المسلسل التلفزيوني السوري

الاثنين 13 مايو 201904:02 م

لا يمكن الحديث عن الإنتاج الثقافي السوري، دون التطرّق إلى المسلسل التلفزيوني السوري، فهو الفنّ الأغزر إنتاجاً في الصناعة الثقافيّة السوريّة، وهو القطاع الذي يضمُّ أكبر عدد من العاملين من بين الفنون الأخرى، والأكثر انتشاراً وتأثيراً في الثقافة المجتمعيّة. وإن كان الإنتاج الدرامي السوري قد بلغ ذروته الإنتاجيّة والإبداعيّة في سنوات التسعينيات والعشريّة الأولى من القرن الواحد والعشرين.

لكنه في السنوات الأخيرة أثبتت تراجعاً في كمية الإنتاج، والأهمّ في القيمة الفنيّة للمنتج، فبينما قدّمت الفنون الأخرى تجارب معاصرةً قادرةً على تطوير أسلوبيّةٍ وموضوعاتٍ تتعلّق بالمرحلة الراهنة من فنون تشكيليّة، مسرح، وأدب، إلا أن الإنتاج التلفزيوني الدرامي السوري لم يقدّم تجديداً أسلوبياً يُذكر، أو عملاً فنيّاً يدلّل على مواكبته للتطوّرات الحاصلة في الفنون السوريّة الأخرى. فما الأسباب التي أدت إلى عجز الدراما السوريّة عن تقديم أعمالٍ طليعيّةٍ تواكب المرحلة السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي تمرّ بها البلاد، وما هي إشكاليّات صناعة الدراما السوريّة؟

في بحثه (تطوّر آليات إنتاج الدراما التلفزيونية السورية، 2018، دار ممدوح عدوان)، والذي يدرس فيه المسيرة الإنتاجيّة لصناعة المسلسل التلفزيوني السوري منذ البدايات وحتى الوقت الراهن، يحدّد الباحث وائل سالم ثلاثة إشكاليّاتٍ أساسيّةٍ ومحوريّة في الصناعة الدراميّة، وهي:

• دور الكاتب - المؤلّف في صناعة المسلسل السوري.

• الرقابة.

• ثنائية المركز والهامش.

بعد أن كان الانتاج التلفزيوني السوري الفنّ الأغزر إنتاجاً في الصناعة الثقافيّة السوريّة،  والأكثر انتشاراً وتأثيراً في الثقافة المجتمعيّة، لماذا تعجز الدراما التلفزيونيّة السوريّة عن إنتاج الأعمال الفنيّة المميزة في المرحلة الحالية؟

"فُرض على المسلسل السوري عقبات رقابيّة جديدة، حيث عليه أن يرضي الرقابة الخليجيّة أيضاً، الأمر الذي أصبح يعتبره الكثير من الكتّاب أمراً مفروغاً منه، لذلك تجري الكثير من التعديلات لملائمة السوق والرقابة الجديد، فمثلاً يُفضّل عدم ذكر الحانات أو تصوير مشاهد فيها"

تمركز الإنتاج الدرامي السوري على اللهجة الشاميّة قد ساهم بشكلٍ مباشرٍ في خلق مجموعة شروطٍ جديدة يتوجّب على الكتّاب مراعاتها، وبذلك حرمهم من قصصهم ومدنهم وحريّتهم في التعبير، ليحصرهم في الإنتاج الدرامي باللهجة وبالموضوعات الشاميّة.

مكانة الكاتب – المؤلّف في عجلة الإنتاج الدرامي

يُولي مؤلّف البحث اهتماماً خاصّاً بحال ووضعيّة الكاتب في عجلة الصناعة الدرامّية، ولدراسة أوضاع الكتّاب، يعود بنا إلى 1967 العام الذي تأسّست فيه نقابة الفنّانين السوريين والتي لم تضمّ كتّاب الدراما بين أعضائها، ورغم التعديلات التي طالتها في عامي 1972 و 1990، لتضمَّ مغنين وعازفين وراقصين وممثلين ومخرجين، لكنها حتى يومنا هذا لا تضمّ كتّاب سيناريو، ولا تؤمّن أيَّ نوعٍ من التغطية القانونيّة لهم أو تشملهم في صندوق التقاعد، كما لا يحقّ لكتاب السيناريو الانضمام لاتحاد الكتّاب العرب، هذا التجاهل والتهميش لكتّاب السيناريو على وجه الخصوص يعكس مناخاً عاماً لآلية التعامل معهم، الأمر الذي سنجده يتكرّر في مختلف جوانب العمليّات الفنيّة في إنتاج الدراما التلفزيونيّة.

من أسباب غياب الإنتاج الجيّد في المسلسلات السورية، أن حدود الكاتب الضيّقة أصلاً، أصبحت أضيق، مع التوجّه إلى سوقٍ يميل إلى سياسةٍ محافظة، فزادت المحاذير الدينيّة والأخلاقيّة

تأثّرت حال الكتّاب في الصناعة الدراميّة بحسب التغيرات التي رأيناها تطرأ على هذا الفنّ بين مرحلة وأخرى، ما عقّد وظيفة الكاتب من دون عائدٍ ماديٍّ مُجدٍ مقارنة بكلّ العاملين الذين شهدت أجورهم ارتفاعاتٍ غير مسبوقة. فصار على الكاتب أن يرضي الشركة والقناة والرقابة في بلد الإنتاج وفي بلد البيع في آن واحد، ومراعاة كلّ المحاذير، ومراعاة رغبة القنوات في إنتاج مواد يسهل تسويقها للمعلنين في القناة، كلّ هذا مقابل عائد مادي قليل.

أصبحت حدود الكاتب الضيّقة أصلاً، أضيق، مع التوجّه إلى سوقٍ يميل إلى سياسةٍ محافظة، فزادت المحاذير الدينيّة والأخلاقيّة، وزاد تشديد الإنتاج على الكتّاب لإنتاج أنواعٍ محدّدةٍ ومُقولَبة من المسلسلات، فأصبح على الكاتب تفصيل فكرته بما يماثل رغبة السوق في كلّ عام. وزادت نسبة تقليد المسلسلات لبعضها البعض حسب نجاح كلّ منها، وزاد تكرار الأفكار والمواضيع نفسها، وأيضاً ميل القنوات لطلب أجزاءٍ من نماذج ثبت سهولة تسويقها، على الرغم من عدم وجود مبرّرٍ درامي أو رغبة لدى الكاتب في إكمالها.

أنواع الرقابة: الحكوميّة، القنوات، والرقابة الذاتيّة

الإشكاليّة الثانية التي يركّز عليها البحث هي الرقابة. يوضّح الباحث وائل سالم بأن الدراما التلفزيونيّة تخضع كغيرها من الفنون للرقابة، وهو يرى أن التلفزيون هو وسيط تتعامل معه الكثير من الأنظمة العربيّة بحذر، فهناك تاريخ طويل يربط التلفزيون والإذاعات في مختلف البلدان العربيّة بالانقلابات السياسيّة، وبسبب سرعة وصول التلفزيون إلى الجمهور واتساع رقعة انتشاره، جعل الصناعة الدراميّة عرضةً للكثير من المحاذير الرقابيّة، فيرى الباحث أن المسلسل التلفزيوني يخضع لرقابةٍ أشدّ من العديد من الفنون البصريّة الأخرى كالسينما مثلاً، بالإضافة إلى الميل إلى اعتبار الدراما التلفزيونيّة مادةً يجب أن تصلح لكلّ الأسرة بمحتواها وطريقة عرضها.

يفصّل البحث في أنواع الرقابة، هناك أوّلاً الرقابة الحكوميّة في سوريّة، وعلى الرغم من أنه لا توجد معايير واضحة للرقابة الحكوميّة والمتمثّلة بدائرة الرقابة في غرفة صناعة السينما والتلفزيون، إلا أنه يمكن تقسيم آلية عمل الرقابة إلى قسمين: الرقابة على النصّ عبر لجنة القراءة لأخذ إذن التصوير والبدء بالعمل، والرقابة على المادة النهائيّة (الحلقات المُنْجَزَة) عبر لجنة المشاهدة لأخذ إذن السماح بالبيع وبالعرض.

ورغم هذه الآلية المُحْكَمة من الرقابة إلا أن حدود المسموح والممنوع واهية، ففي لقاءٍ مع جريدة الثورة في عام 2008، أكّد المدير السابق لرقابة البرامج في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون غسان شهاب، عدم وجود نصٍّ أو وثيقةٍ مكتوبة لما هو مسموح أو ممنوع أو ما ينظّم آلية عمل الرقابة.

تتمّ الرقابة عن طريق معايير عامة مثل احترام الوحدة الوطنيّة، وأمن الوطن، والقيم الاجتماعيّة والروحيّة للبلد.

سهيل صالح، العضو الحالي والمدير السابق لدائرة الرقابة في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يقول: (إن دائرة الرقابة تضمّ خمس لجان لكلٍّ منها وجهة نظر خاصّة، ما يخلق مجالاً دائماً لتغيير الشروط الرقابيّة للأفضل والأسوأ حسب مزاج الرقيب والمناخ السياسي وحتى احتمالات الرشاوي والعلاقات الشخصيّة مع شركات الإنتاج، ويجعل ما كان مسموحاً في وقتٍ ما ممنوعاً في آخر أو العكس).

في العام 2013، صدر بيان من لجنة صناعة السينما والتلفزيون السوريّة بعد تصاعد الأحداث ضمن سوريّة، بمنع ذكر كلمات مثل " ثوّار الغوطة " ضمن المسلسلات التي تتناول الاحتلال الفرنسي، وأصبح من المفروض إعطاء صورة أكثر دقّة عن التنوّع الديني والتسامح والتحرّر في دمشق حينها، كما اعترضت الرقابة على نصِّ مسلسل (باب الحارة) في جزئه الثامن، وكان التبرير أن الأفكار التي يطرحها العمل متخلّفة ورجعيّة، على الرغم من أن الجزء الثامن من هذا المسلسل يتبع المعادلة الدراميّة نفسها تقريباً التي اتبعها في أجزائه السبعة السابقة الأخرى، ما يشير إلى تخبّط معايير الرقابة.

هناك نوع آخر من الرقابة وهي رقابة القناة الراغبة في عرض المسلسل، فيتمّ حذف الكثير من المشاهد عند العرض، بحسب وجهة نظر القناة وتوجّهاتها، فتشير الناقدة رحاب إلى الحذف الذي طال أغلب المشاهد التي تتكلّم عن سورية على قناة أبو ظبي الإماراتية عند عرضها لمسلسل (العرّاب، 2015 تأليف خالد خليفة وأحمد قصار وإخراج حاتم علي)، وذلك بسبب موقف القناة السياسي مما يحصل في سورية، على حدِّ تعبيرها.

تغيّرت وتعقّدت الرقابة بمختلف أشكالها مع ازدياد الإنتاج وانعدام السوق المحليّة

تغيّرت وتعقّدت الرقابة بمختلف أشكالها مع ازدياد الإنتاج وانعدام السوق المحليّة، فيقول السيناريست هوزان عكو بهذا الخصوص: (فُرض على المسلسل السوري عقبات رقابيّة جديدة، حيث عليه أن يرضي الرقابة الخليجيّة أيضاً، الأمر الذي أصبح يعتبره الكثير من الكتّاب أمراً مفروغاً منه، لذلك تجري الكثير من التعديلات لملائمة السوق والرقابة الجديد، فمثلاً يُفضّل عدم ذكر الحانات أو تصوير مشاهد فيها).

النوع الثالث من الرقابة الذي يعتبره الباحث وائل سالم من أصعب أنواع الرقابات للبحث فيها، هي الرقابة الذاتيّة التي يمارسها الكاتب على نفسه، إذ من الصعب قياسها، وأصبح الكثير من الكتّاب مدركين لحدود الرقابة ويتجنّبون المواجهات معها، من خلال تجنّب الكثير من المواضيع والكلمات في أعمالهم، وأصبح مقياس الكاتب الذكي هو من يلامس حدود الرقابة ويدفعها قليلاً وليس من يتجاوزها ويضع نفسه والمسلسل في خطر.

دمشق هي المركز!

شعبية مسلسلات البيئة الشاميّة وعزارة إنتاجها، سببها تجنب حساسيات اليوم الطائفية والسياسية، بالعودة إلى حقبٍ زمنيّةٍ سابقةٍ، تتناول مجموعة من العلاقات الاجتماعيّة في بيئةٍ محافظة، وهكذا نتجنب مشاكل اليوم عبر قصص الماضي اللطيفة

يقصد مؤلّف البحث بالإشارة إلى هذه الإشكاليّة، هو مركزيّة الإنتاج الدرامي السوري بأنواعه المختلفة في مدينة واحدة، فأغلب المسلسلات السوريّة أحداثها محصورة في دمشق مع عددٍ محدودٍ من الاستثناءات، ما يؤدي إلى ضعفٍ في تمثيل التنوّع السوري، وما أثّر على حرية الكتاب وإبداعيتهم. فتمركز الإنتاج الدرامي السوري على اللهجة الشاميّة قد ساهم بشكلٍ مباشرٍ في خلق مجموعة شروطٍ جديدة يتوجّب على الكتّاب مراعاتها، وبذلك حرمهم من قصصهم ومدنهم وحريّتهم في التعبير، ليحصرهم في الإنتاج الدرامي باللهجة وبالموضوعات الشاميّة.

وبذلك تسيّدت مسلسلات البيئة الشاميّة مشهد الإنتاج التلفزيوني السوري، وهو نوع من مسلسلات يتخذ من حقبٍ زمنيّةٍ سابقةٍ أرضيةً له، ويطرح مجموعة من العلاقات الاجتماعيّة في بيئةٍ محافظة، لحلّ حساسيات اليوم، الطائفيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، عبر قصص الماضي اللطيفة.

إن تجاوزات هذه القاعدة فعلاً نادرة، والمدينة الوحيدة الثانية التي قُدّمت أكثر من مرّة هي حلب. لذلك تندر المسلسلات التي تدور خارج دمشق أو حلب. أما المسلسلات البدويّة فهي الأخرى غارقة في الغموض، فأغلبها لا يُذكَر فيها البلد أو المنطقة التي تجري أحداث المسلسل فيها، لتجري أغلب أحداثها في باديةٍ ما وفي زمنٍ ما، وفي العام 2000 ظهرت مسلسلات العشوائيات، وأصبحت نوعاً له نمطه وملامحه، وهي مسلسلات تتناول حياة الطبقة الاجتماعيّة التي تقطن مناطق السكن العشوائي، والتي هي مناطق سكنيّة غير منظّمة من قبل الدولة، انتشرت حول المدن الكبرى، تحديداً دمشق، وشكّلت حزاماً عمرانيّاً كثيفاً أحاط بالمدينة.

الأنماط المميّزة والأنماط الجاهزة

معظم شركات الإنتاج، لم تعد راغبةً بإنتاج الأعمال الواقعيّة، رغم أن الواقعيّة هي الأسلوب الذي امتازت به الدراما السوريّة عن غيرها، فأصبح مؤلفو السيناريو اليوم مضطرين لكتابة الحبكات غير الواقعية، ليجمعوا أكبر عدد من النجوم العرب لضمان التسويق على أكبر عدد من المحطات

في كتاب (أمّا بعد، شهادات مثقّفين سوريين مستقلّين، 2017، دار ممدوح عدوان)، شهادة لكاتبة السيناريو إيمان السعيد تستحقّ الذكر، عند الحديث عن إشكاليّات صناعة الدراما التلفزيونيّة السوريّة الراهنة. في شهادتها التي تحمل عنوان (عن إقصاء الإبداع في الكتابة التلفزيونيّة)، تبيّن الكاتبة إيمان السعيد أن خروج صناعة الدراما من الحاضنة الأساسيّة لها وهي سورية، وضعها في مواجهة مشكلات عدّة، كان من أبرزها عجلة الإنتاج الماديّة المحكومة بشروط المحطات التلفزيونيّة، وتعرّض الكتّاب لظروف تسويقٍ جديدةٍ مختلفةٍ عما عهدوه سابقاً.

وتوضّح الكاتبة أن التواصل قد انقطع بين كتّاب الدراما النازحين واللاجئين وبين شركات الإنتاج السوريّة، ما دفع بالعديد من كتاب السيناريو للتعامل مع شركاتٍ عربيّةٍ مثل الشركات اللبنانيّة، التي فرضت منطقها الجديد في الكتابة، فمعظم شركات الإنتاج، لم تعد راغبةً بإنتاج الأعمال الواقعيّة، رغم أن الواقعيّة هي الأسلوب الذي امتازت به الدراما السوريّة عن غيرها، حسب تعبير الكاتبة.

تعتبر إيمان السعيد أن مؤلّفي السيناريو اليوم أصبحوا مضطرّين لكتابة الكذبات والحبكات غير الواقعيّة، لإرضاء مزاج المحطات التلفزيونيّة، ليظهر نوعان من الدراما: دراما الفيديو كليب التي تعتني بالصورة وجماليات الكادر وأناقة الممثلين، ومعظمها قائم على اقتباسات لأعمالٍ وأفلامٍ أجنبيّة، ونوع آخر قائم على توليف قصّةٍ فيها عدد من نجوم وأبطال العالم العربي، ما يضطرّ الكاتب للجوء إلى حبكاتٍ مفبركةٍ كاذبة ليجمع أكبر عدد من النجوم العرب، لضمان التسويق على أكبر عدد من المحطات.

ترى إيمان السعيد أن العناصر التي حقّقت النجاح في الماضي للدراما السوريّة، يتمّ اليوم فقدانها بالتدريج، لصالح أنواعٍ أخرى من الإنتاج لا تتوافق مع تميّز الإنتاج الدرامي السوري الناجح.

مما سبق نستنتج أن هذه الاشكاليّات وغيرها تشكل شبكةً من الروابط المعقّدة والعميقة التي تعاني منها صناعة الدراما التلفزيونيّة السوريّة الراهنة، وإن الاطلاع عليها يدلّل على عجز الدراما التلفزيونيّة السوريّة عن إنتاج الأعمال الفنيّة الطليعيّة في المرحلة الحالية، وكلها إشكاليّات تستحق البحث والتحليل والكتابة النقديّة، عند دراسة واحدٍ من أكثر الإنتاج الفني السوري تأثيراً وانتشاراً ومتابعة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard