كيف تسرّبت عينا مُحسنة توفيق إلى روحي

الخميس 9 مايو 201904:23 م

لم أكن قد تجاوزت العشرين عاماً بعد، طالبة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسيّة، حين سمعت عن المؤتمر التأسيسي الثاني لحركة "كفاية"، كانت الأجواء مشحونةً ضدّ نظام مبارك، وكنت قارئة منتظمة لجريدة الدستور المعارضة التي كان يترأس تحريرها إبراهيم عيسى في ذلك الوقت، في عام 2006، كانت الحركة قد حرّكت الساكن في المجتمع المصري، حضوراً وتظاهراً وتغطيةً إعلاميّة من جرائد المعارضة والقنوات الفضائيّة، والأهمّ بالنسبة لجيلي: المدوّنات، التي كان يكتبها شبابٌ نابهٌ وذكيٌّ وساخر حاملاً أدواتٍ جديدةً إلى السياسة المصريّة، ومزاحماً على موقعه وسط المعارضة التقليديّة على صفحات الجرائد، كنت اقرأ تدويناتهم السياسيّة والأدبيّة في صورة يوميّات أو نصوصٍ نثريّةٍ بشغف، وأشعر حين أضغط على زر الانتقال لصفحة أحدهم أني أنتقل إلى عالمٍ آخر لم أكن أتخيّل وجوده.

سلامٌ لعينيكِ يا بهيّة، نَعِدُكِ بالثبات.

ذهبت إلى المؤتمر إذن، في نقابة المحامين على ما أتذكّر، لا أستوعب كُليّاً ما أراه وأسمعه، رأيت الوجوه التي تحمل الاسماء التي أقرأ لها، وبدأ عقلي في ترتيب صورهم على ما يقولونه، ذهبت وحدي وتعرّفت على بعض المشاركين، خرجت من الساحة وبيدي منشور أو اثنين عن الحركة، وملصق بالأصفر والأحمر لشعارها، أفكّر فيما أفعله هنا، بلا أصدقاء في سنّي ولا حتى معارف من الكليّة، حتى رأيت عينيها وأنا في طريق الخروج: بهيّة!

لم أكن قد شاهدت "ليالي الحلميّة"، ولا أعرف شيئاً عن أدوارها في المسرح، فقط أفلامها مع يوسف شاهين. توقفت وأنا أنظر إليها بصمتٍ مُندهشٍ وعينين متسعتين، لفتها سنّي الصغير على ما يبدو، فسألت بابتسامةٍ ودودة: "إزيك؟ حضرتي المؤتمر؟".

لأجيب: "أنا بحبّ حضرتك جداً!"

وتنضبط في رأسي مشاهد من العصفور على صورتها أمامي، وصوتها وهي تغنّي "مصر يامّه يا بهيّة".

فتضحك، وتقول: "أنا كمان مبسوطة إني قابلتك، إيه رأيك في المؤتمر؟".

أنا: "كويس، كويس أوي".

لتردّ بابتسامةٍ حنونةٍ ومتفهّمة: "كويس أوي إنك حضرتي".

إذا كان قلب هذه السيدة هنا، فقلبي أيضاً يجب أن يكون هنا

لم تكن قدرتي على صياغة رأي قد تكوّنت بعد، وكنت مُفعمة بكل ما شاهدته وسمعته وأشعر أن المشهد أكبر منّي، لكن شيئاً في عينيها جعلني أطمئن وهدّأ من روعي، كان في صوتها الملهوف على شيء ما ما يخبرني أني في الجانب الصحيح، إذا كان قلب هذه السيدة هنا، فقلبي أيضاً يجب أن يكون هنا، وخرجت من النقابة وأنا أفكّر في خطوتي التالية للتدريب كصحفيّةٍ بالقطعة في جريدة الدستور، وقلت: "سأقرأ أكثر".

وبقيت، وقرأت، ربما لولا عينيها في ذلك اليوم وصرختها في فيلم العصفور لكان لي شأنٌ آخر.

لم يمت أحدٌ تماماً، كما يقول محمود درويش، تتغيّر الأرواح والمقامات، تعيش عينا محسنة المتفجّرة بالحياة، ويعيش صوتها دائم اللهفة، وقلبها يمتدّ ليضخّ دمه في شرايين أولادها وكُلّ من أحبّوها وتأثّروا بها وصدّقوا عينيها، لكم أمتنّ لأن لها أولاداً "ريحة من ريحتها على الأرض" كما يقول الأبنودي.

يمتلئ الفضاء الإلكتروني بمنشوراتٍ ومقالاتٍ عن حياتها ونضالها، ومواقفها السياسيّة دائماً على يسار السلطة، وانحيازها إلى الطلاب والعمّال

يمتلئ الفضاء الإلكتروني بمنشوراتٍ ومقالاتٍ عن حياتها ونضالها، ومواقفها السياسيّة دائماً على يسار السلطة، وانحيازها إلى الطلاب والعمّال، أشاهد لها فيديو في مهرجان أسوان لسينما المرأة، حيث جرى تكريمها عن مُجمل أعمالها منذ أسابيع قليلة، وهي تحكي عن فتح كوبري عباس وإطلاق النار على الطلاب أثناء عبورهم عام 1946، وكيف أثّرت في تكوينها منذ صغرها، وأنها قرّرت منذ ذلك اليوم أن تقف دائماً حيث يصطف الطلاب، وأفهم اليوم بعد عشر سنوات على مقابلتنا القصيرة كيف تسرّبت عينا مُحسنة توفيق إلى روحي.

وأفهم أكثر وهي تحكي عن غضبها في أي موقفٍ ولجوئها إلى الشارع، كيف مثّلت وتماهت مع المشهد الأيقوني بعد نكسة 1967 في فيلم العصفور حين أعلن عبد الناصر تنحيه، وأصدّق أنها في أي لحظةٍ ستقرّر فيها الخروج إلى الشارع ستجد جماهيراً من الطلاب والعمّال ينتظرونها لإعلان الغضب.

لم يمت أحدٌ تماماً، كما يقول محمود درويش، تتغيّر الأرواح والمقامات، تعيش عينا محسنة المتفجّرة بالحياة، ويعيش صوتها دائم اللهفة، وقلبها يمتدّ ليضخّ دمه في شرايين أولادها وكُلّ من أحبّوها وتأثّروا بها وصدّقوا عينيها.

وأفهم أكثر وهي تحكي محسنة عن غضبها في أي موقفٍ ولجوئها إلى الشارع، وأصدّق أنها في أي لحظةٍ ستقرّر فيها الخروج إلى الشارع ستجد جماهيراً من الطلاب والعمّال ينتظرونها لإعلان الغضب.
لكن الجميع يتفقون على الاحتفاء بصورةٍ لها في ثورة 25 يناير 2011، يحتفون بثباتها على موقفها بعدها بسنوات، ودفاعها عن الثورة حتّى ظهورها الإعلامي الأخير، رغم التضييق والفقد وشعور الهزيمة العام.

تحتفي الأجيال التي تسبق جيلي بدورها كـ"أنيسة" في مسلسل "ليالي الحلميّة" وأدوارها التليفزيونيّة، والبعض يتحدّث عن موهبتها الاستثنائيّة على المسرح، لكن الجميع يتفقون على الاحتفاء بصورةٍ لها في ثورة 25 يناير 2011، يحتفون بثباتها على موقفها بعدها بسنوات، ودفاعها عن الثورة حتّى ظهورها الإعلامي الأخير، رغم التضييق والفقد وشعور الهزيمة العام، في ملمحٍ واضحٍ لافتقاد "الكبار" اللذين لا يتغيّرون أو يغيّرون مواقفهم بتغيّر الأزمنة والحكّام، وهي الثابتة كطود، لدرجة أنها فارقتنا وعملها الأخير مسلسل "أهل إسكندريّة" من تأليف بلال فضل وإخراج خيري بشارة، الذي تمّ انتاجه عام 2014 لا يزال ممنوعاً من العرض لأسبابٍ سياسيّةٍ ولم يرَ النور حتى الآن.

سلامٌ لعينيكِ يا بهيّة، نَعِدُكِ بالثبات.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard