كيف تفرض الدولة المصرية رؤيتها للفن والأخلاق من خلال دراما رمضان؟

الأربعاء 8 مايو 201903:31 م

لا يخفي رئيس المجلس الأعلى للإعلام في مصر مكرم محمد أحمد أن لدى الدولة المصرية نظرة خاصة للفن والأخلاق والمجتمع، مفادها أن الأعمال الفنية المختلفة يمكن أن تكون وسيلة لإيصالها إلى المواطنين. وصرّح لرصيف22 أن مسلسلات رمضان ليست مساحة لنشر أفكار البلطجة والسرقة والعنف والعادات الخاطئة، بل يجب أن تكون مساحة لنقل رسائل إيجابية إلى المجتمع على حد قوله.

وجهة نظر رئيس المجلس الحكومي المقرب من النظام الحاكم في مصر هي نفسها تقريباً وجهة نظر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي قال أكثر من مرة إن الأعمال الفنية في بلاده يجب أن تنقل قيماً إيجابية إلى المواطنين.

وكان السيسي قد عبّر في العام 2017، خلال مؤتمر للشباب، عن إعجابه بتدخل الدولة في الأعمال الدرامية في الماضي، قائلاً إنها قدمت عناصر بناء إيجابي ولم تسعَ إلى المكسب فقط.

وفي الماضي، كانت الحكومة المصرية ممثلة في التليفزيون الرسمي (ماسبيرو) تحتكر إنتاج المسلسلات التي تعرض طوال العام وفي رمضان، وكانت رقابة التليفزيون تضع قيوداً على تلك المسلسلات حتى تصبح مناسبة للدخول إلى جميع البيوت بحسب تصريحات المسؤولين عن التليفزيون وقتذاك.

لكن الأمر تغير في السنوات الأخيرة بعدما ظهر العديد من شركات الإنتاج المصرية الخاصة التي باتت تنتج عشرات الأعمال من المسلسلات التي يقوم ببطولتها نجوم يحصلون على أجور ضخمة، وقد حققت مكاسب كبيرة.

ويبدو أن الدولة المصرية وجدت أن شركات الإنتاج أضحت تنتج أعمالاً كثيرة لا تعرض وجهة نظرها، كما بات متعذراً التحكم في هذا العدد الضخم من الأعمال، لذا قررت أخيراً أن تطلق شركة يتردد أنها مقربة من الجيش والمخابرات تقوم بإنتاج الأعمال التليفزيونية، وهي شركة "سينرجي" للإنتاج الدرامي التابعة بدورها لشركة إعلام المصريين التي تسيطر على أغلب المنصات الإعلامية في مصر.

و"سينرجي" هي واحدة من أبرز شركات الإنتاج الفني في مصر، تتبع مجموعة إعلام المصريين التي تمتلك أغلب شبكات القنوات الفضائية المصرية مثل قنوات سي بي سي والحياة وأون إي، كما تمتلك مواقع إلكترونية وصحفاً ومحطات إذاعية عديدة.

وتتبع مجموعة إعلام المصريين بدورها شركة إيغل كابيتال للاستثمارات المالية، وهي شركة مساهمة مصرية تأسست في العام 2016، ويزعم مراقبون أنها تتبع المخابرات المصرية.

وتولت شركة سينرجي إنتاج نحو 15 عملاً هذا العام من إجمالي 22 عملاً درامياً تعرضها القنوات، وتحمل كلها وجهة نظر الدولة، خصوصاً في ما يتعلق بالترويج للأمن وإظهاره بمظهر حامي حمى المصريين.

يقول مكرم محمد أحمد إن المجلس الأعلى للإعلام لا يسمح بعرض أي عمل فني على الشاشات قبل الحصول على موافقة الرقابة على المصنفات الفنية، مضيفاً أن هذا هو ما تنص عليه المعايير التي سبق أن أعلنها المجلس وأرسلها لكل القنوات التليفزيونية والمحطات الإذاعية للالتزام بها.

ويتابع أحمد في حواره مع رصيف22 أن المجلس الأعلى للإعلام حريص على حرية الإبداع، لكنه يضيف أنه يجب على جميع صناع الدراما الالتزام بالقيم المصرية، مؤكداً أن المجلس سوف يعلن قريباً جائزة لأفضل مسلسل حرص على القيم والتقاليد المصرية ولم يخالف المعايير المهنية، بحسب قوله، من دون أن يحدد ما هي الجائزة التي سيحصل عليها هذا العمل.

 رئيس المجلس الأعلى للإعلام في مصر يقول لرصيف22 إن مجلسه حريص على حرية الإبداع، لكنه يضيف أنه يجب على جميع صناع الدراما الالتزام بالقيم المصرية، معتبراً أن "قلة الأدب ليست حرية تعبير".
لجنة مراقبة الأعمال الفنية في مصر تقول إنها رصدت اليومين الأخيرين مخالفات عدة في بعض المسلسلات في رمضان تنوعت "بين إيحاءات جنسية وألفاظ متدنية ولغة حوار سوقية".
رئيس المجلس الأعلى للإعلام في مصر يصرح لرصيف22 أن المجلس سيعلن قريباً جائزة لأفضل مسلسل "حرِص على القِيم والتقاليد المصرية ولم يخالف المعايير المهنية". 

لجنة خاصة لمراقبة الأعمال الفنية

يؤكد أحمد أن المجلس الأعلى للإعلام فكر في السنوات الأخيرة في إطلاق لجنة خاصة للدراما تابعة للمجلس الأعلى للإعلام، حتى يضمن أن تكون جميع الأعمال التي تعرض على الشاشات محترِمة للعادات والتقاليد المصرية.

ولا يرى أن هذه اللجنة تتعارض مع حرية الرأي والتعبير، قائلاً إن "قلة الأدب ليست حرية تعبير".

ورغم أن غالبية مسلسلات هذا العام أنتجتها شركة سينرجي، فإن اللجنة أعلنت أمس الثلاثاء 7 مايو، أنها رصدت في عدد من المسلسلات التي جرى عرضها خلال اليومين الماضيين مخالفات عدة تنوعت "بين إيحاءات جنسية وألفاظ متدنية ولغة حوار سوقية".

لم تكتفِ اللجنة بذلك بل حذرت المنتجين من الاستمرار في هذا الأمر، مشددة على ضرورة معالجة المخالفات التي رصدتها اللجنة حتى لا تفرض عقوبات على هذه الأعمال تراوح بين الغرامة ووقف بث العمل، وهذا ما يعني أن دور اللجنة أكبر من مجرد "رصد المخالفات" إذ لديها القدرة على وقف الأعمال الفنية، وهو ما يعدّ تهديداً حقيقياً لحرية التعبير، بحسب البعض.

أعمال رمضان هذا العام فأر تجارب

في الإطار عينه، يقول الناقد الفني المصري محمد عدلي إن فكرة احتكار أي سلعة هي فكرة تضر بالسوق الخاصة بهذه السلعة، لأن التحكم حينذاك يكون من طرف واحد، هو الطرف المالك والمسيطر الذي يحقق مكاسب كبيرة من احتكاره، ويضيف عدلي لرصيف22 أن هناك من يرى الفن سلعة ولا بد له من السيطرة عليها.

يكمل عدلي أن هذا العام لم نر شركات كبرى تنتج أعمالاً درامية سوى شركة سينرجي والقليل من الشركات الأخرى، في حين احتجبت شركات كبرى تماماً وأهمها شركة العدل غروب، التي كانت تنتج أعمالاً عدة في السنوات السابقة، وهذا الأمر قلل من عدد المسلسلات المعروضة هذا العام.

وفي ما يتعلق باختفاء الأعمال الجريئة عن الشاشات المصرية، يقول عدلي إن هناك توجهاً عاماً لعدم وجود رقصات أو مشاهد تستفز المشاهدين من وجهة نظر السلطة، فضلاً عن عدد آخر من القرارات، مثل تخفيض موازنات كل الأعمال الفنية في رمضان وأجور الفنانين، مؤكداً أن الأعمال الرمضانية هذا العام تعتبر فأر تجارب لشكل الموسم الرمضاني في السنوات المقبلة.

ويختم عدلي "إذا نجح ما تسعى له الدولة هذا العام فسيكون هذا هو شكل أعمال رمضان في المستقبل، وإذا لم تنجح هذه الأعمال في تحقيق نسبة مشاهدة عالية فستبحث السلطات المصرية عن طريقة أخرى لعرض أفكارها ونظرتها للأخلاق والمجتمع على الشاشات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard