابقِ مبتسماً وهو جالس على كرسيٍّ أمامي، وتساءلتُ أين نحن، ثمّ انغلقت عيناي لتنفتحا بين برهة وأخرى وتريا الممرّضات والممرّضين، وأنا محاولة أن أصنع قصة موضّحة لوجودهم هناك، ثمّ انغلقتا إلى ساعاتٍ حتى سمعتُ صوت أختي وصديقاتي دون أن أراهنّ.

قبل ذلك أو بعد ذلك -لا أعرف!- فتحتُهما لبضع ثوانٍ، ورأيت زوجي السابقَ أيضاً. كان هو وصديقي واقفين، ثمّ كانا يقودانني بعينين مغمضّتين ودون حراك على عربة في صحراء حارقة وجسدي تكاد أن تحرقَه أشعّةُ شمسٍ قريبة جدّاً ومشتعلة. أحاول أن أنسج قصة لكلّ شيءٍ فينقطع الخيطُ دون إرادتي. أنام وأصحو دائخة بين الأصوات وبعض المشاهد.

أما صوتُ أمّي التي كانت قد أتت من الأهواز أيامَ الغيبوبة ونادتني باكيةً فوق رأسي، فلم أسمعه. هل الحياة تعود من أجل أصواتٍ تسمعها الرّوح فقط دون أن نعرف؟

كنتُ عائدة من تونس منذ يومين، لكن ذاكرتي في تلك اللحظات لم تربط بين أيّ من الأشياء. هل هنا تونس أم أين؟ يوم أو يومان أم بضع ساعات؟ حتى الآن لا أعرف كم من الوقت مضى حتى عرفتُ أنني في طهران، وفي المستشفى. كنتُ أسمع صوت فتاة تغنّي فوق رأسي بصوتٍ جميلٍ أغنيةً فارسية قديمة: "مريم! افتحي عينيكِ وناديني"، ولم أعرف أنها صديقتي.

وفي لحظةٍ أخرى، أعرف فقط أنها كانت بعد صوت غناء الصديقة، كنتُ في بيتٍ بباحة وحديقة كبيرتين ومزيّنتين بالأضواء الملوّنة أسمع فيها صوت صديقنا وشاعرنا الحبيب (سِبانلو) الذي كان قد مات عاماً قبل ذلك وبالتحديد في تلك الأيام يغنّي الأغنية التي كان يغنّيها لي عندما كنّا نزوره في بيته: "إنها ليلة الأُنس يا مريم، تعاليْ تعالي". أما صوتُ أمّي التي كانت قد أتت من الأهواز أيامَ الغيبوبة ونادتني باكيةً فوق رأسي، فلم أسمعه.

هل الحياة تعود من أجل أصواتٍ تسمعها الرّوحُ فقط دون أن نعرف؟ هل كان شيء مني يسمع أصوات عشرات من الصديقات والأصدقاء الذين كانوا ينتظرون على مدى خمسة أيام خلف الغرفة وفي المستشفى ويقولون لي بحزنهم وصمتهم: "عودي"؟

هل كنتُ سأعود حيةً إن لم تكن تكتب لي صديقتي كلّ يوم من خلف آلاف الكيلومترات رسائل مطوّلة في الفيسبوك، وهي تعرف أنني لا أستطيع أن أقرأها؟ هل كنتُ سأنهض إن لم تكتبْ صديقتي الحبيبة جملة واحدة فقط: "أقسمكِ أن تنهضي!"، وترسلها لي دون أن تعرف هل سوف أقرأها أم لا؟

هل الحياة كانت ستعود لي أكثر بهاءً من قبل إن لم تكتب لي صديقتي الجميلة التي نادراً ما شاهدتُها تعبّر عن مشاعرها: "مريم، أنتِ نائمةٌ الآن. إنه نوم هادئ وعميق. حين تستيقظين سيكون الجميعُ بانتظارك. هدية الله الجميلة لهذا العالم، أنتِ". وعرفتُ أنني لم أقرأ رسالة سابقة لها حين كنتُ أطلتُ المكوث في تونس: "تسافرين كثيراً؛ ألا تقولين إننا، سكّان العالم، نشتاق لك؟".

هل الحياة كانت ستعود لي أكثر بهاءً من قبل إن لم تكتب لي صديقتي الجميلة التي نادراً ما شاهدتُها تعبّر عن مشاعرها: "مريم، أنتِ نائمةٌ الآن. إنه نوم هادئ وعميق. حين تستيقظين سيكون الجميعُ بانتظارك.

بعد أيامٍ حين مسكتُ هاتفي المحمول لأوّل مرة وفتحتُ رسائلي، وبعد ذلك، سألتُ نفسي مراراً وتكراراً: ما الذي جعل صديقاتي يكتبن لي ذلك، وأصدقائي الذين كانوا يدورون كالملائكة حولي قد بعثوا لي أغانيَ عربية وأنا في عالم آخر؟ ما الذي كان يجعلهم ينقضون قوانين المستشفى للزيارة، ليزوروني من الصباح حتى المساء؟ وما هو ذلك الشيء الغريب الذي منحني الحياةَ مرّة أخرى كي أؤمن بها أكثر من قبل؟

مرّت أشهر أليمةٌ حتى استطعتُ العودة إلى الحياة العادية؛ حتى استطاعت عيناي أن ترى الأشياء دون ستارة من الضباب، وحتى استطاعت يدي اليمنى أن تتحرّك، وأن أستطيع المشي على قدميّ. ثلاث سنوات قبل هذا اليوم كان كلّ شيء يمرّ ببطءٍ شديد لكنني كنتُ سعيدة بهنّ وبِهم وبنفسي.

بعد شهرٍ من العملية كنتُ في بيت أختي وكان الصيفُ قادماً بفواكهه التي أعشقها، وأيامه التي تقترب من عيد ميلادي الثاني والثلاثين. كان يزورني كلّ يوم عددٌ من الأحبة. ذات يومٍ سألتني صديقتي أن ترى جرحي، وكانت أول من طلب ذلك. رفعتُ ثوبي لترى الجرحَ الكبيرَ والطريَّ في بطني. نظرتْ إليه بحبّ وقالت: "كم هو جميل!".

من أنا اليوم أمام كلّ هذا الحبّ؟ وماذا عليّ أن أكون؟!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard