نحدّث الأغراض ونناجي المرايا: وحيدون وليس مجانين

الخميس 9 مايو 201907:19 م

تمرّ الأيام سريعاً من بين أيدينا، تترك في مجرى الدماء والخلايا الخبرات والعبرات، وتضع في جدار الروح ثقوباً يتساقط منها الأحبّة والأخِلّاء فلا يبقى لنا سوى صور مصغّرة عن أنفسنا، موزّعة على الجدران والأشياء، نحدّثها، نتشاجر معها، نسألها دون أن ننتظر منها الردّ.

تشعُّ تلك الحياة في الغرف المغلقة، بين أناس وأشيائهم، شبابٌ يهرب من جموع الأهل والأصدقاء إلى حبيبٍ وفيٍّ وصاحبٍ أوفى، يكتم السرَّ ويحفظ العهد...هنا كلّ شيءٍ مباح، لا مكان لخطوطٍ حمراء أو قواعد هرمت قبل أن تولد.

 

صدمة البدايات

كانت صدمة "خ. عبد الكريم" (26 عاماً)، كبيرة حين قرّرت أسرة الفتاة التي أحبَّها في الجامعة أن تزوّج ابنتها لـ"عريسٍ جاهزٍ"، وبالرغم من تمسّكه بها إلا أنها خانت العهد الذي زرعاه معاً في ذاكرة العظام.

يروي خرّيج كلية التجارة تفاصيل ما حصل معه لرصيف 22: "اتفقنا على التقدّم لخطبتها بعد التخرّج والحصول على وظيفةٍ مناسبةٍ، غير أن السنة الجامعيّة الأخيرة، كانت الحدّ الفاصل في علاقتنا بعدما استجابت لضغوط أسرتها وقبلت الزواج من شابٍّ ثري.. وعلى أثرها مررتُ بأزمةٍ نفسيّةٍ حادّة، وقرّرت أن أعزل نفسي عن الجميع.. فكنت أقضي أغلب أيامي في غرفتي، أمارس ألعاب الفيديو ومشاهدة الأفلام الأجنبيّة، وحيداً باستثناء رفيقتي المرآة والتي كنت أحكي لها كلّ شيءٍ وأشاورها في كلّ قرارتي.. وهي بحقّ صديقة وفيّة. صدّقوني لا أحد يستحقّ هذا الشرف سوى المرآة".

كنت أقضي أغلب أيامي في غرفتي، أمارس ألعاب الفيديو ومشاهدة الأفلام الأجنبيّة، وحيداً باستثناء رفيقتي المرآة والتي كنت أحكي لها كلّ شيءٍ وأشاورها في كلّ قرارتي

يرى د. بهاء الشيخ، الطبيب النفسي، أن "عبد الكريم" بحاجةٍ إلى تكوين شراكاتٍ جديدة، والحصول على أصدقاءٍ جُدد يشاركونه اهتماماته مثل الألعاب ومشاهدة الأفلام، كما يحتاج إلى أن يضع ثقته في الآخرين لأن الحياة لم ولن تتوقّف عند شخصٍ واحدٍ، مؤكّداً أن الفشل في قصّة حبّ لا يعني نهاية العالم، بل اختبار ودرس لا يُنسى، أما البقاء بين جدران الغرفة لا يحلّ الأزمة إنما سوف يزيدها تعقيداً.




كلهم باعوني

يحكى "إبراهيم." خرّيج كلية التربية، تفاصيل معاناته ويقول لرصيف22: "مشكلتي بدأت في الصغر إذ كنت أعاني من "تأتأة" في الكلام، وبالتالي كنت مَثَار سخرية زملائي في المدرسة، حتى أنني فكّرت كثيراً في ترك الدراسة، إلا أن أبي كان يحفّزني دائماً ويخبرني بأنني حين أكبر سوف أتجاوز تلك الأزمة، غير أن ذلك لم يحصل، اذ بقيت أضحوكة كلّ شلّةٍ أدخلها، ومن هنا قرّرت أن أعزل نفسي عن أغلب أصدقائي ولم أعد أتحدّث في الجلسات، بل أسترسل في الحكي والفضفضة فقط مع ملابسي، والتي أضعها أمامي على السرير وأحدّثها بشخوصها، فهي الوحيدة التي تسمعني وتحترمني دون أن تسخر مني، رغم أن أسرتي أصبحت تعتبرني مجنوناً بحاجةٍ لعلاجٍ في مصحّةٍ نفسيّة".

الحياة لم ولن تتوقّف عند شخصٍ واحدٍ،  والفشل في قصّة حبّ لا يعني نهاية العالم، بل اختبار ودرس لا يُنسى

يوضّح الدكتور بهاء أن الأحاديث مع النفس والاسترسال في الخيال، من أحلام اليقظة التي تتطوّر لتجعل الإنسان يعيش في عالمٍ افتراضي أبعد ما يكون عن عالمه الحقيقي، وهذا النسق من التفكير أحياناً قد يكون مرتبطاً بالوسواس القهري الذي ينبغي التخلّص منه، والتأكيد في كلِّ مرّةٍ على أن ما يراه المرء من أشخاصٍ وهميّين مجرّد أفكارٍ خياليّةٍ لا يجب أن يستنزف قدراته فيها.

ويضيف أن "إبراهيم" بحاجةٍ إلى إعادة اكتشاف ما هو موجود عنده من قدراتٍ ومواهبَ وميولٍ والسعي لتنميتها وتطويرها، "لأن العيش بلا هدفٍ يكون مضيعة للوقت والأجر، ولذا أنصحه بأن يحدّد لنفسه أهدافاً نبيلةً يسعى لتحقيقها بمشاركة الأهل والأصدقاء".

معضلة العيب

"أنا إنسانةٌ خجولةٌ جدّاً أخاف أن أتحدّث عن الأمور التي أراها غير مفهومة بالنسبة لي، وفي كلِّ مرّة كنت أحاول فيها التغلّب على خجلي وطرح الأسئلة على أسرتي، كنت أُقابَل بالرفض بحجّة أنه "عيب أتكلّم في حاجات زي دي"...هكذا بدأت الفنانة التشكيليّة "منى" 28 سنة، حكايتها وتابعت لرصيف22: "كانت كلّها أسئلة بريئة وكان الغرض منها أن أكون فاهمة إيه اللي بيحصل حواليّا، وفي أحد الأيام تعرّضت للتحرّش من زوج عمتي، فجريت على أمي أحكي لها ما جرى فطلبت مني ألا أتكلّم عن هذا الموضوع مع أي شخص حتى أبي، ولكن في نفس اليوم قرّرت أن أخبر أبي غير أنني تلقّيت علقةً ساخنةً من أمي لم أنسها حتى اللحظة، بعدها كنت أستيقظ على كوابيس، وشعرت بالرعب من أن أتعرّض لمواقف مشابهة لما جرى معي، خفت من كلّ الناس، وفي نفس الوقت كنت أخاف من التعبير عما أشعر به، فهربت إلى الداخل وتحديداً إلى رسوماتي، وكوّنتُ أسرةً جديدةً من العرائس والألعاب، فهم ينصحونني وأنا أتكلّم معهم في كلّ شيء دون خوفٍ أو خجل".

يرى الدكتور بهاء أن المجتمع يخلط دوماً بين الخجل والانطواء والرهاب الاجتماعي، مؤكّداً أن الشخص الخجول يتراجع عن فعلٍ معيّنٍ لأنه يشعر بالنقص وانعدام الثقة، وأن الآخرين سيقومون بالحكم عليه، ونظراً لكون الإنسان الخجول حسّاساً جداً، فهو يركّز على أفعاله ويخشى الانتقاد ويتجنّب الكثير من الأفعال الطبيعيّة، الأمر الذي تحتاج معه "منى" إلى تنمية مهاراتها وزيادة ثقتها بنفسها، وهو أمرٌ يتطلّب مساعدة الأسرة، خصوصاً إذا كانت الأخيرة وراء النتيجة التي وصلت إليها هذه الفتاة.

هذا وقد نصح الدكتور "منى" وأمثالها بالتخلّص من الوحدة والانعزاليّة والاستمرار بالقيام بأي نوعٍ من التمارين الرياضيّة وتمارين الاسترخاء التي تفيد جداً في هذا المجال.


شبح الوحدة

حالةٌ جديدة بطلها هذه المرّة "سامر" 28 سنة، مالك محلٍّ لبيع الأجهزة الكهربائيّة، والذي وُلد وحيداً لوالدين تعوّدا السفر والتنقّل بين البلدان العربيّة بحثاً عن تأمين مستقبلٍ أفضل.

يقول "سامر": "كنت أتنقّل معهما باستمرار، وحين وصلت إلى المرحلة الجامعيّة قرّرت البقاء هنا وحيداً، وبصراحة كنت سعيداً جدّاً بوحدتي لأنها ستضمن لي أن أمارس حياتي بحريّةٍ بعيداً عن أي ضغطٍ من الضغوط".

يواصل "سامر" حديثه لرصيف 22: "في العام الثاني من الدراسة وأثناء الإجازة التي قضاها معي والديّ هنا اكتشفت أنهما يمارسان معي كل أشكال التعدّي على الحرية: لا تخرج كثيراً، لا تتأخّر بالخارج، لا تفعل كذا ولا تلبس هكذا، لماذا اخترت هذه القَصّة غير المناسبة لشعرك، هل أنت على علاقةٍ بأي فتاة.. المشكلة أنني لم أكن أعرف أين أهرب منهم، وحتى علاقتي مع أصدقائي لم تكن جيّدة ومبنية على المصالح، ومع كلّ هذا الضغط اخترعت أصدقاء "وهميين" أفرّغ معهم ما يدور في عقلي وقلبي، وجميعهم كانوا من الأشياء المنتشرة في غرفتي، فأنا في نهاية المطاف أبحث عمّن يفهمني ويشبهني، لأنني للأسف لم أجد مثل هؤلاء على أرض الواقع".

مبرمجون على رؤية الوجوه في كلّ شيء حولنا، كما نميل للتفكير في كلّ ما نحبّه على أن لديه عقلاً يستطيع التفكير

يشير الدكتور بهاء إلى أن البعض يحب أن يضع نفسه موضع المضطهد، ويستمتع بذلك، موضّحاً ذلك بالقول: "ربما هو يبحث بذلك عن لفت انتباه أسرته بهذه الطريقة الميلودراميّة، لكن إذا أراد أن يتخلّص من كلّ ما يؤرّقه فعليه أن يتخلّص من هذا الوضع، وأن يعمل بجدٍّ ليحصل على ما يريد، إنه بحاجةٍ إلى تفهّم خوف أسرته عليه، وقبول هذا الأمر طالما أنه بعيد عن الصور المرضيّة لخوف الأسر على أبنائها، عليه التحدّث معهم طوال الوقت، وتكوين صداقاتٍ جديدة قائمة على الودّ والتفاهم لا على علاقة المنفعة".

إضفاء الصبغة الإنسانيّة على الأشياء هو تصرّفٌ طبيعي يدلُّ على معدّل ذكاءٍ أعلى لدى البشر

ضرب من الجنون؟

في حين أن البعض يعتبر أن التحدّث مع الأغراض ضربٌ من الجنون، يؤكّد عالم السلوك بجامعة شيكاغو "نيكولاس إيبلي"، أن إضفاء الصبغة الإنسانيّة على الأشياء هو تصرّفٌ طبيعي يدلُّ على معدّل ذكاءٍ أعلى لدى البشر، فنحن كما قال: "مبرمجون على رؤية الوجوه في كلّ شيء حولنا، كما نميل للتفكير في كلّ ما نحبّه على أن لديه عقلاً يستطيع التفكير".

ويضيف "إيبلي" أن الكثيرين يمارسون هذا الفعل بشكلٍ أوسع مما يعتقدون ودون أن يلحظوا ذلك، فالكثير منا يوجّهون الشتائم إلى سيّاراتهم ويتغزّلون بفنجان القهوة، ويصفون الطقس بأنه غاضب، كما يطلق البشر على الأعاصير والعواصف والفيضانات أسماء بشريّة، وكلها تؤدّي إلى منح الأشياء غير الحيّة أو غير البشريّة خصائص بشريّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard