أحبّ شهر رمضان، لكنّي لا أصومه قناعةً ولستُ كافرة

الأربعاء 8 مايو 201904:44 م
Read in English

قبل بداية شهر رمضان بأسبوعٍ على الأقلّ، يصدر تعميمٌ رسمي من الدولة تُعلن فيه ساعات الدوام في رمضان، في القطاعين العام والخاصّ، كلّنا ننتظر هذا الإعلان لنرتّب حيواتنا خلال هذا الشهر، متى نستيقظ ومتى ننام، وفي أي وقت نشتري حاجاتنا تجنّباً للأزمة، إلخ... لكننا نتفاجأ في اليوم الأوّل لرمضان أن خططنا فشلت: الشوارع مكتظّة طيلة الوقت، والناس في حالة تأهّبٍ للمشاكل واستفزازٍ دائم، حتى العمل يتأثّر: يصبح من الصعب إنجاز المهمّات التافهة الروتينيّة التي كانت تُنجز يومياً من دون أدنى مجهودٍ ذهني، إنه شهر يفرض قوانينه وشروطه وسلطته أيضاً.

كان يزعجني التفكير في أنهم يعتقدون أنني صائمة ومتعبة، بينما أنا العكس تماماً

أوّل وعيي لشهر الصوم كان في الشتاء، أذكر أنني صمتُ لأوّل مرّةٍ في عمر ست سنوات، كانت أمي محتفلة بي كوني بدأت الصيام في سنٍّ صغيرٍ مقارنةً بإخوتي، كلّ يوم صيام كان يقابله دينار أردني، كنوعٍ من أنواع المكافأة والتحفيز، لإكمال مسيرة الصيام طيلة الشهر، وفي نهاية الشهر كانت الهدية خاتم ذهبٍ مرصّعاً بحجرٍ لامعٍ جميل، لا أنسى حتى اللحظة فرحتي به وانبهار من كانوا حولي بهدية كهذه.

ما أتذكّره من المغامرة الأولى مع الصيام هي سهولته، كان فصل الشتاء في أوجه، صُمنا في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر أو كانون الأول/ ديسمبر، نتناول السحور قبل أن ننام، ونستيقظ في الصباح للمدرسة، وبعد عودتنا بساعتين فقط، نتناول الإفطار الذي كانت تعدّه أمي، شهيّاً لذيذاً، استمرّ هذا المنوال لفترةٍ طويلةٍ في طفولتي، وبدأ الصيام يصعُب شيئاً فشيئاً، النهار يطول والإفطار يتأخّر عن موعد عودتنا من المدرسة بكمشة ساعات، كما أن عائلتي اعتادت حقيقةَ صبري وثباتي في الصيام، هذا ما جعل طفلةً مثلي تحتال للمرّة الأولى في حياتها عن سابق الإصرار والترصّد: أشرب من صنبور المياه في الحمّام، وأسرق لقم الطعام من الثلاجة، وأخفي بعض المكسّرات في جيبي، ألتهمها في غرفتي، ولم أعلن وقتها أن الصيام بدأ يُتعبني وأنني لم أعد أطيقه.

تأخّرت في اتخاذ موقفٍ مفهومٍ بيني وبين نفسي حول امتناعي عن الصيام، ما كنت أفهمه أنني أرفض الصيام تبعاً لموقفي من الدين أوّلاً ومن وجود فروضٍ متعبةٍ وعبثيةٍّ سقطت مسبّبات فرضها الأصليّة ثانياً، لكن فكرة التغلّب على الشعور بالذنب والتقصير والخداع، أخذت مني وقتاً طويلاً حتى تخلّصت منها تماماً مع نفسي، وانتقلت بعدها لهواجس أكبر وأكثر خطورة على احترامي لذاتي، ألا وهي إعلان موقفي من الصيام لمن هم حولي، كان يزعجني التفكير في أنهم يعتقدون أنني صائمة ومتعبة، بينما أنا العكس تماماً، فكرة كهذه من شأنها أن تُشعرني بالنفاق والخوف من ردّة فعل من هم حولي، علماً أنني كنت مذعورة من اكتشافهم لكفري، نعم كنت أظنّ أن معرفتهم بامتناعي عن الصيام قصداً هو إعلان لكفري ويترتب عليه دفع فواتير كثيرة اجتماعيّة ونفسيّة.

بدأ الصيام يصعُب، كما أن عائلتي اعتادت حقيقةَ ثباتي في الصيام، هذا ما جعل طفلةً مثلي تحتال للمرّة الأولى في حياتها عن سابق الإصرار والترصّد: أسرق لقم الطعام من الثلاجة، ولم أعلن وقتها أن الصيام بدأ يُتعبني وأنني لم أعد أطيقه.

تأخّرت في اتخاذ موقفٍ حول امتناعي عن الصيام، ما كنت أفهمه أنني أرفض الصيام تبعاً لموقفي من الدين ومن وجود فروضٍ متعبةٍ وعبثيةٍّ سقطت مسبّبات فرضها الأصليّة، لكن فكرة التغلّب على الشعور بالذنب، أخذت مني وقتاً طويلاً حتى تخلّصت منها.

الآن، أحبّ شهر رمضان، آكل طيلة النهار بشكلٍ طبيعي، وأضع وجبتي الرئيسيّة وقت المساء، بينما يأكل الصيّام وجبتهم الأولى. هذا شهر المناكفة البسيطة، والخلافات التي لا تُحسم لطرفٍ على حساب الآخر، بل إنها جدالات تموت في أرضها، ما يعني أنها ليست جديّة أبداً.

سيرورة الحياة جميلة ومفاجِأة، تزيل عن أكتافنا عبئاً كان يسرق شجاعتنا، لقد تأخّرت في قراءة الدين وفهمه ثمّ رفضه، لقد رفضت الدين في المرّة الأولى فطريّاً من دون أن أفهم ماهيّته وإلى أين سيأخذني، هذا جعلني ضعيفة الموقف أحياناً وغير قادرة على صياغة ردٍّ لمن يناقشني في الدين ويتهكّم على موقفي، ويدعو لي بالهداية والصلاح، ثم بدأت أقرأ في الدين وأبحث في تفاسيره وتاريخه لتصبح فطرتي أقوى، وموقفي جدّياً وحاسماً، وبالتالي يصبح من الصعب على أحدٍ أن يتعالى على خياري، ويفكّر ملياً قبل أن ينعتني بالكافرة... لست كافرة، اخترتُ ألّا اتّبع أحداً، الكفر يعني أنني أعرف الحقّ ومتأكّدة منه وأحيد بملء إرادتي عنه، وأحدنا غير المتديّن لا يتحدّث عن خياراته إلا بطلبٍ ومناسبة، وأي حديث من دون مناسبةٍ يعتبر تفاخراً واستعراضاً وما إلى ذلك، علماً أن المتديّن يتحدّث دائماً عن طقوسه ومناسباته الدينيّة ويبالغ في هذه المسألة، لمرحلة يحوّل بها مسار الحياة والعمل، للشكل الذي يناسبه، لكنني، على الرغم من كلّ شيء، أحبّ أشهر الصيام في كلّ الديانات، ربما لو لم يكن لدينا شهور صيام وطقوس احتفالاتٍ وابتهالاتٍ دينيّة لما كان بمقدورنا أن نتحدّث عن خياراتنا علانيةً ومن دون أن نسأل عنها.

لست كافرة، اخترتُ ألّا اتّبع أحداً

في الفترة التي تصبح فيها اعتقاداتنا متوافقة مع شعورنا السرّي والعلني، ومع الآخر أياً كان، ننتقل لحالة من الراحة والاستمتاع بكلّ التفاصيل التي تحيط بنا، بل ونتفهّمها، لذا أنا الآن أحبّ شهر رمضان، آكل طيلة النهار بشكلٍ طبيعي، وأضع وجبتي الرئيسيّة وقت المساء، بينما يأكل الصيّام وجبتهم الأولى، كما أنني أتلذّذ بكلّ المشروبات والحلويّات في هذا الشهر، مع تحفّظي على الأسباب التي تجعل هذه المأكولات حَكْراً على شهر رمضان، هذا شهر المناكفة البسيطة، والخلافات التي لا تُحسم لطرفٍ على حساب الآخر، بل إنها جدالات تموت في أرضها، ما يعني أنها ليست جديّة أبداً. مديري في العمل قال لي في أوّل يوم من رمضان: كلي واشربي ودخّني لا مشكلة لدي، تعجّبت منه ولم أجب على كلامه: لقد قدّم لي فرصةً للإفطار العلني، وهذا بحدِّ ذاته أشعرني أنني في مكانٍ مميز، علماً أن الإفطار في رمضان فعل غير مجرّم في الدستور ولا يُحاسب عليه، لكنني أعترف الآن أننا نخوض خصوماتٍ ضعيفة، لا تنتج شيئاً: فكرة أن حروبنا في سبيل حقوقنا الإنسانيّة، تدور بمنطق المناكفة والاستفزاز وإثبات الذات بشكلٍ لحظي لا أكثر، يعني أن الطرفين (الديني واللاديني) والدولة معهما، في حالةٍ من عدم الاحترام، والخلاف الحضاري الناتج عن الاحترام بين الجميع، هو الدليل القاطع على أن الواحد منا مؤهّل للدفاع عن معتقده وموقفه بشكل جدّي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard